سالني احد الاصدقاء عن سبب فرحي باتفاق لا يمثل كامل طموحات الثوار وكانت اجابتي عليه محتوي هذا المقال.

هنالك فرق بين اتخاذ القرار وبين التفاوض. اتخاذ القرار هو قرار من يمتلك القدرة الكاملة علي تنفيذ قراره الذي يراه الصواب، فيمضي اليه واثقا ويحرسه بكل ما اوتي. اما التفاوض فهو الوصول والحصول علي اكبر قدر من المكاسب، والتنازل عند الضرورة عن بعض حقوقك، لتبدأ مشوار البناء، وارساء دولة القانون والمؤسسات التي ستحقق الحرية والعدالة و السلام.

يقول شاعر حكيم: نعم الاله علي العباد كثيرة واجلهن نجابة الابناء. رزقنا الرحمن الرحيم، الحنان المنان بابناء هذا الجيل، ولكن لم ينسي الاسلام السياسي خطر الشباب علي مؤامرتهم في اقصاء كل من لا تنطبق عليه مواصفات "الكوز"، في قسمة السلطة والثروة، فمكروا لتعويق هذا الجيل: بتعليم ناقض، وبحاويات المخدرات، وبنشر الرذيلة، ومعها نشر البطالة، وزغللة عيون الشباب بمباهج وبهرج البذخ في ايدي ابنائهم وابناء بطانتهم. فاكد لهم من يثقون في علمهم من علماء الكيزان ان الشباب لن يكون جزءا من المعارضة!!

لكن يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين. اتاح الحنان المنان لهذا الجيل مدرسة اخري، "مدرسة فاتحة علي الشارع والشارع جوا القلب" اي مدرسة الانترنت. فكانت الثورة المجيدة التي ارعبت الدكتاتور وحاشيته، لكنهم لم يياسوا ومكروا مكرا كبارا: خططوا لسرقة ثورة الشعب لجعلها هبوطا ناعما. فاذهل الجيل البطل العالم كله بثقافة ثورية جديدة، اقوي اسلحتها السلمية، وثقافة جديدة لم تعرفها الثورات من قبل، الثقة في قياداتها والعمل الدؤوب علي احياء التراث والاخلاق السودانية في نموذج مبهر ومدهش: مجتمع ساحة الاعتصام.

لكن لم يياس العدو استخدموا كل اسلحتهم، وخرجت كتائب الظل والخفافيش، وآلة البطش، وحاولوا السيطرةعلي المجلس السيادي، لكن قيادتنا الحكيمة المتمثلة في قوي الحرية و التغيير استطاعت ان تجعل ساحة الاعتصام ترسانة الثورة و حارسها، وبلغ منهم الرعب حدا قرروا فيه مذبحة الاعتصام ونفذوها بدم بارد، ظانين ان ذلك كاف لردع جيل البطولات ليعودوا لبيوتهم. لكن هبهات، لم يزدهم ذلك الا اصرارا علي السلميه والاقدام. وفي النهاية راهنوا علي فشل 30 يونيو، وتواعدوا علي اعلان حكومتهم في اول يوليو، استعدوا لذلك باعداد قائمة وزارتهم واستقدموا ممثلوا القوي الاقليميه. لكن يا للهول اصبح الصباح والمليونيه اصبح ملايين في العاصمة وكل مدن السودان. فجاء المجلس العسكري يستجدي التفاوض، ورفضت قيادتنا التفاوض، حتي جاءت الوساطات.

وكان الاتفاق: نعم لم نحصل علي المدنية الكاملة، لكننا حصلنا علي حق بناء دولة القانون والمؤسسات، وكان حق الشهداء حاضرا في اذهان قيادتنا المتفاوضة، وافقوا علي مناصفة مجلس السيادة، وعلي رئاسة العسكر لها، لكن لم ينسوا ان يذكروا الوسطاء والعسكر ان كل من تثبت اشتراكه في مجزرة الاعتصام سيفقد حصانته و يحاكم حتي وان كان عضوا في المجلس السيادي.

هذا افضل ما كان في الامكان والسبيل لمحاكمة مرتكبي مجزرة الاعتصام، ومحاسبة الفاسدين المفسدين واسترجاع اموال الشعب المنهوبة، واراضيها المسلوبه.

التهنئه لجيل البطولات (الراكب راس، والواقف قنا) المستقبل الزاهر الذي رويتموه بدماء الشهداء ودموع الكنداكات، مستقبل سيكون فريدا مثل ما كانت ثورتكم المبهرة، وستتحقون احلامكم واحلام الاجيال التي فشلت في تحقيقها ، وان شاء الله سودانا فوق. ما اروعكم يا جيل البطولات!

لكن هنالك حقيقة تاريخية، ان هذه الثورة وقد نفذتموها في نهاية الامر، هي قورة ممتدة منذ يونيو 1989، وشهداؤها جيش غفير: بدءا بمجدي محجوب و رفاقه، شهداء بيوت الاشباح وعلي راسهم الشهيد علي فضل،شهداء الضباط الاحرار في رمضان 1990، شهداء دارفور وهم جيش عرمرم فدرها المراقبون الدوليون بثلاثين الف، واختصرها الدكتاتوربعشرة الف، واعترف والاعتراف سيد الادلة، ثم شهداء حرب الجنوب والنيل الازرق، وشهداء سبتمبر 2013. وبما ان اعراض الزهايمر تزحف علينا، حمانا الله منها، اضيفوا للقائمة الشهداء الذين سهوت عنهم.

ويقول لكم شاعر الشعب الذي لم يتطرق اليه الشك من قدوم هذه الثورة، يقول:

من بعد ذلك يا جميل
احلم بما لك من حقوق
كشك الجرايد في الصباح
كيس الفواكه والملابس والكراريس و الحليب
نكهة خبيزوالدنيا عيد انسان عزيز
وطن سعيد والشعب حر
وطن التعددوالتنوع والتقدم والسلام
حيث الفضا الواسع حمام
والموجه خلف الموجه والسكة الحديد
حرية التعبير عبير
تفتح شهيتك للكلام
النهر ما بستاذن الضخرة المرور
جهرا بفزنحو المصب
اكتب نشيد راسخ جديد
الشمس تشهد وبرضو استار الظلام

احمد الله العلي القدير الذي انعم علينا بجيل قادر علي كظم الغيظ والاصرار علي السلمية حتي بعد مجزرة تقشعر منها الابدان. حفظكم الله وحفظ لكم الاوطان.

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين و الصلاة علي اشرف الخلق و المرسلين


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.