26 مارس 2019

{ من أهم أمراض الدولة الفاشلة: الإرث الأسطوري والمعالجات السطحية والعرقية والحوكمة المُعاقة وشلل القيادة، وتسلط الأجهزة الأمنية والفساد البائن وانعكاس مظاهر الفقر في الطرقات، واغتصاب الأطفال وتهميش الشباب والظلم المتراكم، وانهيار المؤسسية وانحطاطك الخدمة المدنية وانكسار القضاء، وامتلاء الأمكنة بصافرات قوافل المسؤولين، وانعكاس مظاهر العطالة والفقر والتسول على الشوارع، ثم وهم الحاكم بالفوز في انتخاباتٍ قادمة . }
أ.د. كامل إدريس

(1)
ليس هناك أفشل من الجهل، حين يركب فرسه ويجول في الطرقات و ينصح الناس.
من أين أتى هؤلاء ؟
أهي عصور سابقة، نهض أهلها من قبورهم يرغبون تغييرنا؟
كانوا يحملون واجهات القرآن في رؤوس رماحهم، يرغبون تغيير المجتمع وتغيير جاهليته المفتري عليها، بنظام أمني يخضع للتنظيم، خضوعاً شاملاً. انتشروا في الأرض كأنهم غرباء عليها، مدّهم انقلاب 1989 نخوة وبطراً، ومنحهم عنفهم القاسي وتعذيبهم لمعارضيهم أنهم سينعمون ببسطة السلطة وجني ثمارها رغداً على أفراد تنظيمهم وعلى التنظيم العالمي، وعلى مسمياتهم التي كثرت، يتدثرون بها كي يخفوا عورتهم. كل ذلك من مال السحت!.

(2)
صنع لهم أمين عام التنظيم نظرية أن الهدف قبضة السلطة والتشبث بها. عرّفهم بأن الموقف السياسي لا يتجمد، إنه يتغير بطبيعته. وأن الانقلاب جزء من امتداد السياسة، سواء أكان هذا الموقف صراعاً في إطار الحياة السياسية الداخلية داخل الدولة وتعني الفوز بالسلطة، أو كان صراعاً ثانوياً في إطار العلاقات الدولية، أو صراعاً بين قوى تتنافس حد التطاحن والتحطيم.
قفز بهم الأمين العام للتنظيم إلى العنف السياسي ضد المختلفين مع التنظيم بأسس جديدة على المجتمع، فالحل الوحيد في مواجهة الطبيعة المتغيرة للموقف السياسي، هي أن تعرف القوة الحريصة على الفوز دائماً، معرفة شكل عناصر ومقومات الموقف السياسي، قبل حدوثه بالفعل على أرض الواقع.
ولكن فيم تفيد المعرفة المسبقة بالموقف السياسي قبل حدوثه؟ تجيب المدرسة الأمريكية: إن الصورة الأمثل هي أن المعرفة المسبقة بالموقف السياسي يمكن أن تخدم الطرف الحريص على الفوز، وأن تتيح له أن يحول دون حدوث الموقف الذي يتعارض مع مصالحه. كما أن المعرفة المسبقة تتيح التلاعب بمقومات الموقف السياسي، بحيث يلحق أقل الضرر بالطرف الساعي وراء المعرفة. والصورة الأدنى هي استخدام المعرفة المسبقة في امتصاص طابع الكارثة لدى تحققه. أما الصورة الأخيرة فهي بتفجير الموقف السياسي كلية عن طريق المعرفة المسبقة، التي تطرح مخاطر جديدة قد يكون من الأيسر مواجهتها بأساليب جديدة. وهذه الأساليب الجديدة هي التي وقفت عقبة في وجه أفراد التنظيم في مقبل أيامهم بعد نجاح الانقلاب.

(3)
وهو الذي يضرب جذوره العميقة في حركة التنظيم السياسي أو ما اصطلح على تسميته بمجتمع المخابرات في تنظيم الإخوان المسلمين، فهو من التعقيد والتشابك والتعدد بحيث أنه يوازي المجتمع في تعقيده. تطور النظام الأمني للجماعة إلى نظام يطمح أن يغير العالم ويعيد تشكيله، وكانت أدواته منتمين قليلي الكفاءة.
لقد صرّح الأمين العام بأن التدريب الأمني لا يستثني أحد، مهما بلغ سنه، يبدأ منه ويصل إلى أدنى سلم وحدة الإخوان المسلمين وهي الأسرة. بدءاً من الرصد البشري وصولاً لأعقد عمليات الرصد والتصنت والتعقب التكنولوجية. لقد تم شراء المعدات الخاصة على أنها بضاعة شركات أيام الديمقراطية السودانية الثالثة، وتم التوصل عن طريقها إلى تعمية جهاز اتصالات الجيش، وبالتالي تحييد القوات التابعة للجيش في الوحدات داخل العاصمة وخارجها.

