تجربة المجلس العسكري لانتفاضة أبريل 1985 ما زالت ماثلة للعيان، إذ كان مثقلاَ بأكثر من عشرة ضباط عظام، فيهم الفريق أول تاج الدين فضل عضو الجبهة القومية الإسلامية (أي الإخوان المسلمين)، وعلى رأسهم الفريق أول سوار الدهب المتعاطف مع الإخوان، والذى كوفئ بعد تصرم ذلك المجلس الانتقالي بتعيينه رئيسا لمنظمة الدعوة الإسلامية مدى الحياة براتب مكتنز بالعملة الصعبة؛ ولقد تفاني مجلس سوار الدهب في خدمة أجندة الإخوان المسلمين، فلم يجب قوانين سبتمبر 1983 سيئة الذكر، وقام بتصعيد الحرب في الجنوب وجلب لها أسلحة باهظة التكلفة من الجارة مصر، ...إلخ.

وما ساهم في إحياء كوابيس تجربة أبريل، بل أجج التوجس منها، التصريح الذى كان قد أدلى به الفريق أول عمر زين العابدين في أول يوم للمجلس الانتقالي الحالي، عندما قال : "نحن أبناء سوار الدهب!". ولهذا السبب، بالإضافة لعوامل أخرى، أصر مناديب قوى الحرية والتغيير على تسليم السلطة بالكامل للمدنيين. بيد أن استطالة المفاوضات تحت ظروف الحر الخرطومي القائظ في لب رمضان، والوضع السياسي والاقتصادي الخانق، والأشباح المتفلتة القادمة من مقابر النظام البائد، واحتمالات التدخلات الأجنبية غير مضمونة العواقب - كل ذلك أوصل المفاوضات لهذه المحطة الأخيرة التى تتلخص في: مجلس السيادة – من يكون رئيسه، وما هو مكونه العسكري والمدني، وبأي نسب؟

أولاً: إذا أردنا أن نتجنب السلبيات التى عاني منها مجلس سوار الدهب و"أولاده" والتى مهدت الأرض لانقضاض الإخوان المسلمين على السلطة في 30 يونيو 1989، فعلينا ألا نرضي بالمجلس المدني بديلا؛ وإذا فرضت علينا الظروف المذكورة أعلاه نوعاً من الحلول التوافقية، يمكننا أن نقبل برئاسة البرهان ومعه حميدتي بسبب موقفهما الداعم للثورة يوم 11 أبريل، فقد يعمل أحدكم عمل أهل النار حتى يصبح على شفا حفرة منها فيعمل بعمل أهل الجنة ويصبح من أهل الجنة. أما العسكريون الآخرون فهم من "أولاد" سوار الدهب، وما لم يكونوا أهل ولاء لنظام البشير لما وصلوا لهذه الرتب العليا في جيش كيزاني مؤدلج "حتى قعر الحلة"؛ ومنهم من سمعناه قبل يومين يسخر من الإعتصام: (اقعدوا كان قاعدين وصوموا الستوت كمان، واحضروا العيدين!)، ومنهم من تحدث مزايداً عن خلو ترتيبات المرحلة الانتقالية من الإشارة للشريعة، ولعل ذلك هو "الكاتاليست" الذى نفخ في أشرعة عبد الحي والجزولي وغيرهم من الدواعش المفلسين فانتفضوا كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد، وهي مجرد فرفرة مذبوح. وهكذا، يمكننا أن نخرج بمجلس من خمسة أعضاء، يترأسه البرهان ونائبه حميدتي وثلاث مدنيون مرشحون من قوى الحرية والتغيير، منهم نائب آخر للرئيس وممثلة للمرأة، وهو نفس المجلس الخماسي الغائص في وجداننا الذي شهدته انظمتنا الديمقراطية كافة منذ الاستقلال.

