بسم الله الرحمن الرحيم

كنت قد نشرت هذا المقال بصحيفة (أخبار العرب) الظبيانية في 16 أغسطس 2005 بعيد استشهاد الدكتور جون قرنق، وأرى أن الظرف مناسب الآن كذلك لإعادة نشره، فالذكرى تنفع المؤمنين:

عندما تناهي إلى سمعي نبأ وفاة الدكتور جون قرنق دي مابيور كنت بمطار النزهة بالإسكندرية قبيل مغادرتي صوب الشارقة، وصدمني الخبر كأنه صاعقة من السماء، فاعتليت الطائرة وخلدت لتفكير عميق في هذا المصاب الجلل الذى أصاب السودان في مقتل. وأول شيء تبادر لذهني، شأني شأن الجماهير العشوائية المنفعلة التى تدفقت بشوارع الخرطوم، هو "نظرية المؤامرة": تذكرت الجنرال روميل الذى حاول أن يدبر إنقلاباً ضد أدولف هتلر ولكن الإس إس اكتشفته في مهده وأبلغت الفيورر الذى أرسل مظروفاً لروميل به خطاب يأمره فيه بالإنتحار ووعده بالسرية والكتمان وبأن الدولة سوف تنظم له مراسم دفن لم يشهد الرايخ الثالث مثلها من قبل، وكان بالمظروف حبتان من سم شديد الفعالية تناولهما روميل بهدوء ومضي نحو ربه كمثال آخر للذين يقتلون المتوفي ويمشون في نعشه. وتذكرت الزبير محمد صالح الذى كان قد لقي حتفه بالجنوب في ظروف مشابهة، وكذلك إبراهيم شمس الدين والمدعو أبو قصيصة، وكلهم ترددت إشاعات قبيل وفاتهم بأن ثمة خلافات قد تفجرت بينهم وبين النظام مما جعل كثيراً من المراقبين يذهبون إلى تفسيرين: إما أن هذا النظام من العبقرية بمكان بحيث يتخلص من خصومه بدون ترك أي بصمة أو مسدس يتسرب منه دخان، وإما أن القدر نفسه يلعب لصالح النظام بصورة عجيبة.
ولكن قليلاً من التأمل والتدبر يقود لاستبعاد نظرية المؤامرة هذه المرة، إذ أن جون قرنق كان خصماً للنظام طوال الإثنين وعشرين سنة المنصرمة، ولو كان الجيش الشمالي واستخباراته العسكرية قادرين على التوغل في ذلك الصقع النائي بجنوب شرق الإستوائية للظفر بجون قرنق لفعلوها من قبل. ومن ناحية أخرى فإن النظام الآن أحوج ما يكون للدكتور قرنق الذى تصالحوا معه وشرعوا في ترسيخ الشراكة معه طالما أن ذلك سيضمن لهم البقاء في السلطة لست سنوات أخرى، (وهم قوم يحبون رزق اليوم باليوم)، وسيضمن تدفق مليارات الدولارات المريكية واليورووات الأوروبية، ويضمن بقاء قوات الأمم المتحدة ذات العشرة آلاف جندي وضابط والتى وصلت بالفعل وستعمل على سلامة الإستيتاس كو الذى أفرزته إتفاقية نيفاشا.
