مع التركيز على دعمنا غير المحدود لوزير الإعلام الجديد لاسترداد التلفزيون الرسمي، وجعله قوميا حتى يديره مختلف كوادر الثورة - وليس المؤدلجين إسلاميا فحسب - ينبغي للثائرين أن يدعموا كذلك الأستاذ فيصل محمد صالح معنوياً بتسيير مواكب مليونيك لصالح خطته ضد قنوات الكوادر الإخوانية التي نشأت لتزييف الواقع، وخدمة الطفيلية الإسلاموية، ودعم المشروع الحضاري الذي ذهب لمذبلة التاريخ. والحقيقة أنه نتيجة لسريان مصطلح الإقصاء الاستراتيجي تسامح قادة الحرية والتغيير، واستجابوا بحسن نية لطلبات الحوارات الإعلامية لصالح قنوات تتبع لكوادر النظام. واعتقد أن كبار المسؤولين قد بلعوا الطعم بأن تطبعت علاقتهم مع مسؤولي هذه القنوات، ونسوا أنها تمظهر لفساد الإعلام عينه، إذ لا نعرف من أين تحصلوا على هذا المال. فمن جهة تقربت هذه القنوات زلفى لقادة التغيير حتى يصعب عليهم التوصية، أو دعم أي اتجاه لإغلاقها. ومن جهة أخرى رغبت القنوات المعنية بهذا التزلف في الحفاظ على وجودها كموئل للمال الذي يأتيها من المعلنين الحكوميين، والشركات الخاصة التابعة للأمن، وكوادر المؤتمر الوطني. وللذين لا يعلمون فإن هذه القنوات، وصحف الإسلاميين، ونفعيي النظام السابق، تعتاش على إعلانات الدولة، والقطاع الخاص، نظير سكوتها عن تناول القضايا الجوهرية عندما كان النظام يشتري ويبيع في النخبة.

وهذا الفساد في احتكار الإعلان المخصص لهذه القنوات الفضائية، والصحف، هو من القضايا المسكوت عنها، وينبغي للوزراء الجدد الانتباه لهذا الأمر، وإعادة النظر في كيفيات التعامل الإعلاني مع صحف الإسلاميين، والنفعيين. ولقد شهدنا أن حكومات النظام السابقة، وكوادره الرأسمالية في القطاع الخاص، كانوا يحرمون صحفاً بعينها من الإعلان، ويبتزون صحفا معينة لحملها على التوقف عن نقد الحكومة نظير الحصول على الإعلان. وفي هذه البيئة الإعلامية الخربة يريد الجاهرون بمفردة الإقصاء من الإعلاميين الثوريين خوض غمار المنافسة. أي أن يتنافس الصحافيون الشرفاء كمستثمرين مع صحفهم التي وطدت علاقاتها مع المعلنيين الحكوميين، واحتكرت سوق الإعلان التجاري!

