المتخيل المعلن والمسكوت عنه فى المجتمع السودانى
الدعوة التى تتبناها سودانايل للتفاكر الجاد حول مستقبل السودان دعوة كريمة تستحق عليها والتقدير بجانب المشاركة فى ابداء الرأى حول ذلك المستقبل. ولما كان المستقبل هو فى الأصل انطلاقا من الماضى باعتبار جذوره التى يرتكز عليها والتى تغذيه بكل عناصر البقاء والاستمرارية كان لابد لأى محاولة لفهم الحاضر وتشكيل للمستقبل أن ترجع الى ذلك الماضى لتغربله وتصفيه مما تعلق فيه أو علق عليه من شوائب تحتاج الى ازالة قبل الانطلاق. استجابة لهذه الدعوة هذه محاولة لزيارة الماضى لربطه بالحاضر والمستقبل راجيا أن تجد من النقد البناء مفتاحا لباب طالما قفلناه بالطيبة المقرونة بالامبالاة والقدسية المفتعلة كان لفترتى قبل وما بعد الاستقلال فى 1956.
اشارات نظرية فى اطار الاثنية والثقافة
هذا الجزء من الدراسة يهتم بالجانب النظرى المتعلق بالثقافة والاثنية كما يهتم بتحليل العلاقة بين الفرد والمجتمع وهى العلاقة التى نصفها بالهوية، وقبل تناولنا لذلك يجدر بنا أن نحدد المفاهيم التى تقوم عليها هذه الهوية خاصة أن السودان بوضعه الجغرافى الحالى ضم بين جنباته تاريخيا تعددا ثقافيا واثنيا ساهم بصورة كبيرة فى استقراره وتعايشه ولم يشكل ذلك التعدد عدم استقرار مجتمعى الا بعد استقلال السودان وخاصة بعد طرح الحركة الاسلامية لمشروعها "الحضارى" الهادف الى فرض الهوية العربية الاسلامية على كل أهل البلاد. كذلك وحتى تكتمل عناصر التحليل للهوية السودانية فان البعد الخارجى المتمثل فى الاستعمار بنوعيه القديم والحديث يصبح ذو أهمية كبيرة بل وأساسية فى تعريف المواطن والوطنية لأنهما مفهومان لا ينفصلان عن مفهوم الهوية بحكم تداخلهما. بعد تحديدنا للمفاهيم سنقوم باعادة قراءة التاريخ السودانى فى ضوء تلك المفاهيم لنحدد كيف أن التعدد الموجود فى السابق لم يؤد الى تفكك المجتمع بل الى مزيد من التكاتف والتعاضد رغم الصعوبات الكثيرة مثل صعوبة المواصلات والاتصال فى بلد مترامى الأطراف وانتشار الجهل القائم على تعريف الأمية بالقراءة والكتابة الذى ساد وسط كل مجموعاته البشرية من جانب، وكيف أدى هذا التعدد فى نهاية القرن العشرين الى عدم استقرار مجتمعى كاد أن يقسمه رغم التقدم الهائل فى وسائل الاتصال والمواصلات من جهة وانخفاض نسبة الأمية حسب التعريف أعلاه من جهة ثانية.
قبل الدخول فى بحث تلك التعريفات أحب أن أشير الى أن ادريس سالم سجل ملاحظة جديرة بالاهتمام ذات أهمية كبيرة لهذه الدراسة. يقول ادريس سالم مستندا على عبد الغفار محمد أحمد ومحمد عمر بشير أن قضايا التنوع الثقافى فى السودان انصب فى العلاقة بين الجنوب والشمال وانحصر فى الاطار السياسى مما ترتب عليه عدم النظر بعمق فى غيره من جوانب موضوعية مرتبطة به وخارج نطاق هذه العلاقة بين الجنوب والشمال.  هذه الظاهرة لم تقتصر على تشكيل الواقع المعاصر من منظور الباحث السودانى ولكن تمتد تاريخيا للوراء ليتشكل بها تعدد المجتمع السودانى فى العهود السابقة وفق رؤيته السياسية والايديولوجية دون النظر الى الاختلافات الزمنية والمكانية التى اتوجد فيها ذلك التعدد والسبب فى ذلك هو الانسياق وراء افتراض تصوره له رؤيته السياسية أو الآيديولوجية ووفق منظور منهجى وضعه الكاتب يريد أن يحقق من خلاله تصوره المسبق والذى له مرامى وأهداف سياسية وآيديولوجية آنية. بمعنى آخر تتشكيل رؤية المجتمع فى الزمان الماضى وفق البعد السياسيى المعاصر بهدف التشويه والاحراج للأطراف السياسية الأخرى المنافسة والتى يعتقد الباحث بأنها تتجذر فى الماضى وبالتالى هدمها يحتاج الى قلعها من جذورها لهذ فان البعض استنادا على الرؤية المسبقة دخل الى التاريخ السودانى حاملا معول الهدم الآيديولوجى لازالته وهو فى النهاية يقصد وضعه الاجتماعى المعاصر. حمل المعول هذا فى تاريخنا المعاصر رجالات المخابرات وشكلوا وزوروا كثيرا فيه ليس فقط فى الأحداث وانما فى الوصل بين تلك الأحداث والتحليل المنبثق عنها مما أفرز تناقضا كبيرا يستوجب وقوفنا عنده واعادة البحث فيه وفق المنطق والعقلانية.