ولما وصلت إلى داري بأبو ظبي مساء الأحد وأجريت العديد من المهاتفات مع أصدقائي بجوبا وكمبالا وغيرها، واستمعت للتحليلات الإعلامية الخاصة بالحادث، تأكدت أن القدر شخصياً هو المسؤول الأول. وليتنا نتحلي برباطة الجأش التى أبدتها أرملة المرحوم ربيكا مابيور التى قالت لمراسل إحدى القنوات: "إن الله أتي بجون لهذا العالم، وهو الذى استدعاه في التوقيت الذى اختاره، فما علينا إلا التسليم بقضاء الله وقدره، وخير تخليد لذكراه هو التمسك بنظريته والمضي في طريق السلام الذى دشنه، وأي شيء غير ذلك، مثل قتل الناس في الشوارع، هو خيانة لذكرى الراحل العزيز." وكان ذلك عندما انتقلت عدسات التلفزيونات ل "نيو سايت" بعد يومين من الحادث، وجاءت بتصريحات ربيكا والكماندر سلفا كير والضابط المناوب ليلة الحادث المشؤوم. ولو كان للتلفزيون القومي مفرزة بجوبا ذات كفاءة ووطنية وهمة، ولو تحركت تلك المفرزة بالسرعة المطلوبة لتغطية الحادث وملابساته ب "نيو سايت"، لما حدث ما حدث بالعاصمة المثلثة من عنف منفلت طوال يومي الأحد والإثنين؛ فقد كانت إفادة الضابط المناوب ليلة الحادث بمثابة شعاع من ضوء انقشعت من جرائه سحب الشك والريب، إذ اتضح أن المنطقة كانت فعلاً تمر بظروف مناخية عاصفة، وأن الليل قد لف طائرة الشهيد العمودية بظلام يمنع الرؤية، وأن الطائرة قد حلقت متأرجحة فوق "نيو سايت"، ثم حاولت الرجوع نحو يوغندا لما استعصي عليها الهبوط، ولكنها اصطدمت بأحد جبال تلك المنطقة الشاهقة المشرئبة المتداخلة في بعضها البعض كغابة استوائية من الصخور الصماء بين الأرض والسماء.
ولو تملكت الجماهير كل هذه المعلومات في الوقت المناسب لما عشعشت بينها نظرية المؤامرة، مما جعلها تتوصل للإستنتاجات الخاطئة المبنية على التخمين المحض والأوهام والجراحات النفسية المتراكمة. وفي خضم تلك الأجواء المشوشة، خرج على الناس وزير الإعلام القومي وأكد نجاة الفقيد ووصول الطائرة بسلام، بينما كان الشهيد وقتذاك قد فارق الحياة منذ عدة ساعات؛ أي أنه قد فات على الوزير الهمام استخدام آلية متوفرة لرجل الشارع فى هذا العصر، وهي الهاتف الجوال - الثريا وغير الثريا – الذى كان قد نقل الخبر الكارثة لكل أركان الدنيا بعد لحظات من وقوعه. وعندما بزغ صباح الإثنين وتوجه التلاميذ إلى مدارسهم والموظفون إلى مكاتبهم بالخرطوم، كأن شيئاً لم يكن، ارتاب الناس في الأمر وحسبوا أن الحكومة تتستر على أمر ما، لأنها تتصرف كالقط الذى التهم طائر الكنارى، أو كأنها تستنكف عن إعلان الحداد على النائب الأول لرئيس الجمهورية لسبب ما، أو كأنها تخشي ردة فعل الشارع الجنوبي، خوفاً من اسقاطات التحليلات الشعبية العشوائية المبنية على سوابق الإغتيالات التى ما زالت أشباحها تلاحق المتنفذين بأجهزة الأمن، وما انفكت عالقة بالعقل الباطن الجمعي للجماهير السودانية بالشمال والجنوب.