ثانياً: ما رشح عن مجلس من سبعة عسكريين وثمانية مدنيين هو مجرد ترهل لا داعي له البتة، وليس هنالك في تاريخ العالم كله مجلس رئاسي بهذا الحجم: أنظر للتكلفة والمخصصات والزخم والهيصة والربكة اللوجستية والبروتوكولية، وانظر للاجتماعات السلحفائية لمجلس بهذا العدد، ولاحتمالات اللت والعجن والتباين في وجهات النظر...إلخ. فالديمقراطيات الراسخة يرأسها ملوك أو رؤساء لا تكاد تسمع بأسمائهم، تاركين المسرح للأجهزة التنفيذية والتشريعية؛ مثل الملكيات الوراثية ببريطانيا والسويد والنرويج والدنمارك وهولندا وبلجيكا ومونتي كارلو وتايلاند، أو الجمهوريات البرلمانية كالهند، حيث يظل الرئيس في مكانه موطأ الأكناف وعارفاً قدر نفسه، كمجرد رمز للدولة وهيبتها، وللقيام فقط بالمهام البرتوكولية، بلا جلبة أو ضوضاء أو راز ماتاز أو بروز إعلامي.
ثالثاً: لقد سمعت من أحد قادة الحرية والتغيير أنهم يرغبون في مجلس به تمثيل لكافة أقاليم السودان، وهذه في رأيي هي ثقافة المحاصصة التى رسختها الديمقراطية الأخيرة وزادها النظام البائد ضغثاً علي إبالة؛ وهذه هي الآفة التي تجلب الملاججة والمنازعة والخلاف والمماحكة وعدم الانسجام، وبالتالي البطء والتلكؤ في اتخاذ القرارات؛ وبهذه الطريقة فنحن نرسخ الجهوية والمناطقية والقبلية والتمايز الإثني، تلك الآفات التي فتت في عضد وحدتنا الوطنية، والتى قادت لحروب مدمرة بالجنوب ثم دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق.

وعليه، أرجو من الإخوة المتفاوضين، من قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري، أن يضعوا مصلحة البلاد العليا فى اعتبارهم، لا أن يسعوا لتحقيق التوازن بين اللوبيات والتيارات السياسية والمناطقية الظاهرة والمستترة؛ وأرجو أن يتشبعوا ويسترشدوا بفكر وإلهام ثورة ديسمبر التى لم تشهد البشرية شبيهاً لها من قبل؛ ومن دواعي هذه الروح الثورية التفكير خارج الصندوق، والإبداع والشجاعة في اتخاذ القرار، والمجازفة البطولية والتجريب وعدم الكسل الذهني والمحاكاة القردية، واستدعاء ذات التفرد العبقري الذى افرزته الثورة، ذلك التفرد الذي يميز الشخصية السودانية عن سواها من عرب وعجم.

وهكذا، نتمني أن نفاجئ العالم مرة أخرى باتفاق مدهش وسريع وحاسم يشبه ثورة ديسمبر، ويضع حداً للترقب والبلبلة وعدم الاستقرار الحالي، ويضعنا في أول الطريق نحو بناء سودان مدني ديمقراطي مسالم وموحد، يضرب المثل لباقي الشعوب المستغيثة بقارتنا السمراء. فإذا خرجنا بمجلس سيادة تشريفاتي محدود الصلاحيات يتألف من خمسة أعضاء اثنان منهم الفريقين المذكورين أعلاه، نكون قد سطرنا على صحائف التاريخ بأسطر من نور. ولا بأس بمجلس الأمن القومي المقترح برئاسة رئيس مجلس السيادة وعضوية نائبيه ووزراء الدفاع والداخلية والعدل والمالية والخارجية، الذى لا يتعارض مع....ولا ينتقص من صلاحيات مجلس الوزراء والمجلس التشريعي.

نسأل الله التوفيق للمتفاوضين الأبطال الأشاوس من الطرفين.
والنصر معقود لواؤه بشعب السودان.
حرية سلام وعدالة، والثورة خيار الشعب!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.