عدم التوازن فى التفكير لدى العقلية السودانية الحديثة ناتج من الخلط المتعمد بين ما هو ثقافى وسياسى وفكرى ليس فقط لدىالتيارات العربية الاسلامية ولكن لدى المثقف العادى والمفكر الأكاديمى والسياسى على مستوى الجامعات وكل التيارات السياسية الأخرى. ان أشهر الدارسين الأكاديمييين للهوية السودانية أي للعلاقة بين المجموعات الاثنية المختلفة القاطنة فى السودان كوحدة جغرافية سياسية واحدة، أقاموا دراساتهم على أساس سياسى آيديولوجى ولم يتعرضوا الى الجوانب الثقافية والاجتماعية الا اذا حققت لهم أغراضهم السياسية والآيديولوجية. عبدالغفار محمد أحمد وسامية التقر يقفان الى حد كبير خارج اطار مثل هؤلاء الأكاديميين اذ جاءت كتاباتهما شاملة لما هو ثقافى واجتماعى كما فى مثلا دراسة عبدالغفار "عن رفاعة الهوى" ودراسته "السودان والوحدة فىالتنوع" ودراسته مع سامية النقر "السودان: مستقبل التنمية والسلام". سنحاول فى دراستنا هذه التعرض بالنقد لأهم ما جاء فى دراسات عبدالغفار محمد أحمد عن الوضع الاجتماعى الثقافى فى السودان ورؤيته حول الوحدة الوطنية. أما تلك الدراسات التى تقف ضد التوجه العربى الاسلامى وهى فى الغالب دراسات تؤكد على البعد الأفريقى وكرد فعل خاصة فى فترة فرض "المشروع الحضارى"، تعمل على ازالة كل ما هو عربى واسلامى الأمر الذى قاد فى النهاية الى وضع الثقافة العربية والاسلام فى موقع المسبب للأزمة السودانية. فهذا الطرح الذى يقوده التيار الاسلامى والعروبى عموما ( يشاركهم فى جانب من هذا التيار وهو الجزء العروبى من يختلف معهم سياسيا وآيديولوجيا) حول الاسلام الى عقيدة سياسية نافية للآخر مما يتنافى مع روح الاسلام نفسه كونه دين يقوم على التعدد الدينى والثقافى ولا يفضل انسان على آخر بسبب اللون أو العرق ولكن بالتقوى.  رد الفعل لهذا التيار جاء من عنصرين: الأول يعتنق الدين الاسلامى كعقيدة ولكنه لا ينتمى الى العروبة من ناحية العرق بل من ناحية الثقافة فى معناها السودانى حيث اختلطت فيها الثقافة العربية بالثقافات السودانية تحت التأثير الاسلامى. والعنصر الثانى يعتنق الدين المسيحى بجانب ما يعرف الآن بكريم المعتقدات وهى الديانات الأفريقية المحلية وهو تيار صافى الجذور العرقية الافريقية حيث لم يختلط بالدم العربي. بعض الأكاديميين الأجانب الذين اهتموا بهذا النوع من الدراسات السودانية لم تخرج رؤيتهم عن الاطار السياسى الآيديولوجى رغم محاولات التركيز على الجوانب الاجتماعية والثقافية مثل أوفاهى فى دراسته عن الاثنية والاسلام ويوشيكو يوريتو فى دراستها عن حركة 1924 كما سنوضح فى الجزء التالى من هذه الدراسة.
