Islamization in Sudan: A Critical Assessment
Carolyn Fluehr - Lobban كارولاين فلور - لوبان
ترجمة بدر الدين حامد الهاشمي
مقدمة: هذه ترجمة لمقتطفات متفرقة من فصل بعنوان "الأسلمة في السودان: تقويم نقدي" للبروفسيورة الأمريكية كارولاين فلور – لوبان، جاء في كتاب صدر من "دار نشر جامعة إنديانا" عام 1991م بعنوان: "السودان: الدولة والمجتمع في أزمةSudan: State and Society in Crisis “، من تحرير البروفيسور الأميركي جون فول.
وعمل محرر الكتاب (جون فول) أستاذا للتاريخ الإسلامي في جامعة جورج تاون بواشنطن ونائبا لمدير معهد الأمير طلال بن الوليد للتفاهم المسيحي – الإسلامي بالجامعة نفسها. وكان بحثه لنيل درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد عن طائفة الختمية بالسودان، وألف وحرر خلال أكثر من أربعين عاما عددا كبيرا من الكتب والمقالات (منفردا أو بالاشتراك) في مختلف موضوعات عن العالم الإسلامي المعاصر وتاريخه.
أما كاتبة الفصل (كارولاين فلور - لوبان) فهي أستاذة فخرية لمادة الأنثروبولوجي في كلية رود ايلاند الأمريكية. وهي أيضا مختصة بالشأن السوداني (حيث شاركت في تأليف قاموس تاريخي عن السودان، ونشرت عددا من الكتب والمقالات عن قوانين الشريعة الإسلامية وتطبيقاتها فيه. وذكرها عبد الله علي إبراهيم فيمن ذكر من أنه نهل أكثر علمه من مصادر عديدة منها كتاب لها صدر عام 1987م، وذلك في مقدمة كتابه "الشريعة والحداثة".
المترجم
**** **** ****
يعد السودان أكثر الأمثلة وضوحا وإثارة للجدل عند الحديث عن الأسلمة المدعومة من قبل الدولة في العصر الحديث. وقد يعزى السبب في ذلك لجاهزية وسرعة الحكومة في تطبيق عقوبات الحدود عقب إعلان العمل بالشريعة في سبتمبر من عام 1983م. ويجب التفريق هنا بين "الأسلمة" التي تستخدم جهاز الدولة القهري وبين العملية الثقافية – الاجتماعية التي تمخضت في الماضي عن الدخول في الإسلام، والتي كانت جزءً مهما في تاريخ السودان عبر القرون الخمس الماضية.
وتناول كثير من الكتاب السياق السياسي الذي جاءت فيه تلك الأسلمة، بينما بحث البعض الآخر الجوانب القانونية المترتبة على ذلك الحدث الدراماتيكي عظيم التأثير. غير أن رأي الجنوبيين في السودان حول الأسلمة لم يحظ باهتمام يذكر من قبل الباحثين. وجعل احتدام الصراع السياسي بين الشمال والجنوب أمر الحوار في هذه المسألة نادر الحدوث وانفعاليا لدرجة كبيرة.
**** **** **** ****
أسس القرن التاسع عشر: تجارة الرقيق والعرب والاسلام:
كان البريطانيون قد أصدروا قانونا بمنع تجارة الرقيق في عام 1833م. غير أن الحكم التركي – المصري في السودان ظل يصدر سنويا لخارج البلاد نحو 20000 مسترقا سودانيا (من غير المسلمين في جنوب وغرب سنار، ومن بحر الغزال ودارفور).
جاء الأوربيون والعثمانيون والعرب من المصريين والسوريين للجنوب كتجار للعاج، وصاحب تلك التجارة استرقاق الجنوبيين لجمع وحمل وشحن العاج. في حملات (سميت غزوات) لاصطياد غير المسلمين في جنوب وغرب سنار قبل عام 1860م، وفي بحر الغزال ودارفور بعد عام 1865م. وكانت حملات اصطياد الرقيق تتم بعون من رجال بعض قبائل الشمال مثل الدناقلة والشايقية (الجلابة). وكانت المواشي المنهوبة والمسترقون يستخدمان بالإضافة لما ذكر كـ "عملة" يدفع بها لتجار العاج. وخلق كل ذلك عداوة عرقية وانهيارا مجتمعيا تاما في منتصف القرن التاسع عشر خاصة بعد أن أصبح "أمراء تجارة الرقيق" من الشماليين يمارسون تلك التجارة بأنفسهم، وصارت لهم قوة ونفوذ عظيمين، لدرجة أن الخديوي عين أحدهم مديرا لمديرية في عام 1873م (المقصود هو الزبير رحمة، الذي عاش بين عامي 1830 – 1913م).