مهما يكن من أمر، فقد انداحت دوائر الكارثة حتى بلغت آخر مداها بمدن السودان الرئيسية، ثم هدأت الأمور وعادت إلى نصابها. وسيتم اليوم السبت (16/8/2005) دفن أعظم سياسي أنجبه جنوب السودان في العصر الحديث، رجل عرك الحرب وخاض غمارها بصبر وثبات لعقدين من الزمان، حقق خلالهما انتصارات متوالية على الأرض أجبرت الخصم لأن يسعي إليه المرة تلو الأخرى، إلى أن تم السلام في آخر الأمر؛ وكان سياسياً ودبلوماسياً بارعاً فى اكتساب الحلفاء الذين هرولوا نحوه من كل ألوان الطيف – معارضة وحكومة - ؛ وكان قائداً لحرب العصابات من طراز الجنرال جياب وهو تشي منه وفيديل كاسترو وتشي جيفارا وسامورا ميشيل وأوغستينو نيتو وأملكار كابرال. وقد تأثر بجميع هؤلاء في ثقافته السياسية وعبقريته العسكرية، واستخلص من أفكارهم برامج متكاملة للتطور الإقتصادي والإجتماعي ليس فقط للجنوب، إنما للسودان برمته فىي حالة نجاح فكرة الوحدة المؤسسة على مفهوم "السودان الجديد"؛ ذلك الوطن الموعود المبني على الديمقراطية التعددية والشفافية والإحترام الكامل لحقوق الإنسان؛ الوطن الذى لا تنفرد بالحكم فيه مجموعة مؤدلجة معينة وتفرض رؤيتها على الآخرين وتصوغ الدولة وفق إيديولوجيتها وتفسيرها الآحادي للدين؛ الوطن الذى يسمح لكل حزب أن يعرض برنامجه على الجماهير، وإذا نجح في إقناعها به يتم له النجاح في الإنتخابات، ثم يحكم البلاد لأجل معلوم، لدورة لا تزيد عن ست سنوات، ثم يذهب ليأتي غيره كما يحدث في الدول الديمقراطية كافة.
والمدهش في الأمر أن الفيلسوف الثائر جون قرنق كان قد نجح في استقطاب نفر من أكبر المثقفين الشماليين منذ وقت مبكر، مثل ياسر عرمان القائد الطلابي الذى كان معروفاً داخل الخرطوم حتى نهاية السبعينات، ومثل الدكتور منصور خالد والدكتور الواثق كمير والدكتور محمد يوسف أحمد المصطفى والدكتور تيسير محمد أحمد، الذين لم ينضموا فقط للحركة الشعبية لتحرير السودان، إنما لجيشها الشعبي، مشاركين في معاركه وزحفه عبر الغابات الكثيفة بالجنوب وعبر القمم الشم أوكار النسور، وتحققت بذلك الوحدة الجنوبية/الشمالية في أسمي معانيها. ومثل هؤلاء المفكرين انضم عشرات من أبنا القبائل الشمالية للحركة والجيش الشعبي، بالإضافة لسكان جبال النوبة بقيادة الراحل يوسف كوة، وأهل جبال الإنقسنا بجنوب النيل الأزرق بقيادة مالك عقار.
واقترب جون قرنق من الوحدة السودانية الحقيقية أكثر فأكثر وهو في غمرة نضاله داخل غابات الجنوب، إذ مد يده لجميع أحزاب المعارضة والنقابات والمنظمات الجماهيرية والشخصيات الوطنية المستقلة، وعقد معها "مؤتمر القضايا المصيرية" بأسمرا – إرتريا – في يونيو 1995، ذلك الملتقي التاريخي الذى توصل لصيغة "التجمع الوطني الديمقراطي" ولمقررات أسمرا 1995 التى كانت بمثابة اللبنة الأولى ل"السودان الجديد"، وللوحدة الطوعية بين الشمال والجنوب على إثر الاستفتاء على تقرير المصير في نهاية فترة انتقالية مدتها أربع سنوات، بعد القضاء على النظام الشمولي الظلامي الراهن. ولقد كانت المبادئ التى تمخضت عن مؤتمر أسمرا عقلانية ناصعة ومرتبة ومقنعة، مما جعل نظام الخرطوم نفسه يناور ويزايد عليها، ويحاول أن يقترب من الحركة الشعبية مدعياً التسليم بحق تقرير المصير؛ وبالفعل نجح النظام الإخواني في جر الحركة الشعبية للتفاوض في أبوجا ثم ماشاكوس ثم نيفاشا، وبعد أربع سنوات من الركض الدؤوب توصل مع الحركة الشعبية لإتفاقية نيفاشا في التاسع من يناير 2005، تلك الإتفاقية التى لا تختلف كثيراً عن مقررات أسمرا إلا من حيث بعض التفاصيل ومن حيث انغلاقها علي فصيلين فقط – المؤتمر الوطني الحاكم والحركة الشعبية.