مما تقدم تضح أهمية طرح موضوع الهوية السودانية وما يرتبط بها من مفاهيم بعيدا عن كل انفعالات سياسية وآيديولوجية من أجل وحدة السودان أولا ثم تنميته من خلال نظام ديموقراطى يضمن مشاركة الجميع فى تلك التنمية ثانيا.  نظرا لارتباط مفهوم الهوية بمفاهيم أخرى مثل الاثنية والقومية والثقافة فاننا نفضل تعريف هذه المفاهيم أولا قبل الدخول فى مناقشات قد تدخلنا فى تعقيدات يصعب معها الوصول الى ما نهدف اليه فى هذه الدراسة دون تحديدها.
الاثنية
مصطلح اثنى واثنية يعتبر مصطلحا جديدا فى الدراسات الأنثروبولوجية ولكنه سرعان ما وجد طريقه ليشمل كل العلوم الاجتماعية: علم الاجتماع والتاريخ والسياسة والاعلام ولكنه مع الأخيرين وبحكم التطور الهائل فى الاعلام أصبح المصطلح يأخذ الطابع السلبى حين تم عرض الصراعات البشرية على المستوى المحلى والاقليمى والدولى بأن الاثنية هى السبب. اهتمام علماء الأنثروبولوجيا والتاريخ بظاهرة القومية والأمة والدولة القومية أضاف الكثير الى مفهوم الاثنية على الرغم من الأبعاد الآيديولوجية التى تحكمه. فالدولة لقومية كما ظهرت فى منتصف القرن العشرين قامت على أنماط وسلوك وبرامج تحكمها آيديولوجية بغرض حفظ مصالح الأمة الاقتصادية والثقافية والسياسية. ولما كانت التوجهات آيديولوجية فقد تم افتراض وجود وعى لدى هذه الأمة من قبل الفئة الحاكمة وأن عليها بحكم هذا الافتراض صيانة تلك المصالح. بهذا فان مفهوم القومية تم اختراعه ليخدم أغراضا ويؤدى وظائف معينة بنفس الصورة التى يتم بها خلق الاثنيات سياسيا لهذا فان بناء الأمم الحديثة يجب ربطه بالدور التكوينى للمجتمع الاثنى لما قبل الحديث.  ان النقاش حول القومية والدولة القومية فى الأساس يرتبط بالنقاش حول البناء الاجتماعى للمجتمعات "التقليدية" والتى تم اختراعها من قبل المستعمر ليمرر بها سياساته الرامية الى تحقيق مصالحه. مثلا لقد تم اختراع مفهوم القومية العربية من قبل بريطانيا أثناء الحرب العالمية الأولى وذلك لدعم العرب للوقوف ضد تركيا ووعدهم لهم بتكوين دولة عربية واحدة من المحيط الى الخليج. غير أن بريطانيا وكعهد قادتها لم تف فقط بوعدها وانما قامت بزرع دولة يهودية داخل الأرض العربية ما زالت تمثل أكبر خطر يواجه العرب.
فاذا أخذنا هذا المفهوم "الاثنية" فى الوضع الأفريقى عامة والواقع السودانى الحالى على وجه الخصوص فان ذلك يعنى أن "التقليدية" بدأت تظهر من جديد مما يترتب عليها سلبيات كبيرة فى داخل المجتمع تقوم على آيديولوجى سياسى. يشير دو تويت فى مقدمة كتاب "الاثنية فى أفريقيا الحديثة" الى أن الباحثين استخدوا مصطلح اثنى واثنية بطرق مختلفة وبتحليل مختلف كل عن الآخر نتيجة لعدم وضوح التعريف حيث أنه ينطلق من بعد آيديولوجى. وبالتالى فى رأيه أن مثل هذا التعريف يشير الى خصائص ومواقف أؤلئك الذين يعتبرون أنفسهم ويعتبرون من قبل الآخرين بأنهم يشكلون جماعة اثنية مختلفة.  انطلاقا مما يرد فى هذه الدراسة واستنادا على أنه اليوم هناك اتفاق عام على أن الاثنية شكل من أشكال الوعى بالذات حول المظاهر الثقافية وذات ديناميكية ولكنها محاصرة بالبعد الآيديولوجى، فقد تم تعريفها على أنها وحدة أو جماعة من السكان يربط بين أفرادها أنهم منحدرون من أصل واحد ويقطنون فى موقع جغرافى ويشتركون فى اللغة والدين.
