الوفد الحكومي طرح على الحركة الشعبية في جوبا "دولة علمانية" بأحدث مفهوم لها في الفكر السياسي .

أجرت صحيفة (الحداثة) اليومية، الأربعاء 25 مارس 2020، مقابلة مهمة مع الأمين العام للحركة الشعبية – شمال، السيد عمار آمون دلدوم، تناولت "مفاوضات" السلام الجارية في جوبا. في تقديري قدم السيد عمار آمون، الذي يقود أيضا وفد الحركة للتفاوض، طرحاً متوازنأ ومسئولاً لما تحقق حتى الآن وما لم يتحقق. أرى أيضاً أن كبير مفاوضي الحركة الشعبية كشف بلغته المضبوطة والدقيقة أن المواقف بين الحركة الشعبية والحكومة ليست بذلك التباعد الذي تبدو عليه، وأن أرضية مشتركة تبلورت من خلال جلسات التفاوض وعبر زيارة الوفد السياسي لقوى الحرية والتغيير لجوبا، يمكن البناء عليها واستئناف التفاوض الذي انقطع طويلا.
من خلال تواجدي ضمن الوفد الحكومي ممثلا لقوى الحرية والتغيير، في الجولتين الثالثة والرابعة، منذ ديسمبر 2019، أستطيع أن أوكد أن الوفد الحكومي يبادل الحركة الشعبية الاتفاق في جوانب مهمة أشار إليها الأمين العام، وعبر عنها الوفد الحكومي مراراً في الجلسات واللقاءات خارجها، منها أن ثورة ديسمبر وسقوط نظام الإسلامويين يوفران فرصة تاريخية نادرة للوصول لسلام عادل ومستدام، وأن مخاطبة جذور المشاكل التي قادت إلى الحرب هي الضمان الوحيد لتحقيق هذا السلام الشامل العادل المستدام.
في الحقيقة كان هناك شعور بالاتفاق لدرجة أن تشكيل الوفدين بدا جزافياً، بمعنى الإحساس المشترك، الذي جرى التعبير عنه، بأن بعضاً من عضوية الوفدين كان من الممكن أن تكون جزءاً من الجانب الآخر، وذلك بسبب نضالات وأعمال سياسية وتفاهمات مشتركة في السابق. بل إن موقف الوفد الحكومي وقوى الحرية التغيير كان يرى ألا تُسمى مجمل العملية تفاوضاً، بل "حواراً لتفصيل المتفق عليه"، وكنت أحد الذين اقترحوا مبكراً بعد التوقيع على الوثيقة الدستورية أنعقاد مؤتمر مائدة مستديرة يضم كل الفاعلين السياسيين وحركات الكفاح المسلح، بدلا من جولات التفاوض التي لم يعد لها ما يبررها بعد انتفاء المشاريع المتعارضة.
جرى الاتفاق في جلسات قليلة على كل بنود مسودة إعلان المبادئ باستثناء 3 بنود، وردت ضمن حزمة، في مسودة إعلان المبادئ للحركة الشعبية، هي: "إقامة دولة علمانية ديمقراطية في السودان"، و "في حالة عدم الاتفاق علـ[يها] يكون للشعوب السودانية الحق في ممارسة تقرير المصير وتحديد مستقبلها السياسي بما في ذلك الاستقلال التام عبر استفتاء شعبي" و "التأكيد علىى ممارسة حق تقرير المصير لشعبي جبال النوبة- والفونج النيل الأزرق ليقررا مستقبلهما عبر الاستفتاء"
أشار مفاوضو الحركة الشعبية إلى ما أشار إليه السيد عمار آمون في مقابلة صحيفة (الحداثة) سبباً لمطالبتهم بالدولة العلمانية، وهو الضرر الذي ألحقته الدولة الدينية بالشعب السوداني. هنا مرة أخرى كان اتفاق الوفد الحكومي مع الحركة الشعبية من ناحية المبدأ والجوهر كاملا، فأكد الوفد الحكومي في الجلسات وخارجها، رفض مكونات الثورة الرسمية والسياسية للدولة الدينية، والعزم على ألا عودة إليها، كنتيجة لثورة ديسمبر التي كانت ثورة أيضاً على الدولة الدينية التي أسسها الإسلامويون في السودان.
بصورة عامة نظر الوفد الحكومي لجذور المشكلة السودانية على أنها مشكلة حقوقية متعلقة بغياب حقوق المواطنة المتساوية لدى قطاعات واسعة من السودانيين بسبب الدين أو الثقافة أو العرق أو النوع أو الوضع الاجتماعي أو الانتماء الجهوي ..الخ.