أما الوحدة التى كان يحلم بها قرنق والتى اتفق علي السناريوهات الخاصة بها مع قوي التجمع الوطني الديمقراطي، فهي الآن تتعرض لمحنة كاسحة بوفاته - إذ أنه صمام أمانها والمدافع عنها والمطالب بإشراك أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي في الحكومة الإنتقالية المقترحة؛ وظلت حكومة الخرطوم تتأبي وتتلوي وتتهرب خوفاً من تغول الأحزاب على حصتها البالغة 52% في كل المؤسسات الإنتقالية. وعلى كل حال، فالمفاوضات لا زالت جارية حتى الآن، وربما تستأنف بعد الفراغ من مراسم دفن الفقيد، ولكن موت قرنق يشكل نقطة فارقة سوف تعود بعدها سيطرة المؤتمر الوطني، بمشارك هامشية للحركة الشعبية، حتى يحين موعد الإستفتاء، الذى تكاد نتيجته تكون معروفة منذ الآن – أديوس!.
وبالطبع فإن القدر الذى أودي بحياة الزعيم قرنق، في نفس الوقت، أدخل نظام الخرطوم في امتحان عسير: فلو تمادى في رفض إشراك أحزاب المعارضة بالصورة التى كان يلح عليها جون قرنق، فإن أمره سوف ينكشف باعتباره مصراً على الإنفراد بالأمر، وما إشراك الحركة الشعبية إلا رضوخاً لرغبة الغرب بقيادة الولايات المتحدة، ولا يهم النظام إذا قاد مثل هذا الموقف لانفصال جنوب السودان بعد الاستفتاء. بيد أن موقفاً متشدداً كهذا سوف يبعث نظرية المؤامرة من مرقدها. ولو أكرم النظام ذكرى المرحوم قرنق بالمزيد من الانفتاح والتوافق مع باقي فعاليات المعارضة، خاصة الفعاليات الممثلة للمناطق الريفية المهمشة مثل دارفور وجنوب كردفان، فتلك هي الدعامات المقصودة لتأسيس السودان الجديد المبني على اقتسام السلطة والثروة بطريقة عادلة وشفافة، تحقيقاً لحلم الراحل الخالد ولأحلام الجماهير التى أقصاها المركز من حساباته منذ فجر الإستقلال. إن مربط الفرص هو التقدم الإقتصادي والإجتماعي، وتجسير الفجوة بين المركز والأقاليم الريفية، ولن يتم ذلك في ظل الأنظمة الشمولية كما دلت التجارب السودانية السابقة – ست عشرة سنة أيام النميري، ومثلها منذ مجئ النظام الراهن للسلطة في 1989.
لقد وضع القدر هذا النظام الإخواني في محك دقيق ومفترق طرق خطير: فإما أن يعبر بالسودان نحو الوحدة و الاستقرار والسلام كما أراد له جون قرنق، وبذلك يتعذر وجود شخص أو جهة تستطيع أن تدعى أنها استفادت من غيابه عن الساحة، و إما أن يصر على حرفية نيفاشا دون روحها، و لا يقبل بغير القسمة الضيزى التي تضمنتها والتي كان المرحوم يسعى لتعديلها بالمزيد من التشاور مع التجمع الوطني الديمقراطي من جانب ونظام الخرطوم من الجانب الآخر، حتى لو أدى ذلك التعديل للتنازل عن نصيب الحركة في الأجهزة التنفيذية والتشريعية والمفوضيات. ويستطيع النظام أن يلتقط القفاز ويرتفع لمستوى التحدي ويقدم مصلحة الوطن فوق المصلحة الحزبية الضيقة، ويتنازل هو كذلك عن جزء من نصيبه للتجمع و لثوار دارفور وشرق السودان و جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق حتى تجلس الحكومة الانتقالية على قاعدة عريضة ومتوازنة بحق و حقيق. وذلك أفضل تكريم لروح القائد قرنق وأفضل حل لمشكلة السودان التي غلبت الطب والطبيب، ونسأل الله أن يهدي الجميع لما فيه خير الوطن ونسأله أن يحفظ السودان موحداً قوياً أمام عاديات الزمن وتصاريف القدر.
والسلام
الفاضل عباس محمد علي

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.