وهى بهذا الفهم تكون أقرب الى مفهوم العائلة والقبيلة فى الدراسات الأنثروبولوجية التى اعتبرت أن مثل هذه الوحدات الاجتماعية عاشت لفترات تاريخية طويلة معزولة عما حولها وهو أمر اذا ما اعدنا النظر فيه فى ضوء التصورات التى قادت الى مثل هذا القول لوجدنا أنه لا توجد كما لم توجد مجموعات بشرية مهما صغر حجمها بعيدة عن التأثير والتأثر من خارجها. فقد كان هذا القول يرجع الى عوامل استعمارية بحتة حين صور علماء الأنثروبولوجيا وهم الذراع العلمى الذى اعتمد عليه الاستعمار فى تسهيل مهمته فى اخضاع الشعوب، على أن هذه الشعوب معزولة وبدائية تفتقد الى الحضارة الانسانية وبالتالى على الانسان الأبيض أن يعمل على انتشال هذه الشعوب من ظلام الجهل وقهر الطبيعة. مثل هذا الفهم يوضح لنا أيضا لماذا ظهر هذا المفهوم الاثنى حديثا ليحل محل مصطلح القبيلة والذى بدا يغزوا الكثير من مدن السودان بعد موجات الهجرة الجماعية والقسرية بسبب انتشار الحرب والمجاعات فى معظم انحاء السودان خلال العقدين الأخيرين من نهاية القرن العشرين. فالقبيلة كوحدة تنظيم اجتماعى يقوم على الانحدار من أصل واحد ويربط بين أفرادها الشعور بالانتماء لا يختلف عن مفهوم الاثنية الا فى أنه قد يكون أكبر حجما من ناحية العدد ويختلف عنه فى أن القبيلة قد ينتمى اليها أفراد من خارجها لأسباب عديدة من أهمها الأسر والهجرة أثناء وبعد الحروب والجفاف والتى تجعل الأسرى والمهاجرين خاصة الذين يقطنون لفترات طويلة جزءا من القبيلة المنتصرة أو المهاجر اليها. التطور المستمر فى الحياة البشرية المتمثل فى الاختراعات التكنولوجية بجانب الهجرات البشرية عبر المكان لأسباب عسكرية أو اقتصادية زاد من اختلاط الجماعات البشرية ومن درجة تفاعلاتها ثقافيا خاصة فى أوقات السلم. هذا التفاعل الثقافى أدخل عنصرا جديدا على مفهوم القبيلة أو ان شئت المفهوم الاثنى، وهو العنصر الثقافى بجانب عنصر الانتماء العرقى. بدخول هذا العنصر ونسبة لامكانية أن تكون الجماعة الاثنية موزعة فى عدة مناطق جغراقية متقاربة أو متباعدة تتحول هذه الاثنية الى مجموعة قومية يكون لها تصور لتاريخها الجماعى تستطيع أن ترسم من خلاله أهدافا تسعى لتحقيقها والتى قد تكون ثقافية كما تحكى الروابط الثقافية فى الجامعات السودانية أو اقتصادية كما هو الوضع عند الزغاوة  فى غرب السودان أو سياسية وهو الهدف الذى تسعى له معظم الجماعات الاثنية فى الفترة التى تلت انقلاب الحركة الاسلامية وبداية تطبيق "مشروعها الحضارى". فقد انضمت الى التجمع الوطنى الديموقراطى كل اثنيات السودان المعارضة لنظام الحركة الاسلامية بهدف ازالة الظلم الواقع عليها من جراء الهيمنة للقوى الحاكمة والتى تدعى انتمائها الى العنصر العربى حيث رأت هذه الاثنيات أن "المشروع الحضارى" لحكومة الحركة الاسلامية ما هو الا تكريس لهيمنة العنصر العربى الاقتصادية والسياسية على السودان. هذه الرؤية للاثنية لا تختلف كثيرا عن مفهوم القومية الا فى أنها أصغر حجما وأقل عددا كما أنها ألصق بالتركيب النفسى والمزاج الاجتماعى من القومية. 