وكانت الحركة الشعبية قد لخصت في ورقة، رؤيتها لجذور المشكلة السودانية على أنها التفاوتات الاجتماعية المشوهة والمركزية الثقافية الإسلاموعربية، والتهميش، والهوية الاسلاموعروبية، والاستغلال السياسي للدين، والتنمية غير المتوازنة، واحتلال الأراضي ومصادرتها. ويمكن القول إن الاختلاف بين التحليلين للمشكلة السودانية، بصورة عامة، ظل في درجة التفصيل وليس في جوهر الأشياء.
لم يكن هناك اختلاف مطلقاً في أن السودان يعاني من "مشكلة دينية" تسببت في انتهاكات جسيمة لحقوق المواطنة المتساوية على مر العقود. معلوم للكافة أن هذه المشكلة الدينية ناتجة عن جر النخب السياسية والحزبية الدولة للانحياز لأحد أديان السودانيين، وهو الإسلام، بل ولصيغة معينة داخل الإسلام. لقد استخدمت الدولة، خاصة في عهد حكم الإسلامويين، أجهزتها الرسمية والمسلحة، لقهر الناس على فهمهم هذا للدين وإلزامهم به.
غير أن انحياز الدولة لم يقتصر على الدين فحسب، بل امتد إلى مجالات أخرى في الحياة السودانية، عبر عقود السودان المستقل وما قبله. في الواقع يقبع خلف كل واحدة من اختلالات "التركيبة الاجتماعية المشوهة"، التي أوردتها الحركة الشعبية لتحرير السودان في ورقتها حول جذور المشكلة السودانية، والتي "قسمت مكونات المجتمع السوداني إلى كيانات متفاوتة سياسياً، اقتصادياً، اجتماعيا، وثقافيا", كما جاء في الورقة – يقبع خلف كل واحدة من هذه الاختلالات والتفاوتات انحياز الدولة السودانية إلى هذا المكون الاجتماعي، إلى تلك الثقافة، أو ذلك الدين، إلى هذه اللغة أو ذلك العرق المتوهم أو النوع الاجتماعي، أو الجهة الجغرافية ..الخ. وكما سبقت الإشارة ترتبت على انحيازات الدولة في هذه المجالات الإضافية انتهاكات جسيمة لحقوق المواطنة المتساوية، وتفاوتات واختلالات لم تقل عن تلك التي تسبب فيها الانحياز الديني. خذ مثالاً على ذلك انحياز الدولة السودانية للغة العربية على حساب اللغات القومية الأخرى، أوأنحيازها لجهة جغرافية سياسية دون البقية، أو لفئات اجتماعية محددة دون أخرى، أو تغليب الهوية العربية الإسلامية ضد هويات السودان المتنوعة ..الخ. في الحقيقة أقر الإخوة من جنوب السودان أنهم في سنوات السودان الموحد تضرروا من الانحيازات العرقية والجهوية بأكثر كثيرا مما تضرروا وتأذوا بسبب الانحيازات الدينية، برغم كونهم غير مسلمين.
في وجه هذا الاعتبارات وبتصميم يهدف إلى مخاطبة جذر المشكلات مجتمعة طرحنا في الوفد الحكومي، على زملائنا في الحركة الشعبية مفهوم "الدولة غير المنحازة" (the impartial state)، وذلك في إطار حزمة متكاملة من 10 بنود دستورية تعالج العلاقة بين الدين والدولة وغيرها من العلاقات، على النحو التالي:
4- "يكون السودان دولة غيرمنحازة دينياً أو عرقياً أو ثقافياً أو جهوياً، قائماً على نظام حكم فيدرالي حقيقي، تتمتع فيه الأقاليم أو الولايات بسلطات فاعلة يتفق الطرفان عليها، وتُسن فيه التشريعات دون الانحياز إلى دين أو ثقافة أو عرق أو جهة أو غير ذلك من الأسس التمييزية" ..
5- "إقرار دستور وقوانين تمنع استغلال الدين في السياسة وتضمن عدم انحيازية الدولة من الناحية الدينية أو الثقافية أو العرقية أو الجهوية"..
6- "إلتزاماً بأحكام الفقرة 4 والفقرة 5 أعلاه تتخذ حكومة السودان الإجراءات والتدابير الإصلاحية التشريعية اللازمة لضمان تأسيس الحقوق على المواطنة، والمواطنة فقط" ..
7- "تقوم قوانين الأحوال الشخصية على الدين والعرف وكريم المعتقدات، بما لا يتعارض مع الحقوق الأساسية" ..
8- "يعتمد الطرفان آليات مشتركة لأقرار وتنفيذ أسس دولة المواطنة المتساوية وإنهاء ومنع التمييز على أساس الدين أو العرق أو الثقافة أو الجنس أو اللون أو النوع أو الوضع الاجتماعي أو الاقتصادي أو الرأي السياسي أو الانتماء الجهويي أو الإعاقة أو غير ذلك من أسس التمييز"..
9- "تُضمن حقوق الإنسان والمرأة والطفل الواردة في المواثيق والعهود الدولية المصادق عليها في اتفاق السلام" ..
