حاولت ليلة أمس انتظار انفضاض اجتماع المكتب القيادي لحزب المؤتمر الوطني واستكشاف القرارات التي يخرج بها.. فهناك إرهاصات وتسريبات كانت تلمح بقرارات كبيرة في مُجابهة الأزمة التي تمسك بخناق البلاد الآن.

ولكن حتى ساعة كتابة هذه السطور – قبيل منتصف الليل – يبدو أنّ القرارات تنحصر في تعديلات وزارية وفِي حكام الولايات.. وهو إن حدث يعني أنّ حزب المؤتمر الوطني يبعث إلى الشعب السوداني بالرسالة الخطأ.

الشخصيات التي تتولى المقاعد الدستورية من وزراء اتحاديين أو ولائيين أو حتى ولاة الولايات لم يثبت أنهم كانوا يمتلكون ضميراً مؤسسياً قادراً على تحمُّل مسؤولية القرار التنفيذي صواباً كان أم خطأً.. ففي أغلب الأحوال كانوا مُجرّد مُوظّفين يخضعون للعبارة الشهيرة التي نسمعها في المسلسلات المصرية (أنا عبد المأمور) عبارة يقصد بها إخلاء الذمة وإعفاء العقل من مشقة التفكير ثُمّ وزر المُحاسبة في حال القرار الخطأ.

لو بدّل حزب المؤتمر الوطني وزراءه كل يوم.. لما حصَل إلا على النتيجة ذاتها.. فالعلة ليست في حَملة الحقائب الدستورية.. بل في المنهج والعقلية والمفاهيم التي تُدير الشأن العام.. فدولتنا أشبه بهدّاف وُضعت له الكرة على بُعد مترٍ واحدٍ من المرمى الخالي بلا حراسة ومع هذا أطاح بها خارج الشِّبَاك.. فبلد بموارد السودان وثرواته الفشل في إدارته يحتاج لمجهود أكبر كثيراً من النجاح.. الفشل أصعب، ومع هذا نجحت الحقب السياسية المُتعاقبة بجدارة في إنجاز الأصعب، الفشل.. عوضاً عن النجاح، الأسهل.

صحيح أيِّ تعديلات في مناصب الوزراء والولاة تسلي الشعب يوماً أو يومين.. (خم الرماد) قبل حلول شهر رمضان الذي وحده برنامج آخر يشغل الناس لشهر ثم أسبوع لعيد الفطر.. لكن الأصح أن (المتغطي بالزمن عريان) ستمر الأيام وتبقى الحقيقة شاخصة شاحبة أنّ الأزمة الاقتصادية سليلة الأزمة السياسية تراوح مكانها.. وربما تزداد التهاباً وسعيراً.. وخُطورةً على كل البلاد وليس المؤتمر الوطني وحده.

على كُلِّ حال.. حزب المؤتمر الوطني استثمر كل مكره لإضعاف المعارضة.. لأنّه اعتبرها الخطر الوحيد.. والآن يكتشف أن المعارضة الحقيقية هو رجل اسمه (الاقتصاد) غير قابلٍ للقبض عليه ولا يُخضع للترغيب والترهيب.

التيار