بناء الهوية حقيقة واقعية معاشة لدى كل المجموعات البشرية القديمة والحديثة، فهى توجد فى الدول التى نطلق عليها متحضرة ويقصد بها دائما دول الغرب بدلا عن  متقدمة تكنولوجيا اذ هناك فرق كبير بين الحضارة والتقدم بالرغم من العلاقة التى تربطهما، كما توجد فى الدول غير المتحضرة وهى دائما دول القارات المستعمرة من قبل الغرب سابقا وهى تسمية ليست دقيقة وأفضل منها كلمة أقل تقدما تكنولوجيا لأن الحضارة نشأت أساسا فى هذه القارات قبل الحضارة الغربية. الهوية ليست جوهرا ثابتا أو بناء تابعا يمكن اعادة تشكيله كما أنها ليست فئة اجتماعية وسياسية يمكن استخدامها أو تهميشها حسب الضرورة ولكنها حقيقة طبيعية وان بدت كنتيجة لنشاط عملى.   فالناس يعيشون مع الهوية وبها بل ويموتون من أجلها فى التاريخ القديم أو الحديث وهذه هى قمة الحقيقة الانسانية. ولكن الاستعمار حتى يستقلها فى سياسته "فرق تسد" خلق لها وعيا سلبيا وذلك بأن جعل نظمه الادارية والأمنية قائمة على تلك الاثنيات بعد أن ضم مناطق مختلفة ثقافيا وأقام عليها آخرين من اثنيات أخرى. هذا هو الأمر الذى ساعد مختلف الاثنيات لتتصارع فيما بينها وتظهر على أن الاثنية كنظام قديم بالى هو السبب فى التخلف. فمثلا فى السودان ركز المستعمر التعليم فى مناطق معينة وداخل هذه المناطق حكره على فئة دون الآخرين. وأقام الحاكم الادارى من الشمال على كافة أرجاء البلاد وعين الضباط فى قوى دفاع السودان من الذين ضمن ولاءهم من الشمال بينما معظم الجنود من فئات أخرى. أما التاجر وصاحب الأرض الزراعية فى مشاريع انتاج القطن فمن فئات معروفة بالولاء بينما العمال الزراعيون يجلبون من خارج تلك المشاريع كل موسم عن طريق مناديب. تقسيم العمل هذا والذى يظهر التفاوت المقصود من قبل المستعمر استمر حتى بعد زواله مما كان له أثر كبير على زيادة الكراهية والحقد بين المناطق خاصة فى الفترة الأخيرة.
النقاش حول العوامل المتخيلة والمبنية للثقافة والهوية والتنوع والاختلاف ملبدا ومليئا بالمشاكل خاصة أنها ليست ثابتة وفى حراك متواصل. هذه العوامل تلعب دورا فعالا فى حياة الفرد والجماعة عندما يعطيها  المجتمع معانى تستند على القوانين والنظم لتخدم أغراض وأهداف الفئة الحاكمة وبالتالى فان الهوية لأى مجموعة لا يمكن فهمها بصورة صحيحة فى غياب عنصر القوة. فمثلا التاريخ السودانى الحديث يؤكد لنا تغير فعالية مجموعة اثنية من وقت لآخر لأنها " تتأثر بتغير المحيط الاجتماعى والسياسى الذى تعمل داخله، فكم من جماعة اثنية اضمحل دورها أو تعاظم لأن الظروف القطرية أو الاقليمية أو العالمية تغيرت بتغير الأوضاع السياسية أو ظهور تكنولوجيا مؤثرة أو تبدل فى وسائل علاقات الانتاج."  حدث مثل هذا التحول فى تاريخ السودان عند قبائل الفونج والهمج فى مناطق الجزيرة وجنوب النيل الأزرق حيث اختفت هويتهم لتحل محلها الهوية العربية الاسلامية نتيجة للغزو التركى المصرى وما صاحبه من تعسف عرقى بسبب تجارة الرقيق  التى قام بها هذا المستعمر وما تلى ذلك من هيمنة اقتصادية من قبل العنصر العربى الاسلامى.  بمعنى آخر كان لوجود قوى اقتصادية واجتماعية تدعمها قوى استعمارية دور كبير فى تحول اثنية الفونج والهمج الى الهوية العربية الاسلامية . وبعد اضمحلال هذه القوى نتيجة للوعى العام فيما يتعلق بتهميش أطراف السودان تنمويا بكل أبعاد هذا المصطلح وفى نهايات القرن العشرين وتحت التوجهات السياسية للحركة الاسلامية فى فرض الهوية العربية الاسلامية  دخلت قبائل الهمج والفونج فى جنوب شرق السودان والبجة فى شرقه بجانب قبائل النوبة فى الوسط وبعض قبائل الفور فى الغرب مع الحركة الشعبية لتحرير السودان ومن ثم الانضمام الى قوى التجمع الوطنى الديموقراطى المعارض للحكومة كقوى منفصلة ومستقلة، بدأت هذه القبائل ترجع الى هوياتها السابقة تحت ضغوط عوامل سياسية قبل أن تكون عوامل ثقافية واجتماعية.