مراجعات (أ). الطيب صالح ووجه آخر (2أ): مصطفى سعيد والصراع غير المتكافئ للإنتلجنتسيا .. بقلم: مازن سخاروف‎


(2) ألف*
سقوط الإنتلجنتسيا والهزيمة الداخلية … الطيب صالح يؤكد فرضيات الإستعمار

المأزق أن الذي شرح فيما سبق يمثل وجهة نظر متفائلة جدا وتعتمد على إنتلجنتسيا متقدمة جدا في الوعي والنضج الذهني لتفكيك الخطاب من منظور معافى من شراك وفخاخ الإستعمار, وللسخرية من حتمية مزعومة لإستسلام الآداب والفنون لما يسمى بالبيئة, وبل على العكس جعل الإحتمالات الأخرى مفتوحة, تحقيقا لأمل الإرتقاء بتلك البيئة [red]داخل كما خارج النص[/red] في مسيرة التقدم الإنساني للأفراد والشعوب.

لذا, فقد وجدت الطيب صالح يكاد أن ينسف نظريتي من أساسها حين وجدت حوارا له في اليوتيوب أجرته معه قناة الـ إم بي سي في عام أربعة وتسعين وتسعمائة وألف, يدعم فيه تسمية الواقعية السحرية
, وليس هذا فحسب, بل يوافق مقدم الحوار, محمد رضا نصر الله في أسبقية الطيب صالح بأدب الواقعية السحرية على كتاب أمريكا اللاتينية
لا أستطيع أن أقول سوى, الهزيمة الداخلية يصعب إبتلاعها.
وقفة:
الجزء الثاني من الحوار هو الذي ورد فيها الحديث عن الواقعية السحرية.

وبدلا من التصدي لهذا النوع من ترسانة الحرب الثقافية لتقزيم وسجن الإنتاج الإبداعي للإنتلجنتسيا, يتحول الموضوع إلى جدلية حول أسبقية العرب على الأمريكيين الجنوبيين في إنتاج الواقعية السحرية.

للإنصاف (إضافة لم ترد في النص الأصلي), الطيب صالح أولا وفي المقام الأول يضع “الواقعية السحرية” بين أقواس, إذ في معرض إجابته على السؤال حول من أتى بالواقعية السحرية أولا يقول, “الواقعية, ثم يستدرك فيقول “ما يسمى بالواقعية السحرية” .. فوق ذلك يقول في نهاية إجابته “إذا كان الشباب الآن متجهين هذا الإتجاه (أي الإستفادة من الأسطورة في الصياغة الروائية, سخاروف), فأنا أظن هذا إتجاه حسن, لأنو هذا يعيدهم إلى جذورهم, ويبعدهم عن الألاعيب الأوربية في الشكل”. فهو هنا يتفق معي , وقد سبقني بها طبعا في الإشارة إلى النزعة الأوربية لوضع إنتاج الآخر بين قوسين فيما يتعلق بالنقد الأدبي (وليس النقد الأدبي وحسب). لكني آخذ عليه أنه لم يمض أبعد من ذلك, فيـُثيت مثلا أن “السحرية” في الواقعية تعني بصريح العبارة واقعية محلية\إقليمية\مناطقية, أو واقعية بالقياس إلى واقعية معيارية أوربية يُـنسب كل شيئ لها في المنظور الأوربي. بكلمات أخرى, الواقعية الأوربية هي الصورة الأصلية, بينما “االواقعية السحرية” مجرد نيقاتيف. أو الأوربية رواية مهيمنة في محكمة “عقلانية” الأدب, بينما “الأخرى” مجرد تفريعة من تفريعاتها, إن لم تكن فوق ذلك (حسب جرعة التحيز كما أسلفنا) هلوسة أدبية.

إن تساءل بعض القراء, لماذا “جعل قبة من تلك الحبة”؟ فأستطيع القول وبكل ثقة, إننا هنا لا نلجأ إلى أو نكتفي بإثارة الزوابع في الفناجين, بل نلفت الأنظار إلى أيديولوجيا شاملة لتحجيم الآخر. فعلم النفس مثلا سواء أتى من فرويد, يُنق أو أدلر هو علم للإنسان الأوربي, بينما الإنسان الأسود مجرد هامش على حواشيه. هذا ليس حتى كلامي, بل كلام الذين اقتحموا هذا المجال ووجدوا هامشية وتهميش الآخر ليس في الآداب والفنون وحسب, بل في الظواهريات وعلم النفس, وقس على ذلك (1).
The point is, there is no epistemology of blackness that is considered universal. Black is “only in relation to white”

في الأدب والعلوم والسلم وحتى الحروب, لا تسمى الحرب “عالمية” إلا إذا كان الأوربي أحد أطرافها.
مصداقي لهذا, إلتقيت بأحد الكتاب البريطانيين من أصل روسي (2). بعد أن قرأ إحدى قصصي القصيرة قال لي, “كتاباتك أوربية”. أجبته على الفور, بالطبع. إنت كنت مفتكر شنو يعني؟

في المقام الثاني, يقول الطيب صالح في تفكيك “الواقعية السحرية” بإن “كل نظرتنا إلى الدنيا هي خليط بين الواقع والأسطورة”. أي ييتحدث عن أثر التراث في القص الروائي. وسأعرض لذلك باختصار فيما يلي في الجزء (2) باء

للفائدة الحوار كاملا مع الطيب صالح هنا:

——————
(1) سأقوم بشرح ذلك في مقبل المقالات حتى لا يتشعب الحديث.

(2) في حديث هاتفي بعد لقائي الأول والأخير بالكاتب البريطاني من أصل روسي زنوفي زِنِك. نشرت جزءً من أول لقاء لي معه في موقع سودانايل بتاريخ 29 يونيو 2021, وتلك كانت إفتتاحية سلسلة مقالات بعنوان, “لندن: ذكريات وأحاديث” على هذا الرابط:

لندن، ذكريات وأحاديث .. بقلم: مازن سخاروف

* رابط الحلقة السابقة, “مراجعات (أ). الطيب صالح ووجه آخر (1)” هنا:

مراجعات (أ). الطيب صالح ووجه آخر: مصطفى سعيد والصراع غير المتكافئ للإنتلجنتسيا .. بقلم: مازن سخاروف

jsmtaz2014@gmail.com
//////////////////////////////////


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!