10 – تتخذ حكومة السودان الاجراءات الضرورية للانضمام إلى مواثيق وعهود حقوق الإنسان الدولية والأفريقية غير المصادق عليها من جمهورية السودان".
لقد تلوت هذه الفقرات بنفسي في عدة جلسات رسمية مع الحركة الشعبية، وتولى شرحها بالتفصيل الدقيق د. نصر الدين عبد الباري، وزير العدل، وأمن عليها الفريق شمس الدين كباشي الذي قاد وفد التفاوض مع الحركة الشعبية. أوضح د. نصر الدين عبد الباري القادم من جامعة هارفارد أن الدولة "غير المنحازة" (the impartial state)، هي ما استقر عليه اليوم الفكر السياسي العالمي حول ماهية الدولة العلمانية، وأورد نماذج لفقرات من الدستور الامريكي تعضد مفهوم الدولة غير المنحازة دينياً، كمثال التعديل الأول لدستور الولايات المتحدة، والذي يُقرأ "لا يُصدر الكونغرس الامريكي أي قانون خاص بإقامة دين معين من الأديان أو يمنع حرية ممارسته"..
من هذه الاعتبارات مجتمعة يتضح أن مقترح الدولة غير المنحازة (the impartial state)، كبديل لـمفردة "العلمانية" المختلف عليها في المجتمع السياسي السوداني، خاصة وسط قوى الحرية والتغيير،والتي صارت لها تعريفات شتى لم يعد من الممكن ضبطها دستورياً – أن هذا المقترح لم يأت مطلقا للانتقاص من انجازات الدولة العلمانية الأوربية، التي كرست للمواطنة وحقوق الإنسان وإلغاء الامتيازات الدينية، على العكس، هو يضيف إليها ما ينقصها، يأخذ بكافة الحلول التي جاءت بها "العلمانية"، ولكنه يعالج أيضاً ما لن تعالجه العلمانية الكلاسيكية، لا سيما في مجتمعنا السوداني المتنوع. فالدولة غير المنحازة هي علمانية (بلص)، أي بالزيادة، علمانية مضاف إليها. مفهوم الدولة غير المنحازة يأخذ بعين الاعتبار، وبقوة، النقد الجاد الذي وُجه للعلمانية الكلاسيكية، وانتج فكر (ما بعد العلمانية)، في أكثر المجتمعات علمانية منذ منتصف القرن الماضي.
وقد وردت أثناء الجلسات والمساجلات أمثلة كثيرة لدول ومجتمعات مثل تركيا وسوريا والعراق ومصر والاتحاد السوفيتي السابق، والدول التي دارت في فلكه - لم تحول "علمانيتها الكلاسيكية" بينها وبين أرتكاب انحيازات عرقية أو ثقافية أو لغوية، تسببت في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، لا نريد لها أن تحدث بعد ثورة ديسمبر المجيدة مرة أخرى في السودان. صحيح جداً أن من لا يأخذ بالعلمانية متخلف 450 عام عن العالم المتحضر، ولكن صحيح أيضاً أن من يتوقف بها عند صورتها الكلاسيكية الأولى، ولا يأخذ في الاعتبار النقد الذي وُجه لها، في مجتمع متنوع مثل مجتمعنا- يخاطر بتكرار انتهاكاتها بصورة سوف تهدد بالتأكيد السلام العادل الشامل المستدام الذي ننشده في السودان، ويعيدنا إلى دائرة الحرب الجهنمية التي نريد الخروج منها، مرة واحدة وللأبد.
قصدتُ بهذه التوضيحات المختصرة أخذ السجالات الرفيعة والحوارات الجادة التي دارت في الجلسات الرسمية واللقاءات الجانبية مع الحركة الشعبية في جوبا خطوة أخرى إلى الأمام، ومشاركتها مع قطاع أوسع من السودانيين، باعتبار أن الوصول لسلام عادل وشامل ومستدام هو هم عام لجميع السودانيين، وباعتبار أن ما يجري في جوبا ليس تفاوضاً كلاسيكيا سرياً بين معسكرين متشاكسين يحملان رؤى وجودية متعارضة، ويتحفزان لاحراز الأهداف وانتزاع النقاط من بعضهما البعض، وإنما كشركاء على قدم المساواة في الثورة وفي مستقبل البلاد.
تفرض هذه الشراكة، وفي ظل الفرصة النادرة التي وفرتها ثورة ديسمبر المجيدة، على كافة الثوار ليس فقط التوافق على وضع الأساس لسلام عادل شامل مستدام يوقف نزيف الدماء ومعاناة النزوح واللجوء والتشرد وتبديد الموارد والثروات، وإنما أيضاً المسارعة في وضع الأيادي على بعضها البعض وضم الجهود الثورية لإكمال البناء.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.