(4)
نورد مقتطفات توضح بيان التوجه الأمني الاستخباراتي في التجهيز للانقلاب وتنفيذه وفق رؤى الأمين العام للتنظيم:
ونقتطف من كتاب المحبوب عبد السلام( الحركة الإسلامية السودانية – دائرة الضوء – خيوط الظلام ) ( تأملات في العشرية الأولى لعهد الإنقاذ) - ص 108 :
{في صباح يوم 30 يونيو( حزيران) 1989، بدأ السودان عهداً جديداً بإذاعة البيان الأول لثورة الإنقاذ الوطني، وأخذت الحركة الإسلامية شكلاً جديداً. بضع مئات من الضباط الملتزمين يعلمون من وراء الانقلاب، والمئات الأخرى من عضوية الحركة الإسلامية الملتزمة أدوا أدوارهم العسكرية والمدنية في عملية استلام السلطة وانسحبوا إلى الظل يواصلون عملهم في تأمين الثورة، بينما بقيت مئات أخرى فير سجلات الطواري وإذا استدعى الأمر مدنياً أو عسكرياً ضمن المهن الحاسمة، كالطب والهندسة والقضاء والتدريس ، وقد امتد السجل إلى خارج الحدود يحيط بالملتزمين دون أن يعملوا بتفاصيل الطلب أو المهمة ولكنهم على أهبة الاستعداد لمجاوبة النداء ضمن ترتيبات تأمين الحركة والثورة من كل ردة محتملة، فيما تفرغت قلة قليلة لإحكام صورة التمويه لإخفاء هوية الثورة الإسلامية كتابة ونشراً في الصحافة العربية والعالمية.}
ونقتطف من ذات المرجع - ص 110 :
{بعد أن آلت كل صلاحيات القيادة وسلطاتها في الحركة الإسلامية إلى المكتب القائد على النحو البذي وصفنا، إذ أن مهمته تتلخص في نجاح الثورة وتأمينها، فقد بسط سلطاته المباشرة على أجهزة الضبط والتأمين العسكرية الرسمية والشعبية وأجهزة الأمن والمعلومات، فهي الوحيدة التي ظلت محجوبة بالسريّة والكتمان واتصلت بأجهزتها وعضويتها عبر تقلبات المراحل السياسية من الهدنة إلى الجبهة إلى الإنقاذ، لا تكاد تكشف عن نفسها في العلن ولا تضرها كثيراً تقلبات السياسة وأحوالها إلا في إعمال مرونتها أو كفكفة عملها أو بسطه وتركيب آلياتها أو فكها وفقاً لظروف المرحلة}
ونقتطف من ذات المرجع - ص 112 :
{وفي غمرة خلو الوظائف من شاغليها بأسباب الصالح العام أو الهجران ونشوء أخرى جديدة ، لم تطور الحركة الإسلامية ضوابطها ومعاييرها ومناهجها في الاختيار، فقد تواجدت عناصر المكاتب الخاصة تحرس بوابة مكاتب الاختيار والتوظيف، تدفع أحياناً بعناصرها غير المؤهلة إلى المواقع الأشهى وتصطفي من يرشّح من أعضاء الحركة أو تنصب أمامه ( فيتو) أمني يعطله }

(5)
لم تكن الجماعة وأفرادها ، لهم القدرة على تنفيذ المهام الأمنية المتقدمة. فزادهم من الفكر قليل، وكفاتهم متواضعة لا تتفهم الدور الأمني والمخابراتي الأكثر تعقيداً. كانوا يتقنون الطاعة العمياء ، وزادهم في التربية الأخلاقية قليل. وفتحت السلطة شهيتهم للغنى السريع، وقد كانوا يحملون فتوى أن الدولة آلة جاهلية، ومالها حلال!. وتغيرت أحوالهم بعد أن ساهم التنظيم في تركهم ، مع الحرية غير المحدودة في الاستقلال في الوحدات والمؤسسات التي ورثوها.
*
كشف الأمين العام للتنظيم أن جهاز الأمن الخاص بالتنظيم، كان بقاؤه لازم رغم تكون السلطة الجديدة، بجهاز أمنها، الذي تم تدريب رجاله في إيران، في تدريب أمني مكثف، وهو ذات التوجه الذي قام به مؤسس حركة الإخوان المسلمين في مصر ( حسن البنا) حين قابل آية الله الخميني عام 1938 في مصر في مسعى لتقريب أهل القبلة ( التقريب بين السنة والشيعة)، كما ذكر الكاتب " ثروت الخرباوي" في سِفره ( أئمة الشر). وهو يكشف طبيعة التركيبة الأمنية لتنظيم الإخوان المسلمين. وفي ذات الوقت يكشف كيف قاد النظام الأمني الانقلاب العسكري الذي تم في 30 يونيو 1989، وظل قائداً للسلطة في تجليات تغيرها، حتى أصبح النظام الأمني هو الممسك بالسلطة الحقيقية.

عبدالله الشقليني
25 مارس 2019
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.