حديث البشير اليوم في خطابه "المهتز" كله كان يدعو للاستهزاء، وبدون فرز، وفي هذا المقال المتواضع، سأحاول تحليل بعض النقاط التي أثارها البشير، وكانت شاهد إثبات على قرب أفول نظامه، عوضاً عن أن تكون أطروحة جادة لتثبيت أركانه.

تحدث البشير مثلاً عن دعم الشرعية في اليمن؛ هو لم يستطع القول بأنه يدعم موقف السعودية فهذا سيكون مخجل لشخص أعلن قبل أشهر أنه (حركة إسلامية كاملة الدسم) وطبعاً موقف السعودية معروف من هذه الحركة، ولذلك عمد- ولنكون أكثر دقة- لمغازلة السعودية والإمارات بطرف خفي، ولكن هيهات، فلا هذي ولا تلك التفتت له من قبل خلال أزمته الطاحنة، ولا أظن أنهم سيفعلون بوضعه الراهن. لكن هناك جانب آخر يمكن فهمه من خلال هذه الجزئية من الخطاب، وهي أن قطر لم تأبه له، وراحت وعودها بالدعم في ثقب الإعلام الإلكتروني الواسع، يبدو إن قطر تمارس مع البشير لعبته نفسها وكذلك تفعل العديد من الجهات، فديدن البشير اللعب على كل الحبال، وهذا التكتيك أصبح مفضوحاً لهذه الدول فباتت تتعامل معه بالتجاهل.

الجزء الآخر من خطاب البشير حوى عبارات عن نهج جديد في مواجهة الإقصاء والتهميش! حسناً، هذا الحديث يؤكد أن البشير خلال مسيرة ثلاثين عاماً لم يتخذ أي نهج جديداً في مواجهة الإقصاء والتهميش، ويؤكد إن كل اتفاقياته ومواثيقه مع بعض الأطراف ومنهم من حمل سلاح، لم تكن إلا وفق نهج قديم، نهج التذويب في النظام وادعاء أن السلام قد حل وأن التهميش قد انتهى! وما كانت الاحتفالات والرقص ودعاوي استتباب الأمن والاستقرار إلا فرية، وحيلة لكسب الوقت ومخادعة العالم. يعلم البشير إن من انضموا له ليسوا أصحاب المطالب الحقيقية، وقد حاول جر أولئك واستدراجهم، باستيعاب هؤلاء ونثر بعض المناصب في وجوههم، وما نجح، وإلا لما تكررت وعوده بتوسيع المشاركة، لقد وسع ووسع- على طريقته وحزبه- حتى ترهل جهاز الدولة بشكل غير مسبوق وأضحى متكدساً بالبشر وشحيحاً في المردود! أليس هذا اعترافاً صريحاً بالفشل؟!

مسألة أخرى لابد من الإشارة إليها، وهي الدعوة لأحزاب المعارضة للحاق بحوار الوثبة وصياغة الدستور الدائم كملحمة وطنية الخ.. وهي دعوة لن تجد الاستجابة طبعاً كما يعلم هو وحزبه، لكنها فرفرة سياسية عاجزة، فالذين يدعوهم لحواره الآن في معتقلاته وسجونه، فكيف يستجيب له من في القيد؟! والحوار أجهضه بيده وبالتفافه عليه وعلى مخرجاته، والدستور نسفه بتعديلاته وبعدم تطبيق مواده؛ إن الصغار قد درسوا قصة الثعلب الذي خدع الغراب في القصة الشهيرة، فقام بدعوته للغناء بدعوى جمال صوته لتسقط قطعة الجبن من فمه، فإن كان الصغار قد تعلموا هذه القصة، فإن الكبار قد خبروا من خلال الممارسة خداع البشير ودعواته الكاذبة، فما عاد هو ثعلب وما عادت تلك الأحزاب غرباناً!

المسألة الأخيرة التي أشار إليها الخطاب، هي الوعود الفضفاضة بتحسين الاقتصاد وإبقاء الدعم على كثير من السلع، وزيادة الرواتب، ودعم الإنتاج للصادر، وعدم إضافة أي أعباء ضريبية جديدة!! هذا بالنص ما قاله وهو بالنص ما ظل يكرره لآلاف السنين، ويا لذكاء الميديا وأهلها، فقد شاهدت قبل شهر مقابلة تلفزيونية للبشير نفسه سُجّلت في العام 2011، وقدم من خلالها برنامج تنموي واعد بعد انفصال الجنوب، وحدد العام 2013 كخط نهاية لتنفيذ هذا البرنامج، الذي لم ينفذ منه حرف، بل كان العام 2013 عام الشهداء بامتياز، الشهداء الذين حصدت أرواحهم ترسانته الدموية العاجزة عن تقديم حلول إلا القتل! هل تعلمون لماذا؟ لأن البشير ببساطة يلعب على عامل الزمن حتى مع نفسه، وكل مرة يقدم فيها وعوداً، ينسى أو يتناسى أنه قدم قبلها، وكل ساعة يحاول فيها نفي أمر، تثبت الأيام أنه يقره وينتهجه، فلا التزم بالمحافظة على الجنوب، وما التزم بعدم الترشح للانتخابات، ولم يفِ بعهد مع الشعب أو حتى الدول التي حاول مصادقتها، فلا نال رضا الشعب وتضامنه ولا حصل على مال الخارج ودعمه.

خلاصة هذا المقال إن البشير قدم عشية ذكرى الاستقلال الثالثة والستين، خطاب العزلة الكاملة، فهو ما عاد خياراً لأي أحد، وحتى بطانته التي حوله ستتنصل منه مثل الشعر من العجين حين يشتد الوطيس أكثر فأكثر، وهذه هي طبائع بطانة الاستبداد، أما الأزمة الاقتصادية أو الأزمات الاقتصادية، فما هي إلا فورة اللبن الأخيرة بعد غليانه لسنين عددا.. البشير لم يعد خيار الداخل ولا صديق الخارج، البشير خياره الأسلم والوحيد الآن هو الهروب كما فعل رصفاء له من قبل.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.