"البوح ليس دائما أذنا أخرى بقدر ما هو زمان ومكان ولذة اعتراف" .. محمد حسن علوان ..!

هنالك دفقة عذاب - قلق ممتع وعصف ذهني لذيذ - تعقب قراءة الروايات الجميلة .. عشاق القراءة يعرفونها جيداً .. ولمن لم يصل إليها بعد, هي ذلك المزيج المتناغم بين الخدر اللذيذ والتحديق ببلاهة في الفراغ أمامك، لفترة قد تطول أو تقصر, الأمر مرهون بتفاعلاتك الداخلية، قبل أن يتلاشى الوهج تدريجيا، وتصبح الومضة قطعة مطرزة في قماش الذاكرة الناعم، تعود إلي استرجاعها كلما سنحت لذلك سانحة ..!

من الأشياء البديعة في الأدب أنه يبوح بما في نفسك إنابة عنك، ويختزل طبائع النفس الإنسانية في أيقونات روائية، يسهل التوسل بمواقفها لتفكيك سلوك البشر الخطائين! ..

أحد أقرباء الأديب الراحل الطيب صالح كان رجلاً أمياً لا يعرف القراءة والكتابة، ولم يسمع عن الإبداع الروائي، وبالتالي فهو لا يستطيع أن يُؤمِّن على مواطن العبقرية وموجبات الإكبار في تدوير حكايات قريته في قالب فني ..!

سمع الرجل برواية موسم الهجرة إلى الشمال فطلب أن يقصوها على مسامعه، ففعلوا، وعندما وجد الرجل الأمي كلامه مضمناً في حوارات أبطالها، صاح جازماً أن حكاياتها هي حكايته، والفرق - إن وجد - يكمن في بعض "اللولوة" ..!

تلك الـ "لولوة" التي أخلَّ الرجل الظريف في تبسيطها هي صنعة الأدب، إعادة إنتاج مدخلات الواقع .. امتزاج القناعات الشخصية بالرؤى النقدية والفلسفات والأفكار، .. نقض غزل الواقع الخام، وإعادة رتقه في ثوب قشيب، قبل أن يرده الكاتب إلى قارئه رداً جميلاً ..!

صحيفة "الإندبندنت"، البريطانية، نشرت قبل فترة، دراسة - أجراها عالم نفس كندي - تتناول الفوارق بين الذين يقرءون الأدب وبين الذين لا يقرءون، وقد أثبتت نتائجها أن قراء الأدب يمتلكون مقدرات عالية على التكيف مع المشكلات الاجتماعية المعقدة، ويجيدون فنون التعامل مع طبائع النفس الإنسانية على تباينها .. فالأدب يجهز قارئه نفسياً، ويقوم بتهيئته علمياً على احتمال مفاجآت الحياة ..!

السلوك البشري كله مختزل و"مؤيقن" بين فصول الروايات الحبلى بالنبوءات السياسية، والمرجعيات النفسية، والشروحات العاطفية، فكل موقف إنساني، مهما خف وزنه بمكاييل الواقع المَعيش، خطير، وقاطع، وثمين في موازين الأدب ..!

الأدب العالمي وصف اللحظات الأخيرة في حياة الطغاة، لذلك تجد أن الذين شاهدوا نهاية الحكم المستبد على صفحات الرواية، لم يصابوا بدهشة تذكر لفرار بن علي .. ولا سجن عائلة مبارك .. لم يساورهم أدنى شك في مصير القذافي .. ولم يغير قناعتهم بنهاية الدكتاتور إصرار الرئيس اليمني على النهوض كالعنقاء من تحت الرماد! .. كلها قصص موت معلن، ونهايات مرصودة بين سطور الأدب التي لا تغفل شيئاً ..!
الأحداث



منى أبو زيد
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.