-٢-
إن أمر نجاح القنوات الفضائية التي أسسها داعمو الأسلمة الشكلية في الحفاظ على البث حتى الآن لا يعدو إلا أن يكون استغلالا بشعا من الإخوان المسلمين للتسامح السوداني، والضحك على عقول الثوريين جميعا الذين دفعوا ثمنا غاليا إزاء اختطاف الحركة الإسلامية للإعلام. والمضحك أن أصحاب الرساميل الإسلامية حين أدركوا حتمية التغيير تخلوا عن مدراء هذه القنوات الذين كانوا ينفذون استراتيجية النظام، ويهاجمون رموز الحراك الثوري، وقد استبدلوا بعد سقوط البشير بآخرين. بل تم تغيير الخارطة البرامجية الداعمة لاستراتيجية المؤتمر الوطني ببرامج نفاقية تتماشى مع مناخ الثورة. وهكذا حافظ المال الإخواني على استثماره من جانب ليذهب العائد لمقاومة الثورة نفسها.
قناة النيل الأزرق بدأت فاسدة للتوعية السياسية، والثقافية، والفنية، من أول يوم، إذ تفهت همومات المواطنين لشغلهم عن القضايا الجوهرية. ولا ندري تفاصيل الشراكة التي جمعت القناة بالتلفزيون، أم هي في الجوهر شركة قطاع خاص مكتملة الأركان تحايلت بالشراكة لتفسد. إذ أجرت مباني التلفزيون في بداية عهدها، واستخدمت أرشيفه، وبعض خبراته. وفي زمن الشفافية ينبغي مراجعة عقودات الشراكة، والإيجار، والمبالغ، التي دفعتها قناة النيل الأزرق نظير الاستعانة بهذا الأرشيف الذي هو ملك لجمهورية السودان. وفي هذا الخصوص لا بد من مراجعة استفادة قناتي الشروق، وسودانية ٢٤، من هذا الأرشيف أيضا، ومقاضاة هذه القنوات الخاصة نظير أي لقطة وظفتها من هذا الأرشيف التلفزيوني والذي هو ثروة قومية. بل يجب البدء في محاسبة مدراء التلفزيون القومي منذ زمان الطيب مصطفى، فإذا اتضح أنهم سمحوا لهذه القنوات باستغلال أرشيف التلفزيون بلا مقابل فلابد لمنظمة "زيرو فساد" أن تقيم الدعوى حتى يدفعوا الثمن. أما قناة الشروق فتقول تقارير منشورة في النت إنها تأسست بأكثر من ثلاثين مليوناً من الدولارات في دبي لدعم توجه الحركة الإسلامية. وبعد نفاد دخل البترول اُختصرت ميزانيتها، وتوقفت المرتبات المهولة للمذيعين، والمذيعات العرب وهكذا عاد طاقمها الإداري، والفني، للعمل من داخل السودان. وبالنسبة لسودانية ٢٤ فقد ظلت حتى آخر لحظة تعادي الثورة، وكان مديرها الطاهر حسن التوم يمارس عملاً ممنهجاً للطعن ضد الثورة، ولما نجحت الثورة اُستبدل، وربما يدير القناة خلف الكواليس كونه شريكا فيها.

-٣-
قناة طيبة هي موطن الفساد عينه، ولها استراتيجيات دعوية في دول خارج السودان. وقد نشأت لتدجين الذهن السوداني، والإريتري، والإثيوبي، و"الغرب أفريقي"، عبر برامج سلفية متطرفة تحت إشراف عبد الحي يوسف ومدير القناة الفلسطيني الذي يشرف على سبع نسخ للقناة كما نشر. وقد وجدت القناة تمويلا مباشرا من الرئيس المخلوع كما اعترف في المحكمة. ولا نعرف حتى الآن مصادر دعمها الأخرى، وأوجه صرفها، خصوصا أن الأموال التي تتلقاها كانت جزء من أموال دافع الذكاة والضرائب معاً. أما قنوات مثل ساهور، وأمدرمان، التي يديرها حسين خوجلي فلا يحتاج القارئ لتعريف عن مفاسدها. فساهور قد مُنحت ملايين الدولارات من البشير شخصيا، كما نشر، لتقوم بترسيخ التدين الشكلاني، وليس نشر ألوية السلام، والمحبة، والصلاح، والتقوى، وسط المسلمين، وغير المسلمين.
لقد أبان الأستاذ فيصل محمد صالح أن هناك معوقات قانونية تكبل وزارته، ووزارات أخرى، وتحرمها من ممارسة صلاحيات عاجلة للتخلص من مسؤولي الأجهزة القومية الفاسدين، أو إعادة الهيكلة إجمالاً. وهذا أمر مفهوم، وسوف ننتظر حتى يتمكن وزير الإعلام من عمل هيكلته، وسوف يجد منا دعما إعلاميا متواصلا لهذا المسعى حتى نحقق ما عجزنا تحقيقه ثورياً بخصوص الإطاحة بانتهازية الإعلام الحكومي والخاص. إننا نثق في ثورية وزير الإعلام الجديد، ونتمنى أن يستعين بزملائه في الداخل والخارج ليكونوا عونا له في مواجهة البنية الإعلامية الفاسدة التي قال إن تسعينا من المئة من العاملين فيها معادون للثورة.