كانت تلك "الغزوات" هي وسيلة الاتصال / الاحتكاك الوحيد بين الجنوبيين (غير المسلمين) والأجانب، وكان ذلك اتصالا مرعبا ومُرْهِبا، وكان يتم لأسباب تجارية وعسكرية أيضا من أجل الاسترقاق العسكري في الجيش التركي المصري، وللعمالة المنزلية المجانية في مصر والإمبراطورية العثمانية والجزيرة العربية.
ومع نمو المصالح الاقتصادية بالسودان (المعتبر امتدادا لمصر) تنامت المشاعر المعادية لتجارة الرقيق في بريطانيا، مما خلق تناقضا بين المصالح التجارية القانونية، وبين النشاطات التي قد تعضد من تجارة الرقيق المدانة. وتم الخروج من ذلك التناقض، على الأقل جزئيا، بجهود حثيثة لربط تجارة الرقيق بالإسلام والمسلمين. وظهرت الكتب والمقالات في بريطانيا لبث تلك الرؤية. فهنالك من كتب أن "المحمدية تعطي حماية وسندا دينيا لتجارة الرقيق، بل وتأمر به كأحد طرق إدخال الوثنيين في الإسلام". بينما أكد آخر أن "فكرة العبودية متأصلة في الدين والنظام الاجتماعي في المحمدية، ومتجانسة روحيا وطبعا مع الأمم المحمدية". وتبنت الجمعية المناهضة للرق الرأي القائل بأن الإسلام هو القوة المركزية التي تقف خلف تجارة الرقيق. ووافق تماما ذلك بالطبع هوى الحملة المسيحية الهادفة لتثبيط تجارة الرقيق في السودان.
واليوم تعد كلمة "المحمديون" كلمة مسيئة للمسلمين، وخطأ أساسيا في فهم وتفسير الاسلام ودور رسوله. ولا شك بأن الربط بين الرق والإسلام أمر خاطئ ومُسيء أيضا. فقد ظهر الإسلام في مجتمع عربي كان الرق يمارس فيه كمؤسسة راسخة القدم. وكان الإسلام يحض على العتق كأحد وسائل التقوى والتقرب لله. وليس في القرآن أو السنة أي تأييد أو حض على الاسترقاق. بينما كانت حملات اصطياد الرقيق التي كانت تتم في العهد التركي – المصري تسمى "غزوات"، مما يعطي الانطباع أنها كانت حملات عسكرية تشن باسم الإسلام ضد الكفار.
وكان الرق ممارسا في سنوات القرن التاسع عشر في شمال وشرق أفريقيا، وفي أثيوبيا المسيحية، وفي الجنوب "الوثني". وكانت أوروبا قد خرجت لتوها من أربعة قرون من الرق والاتجار فيه (خاصة تلك التي كانت تتم عبر المحيط الأطلسي). ولاحقا وجد الكتاب الأوربيون في المنطقة وفي ثقافة الإسلام كبش فداء مناسب ومُلاَئِم يلقى عليه اللوم في استمرار الرق والاتجار فيه.
وخلق الافتراض بأن الإسلام وافق وأقر الرق (وهو افتراض لم يجد من يفنده) ايديلوجية سوغت توسيع المصالح البريطانية في السودان، خاصة السيطرة على مياه نيله، وصنعت جوا ومزاجا لحملة صليبية لتحرير المنطقة خلال سنوات انتفاضات المهدية التي خاضت حروبا داخل خارج حدودها بدعوى "الجهاد".
ولد كل ذلك التاريخ في القرن التاسع عشر (وبعده) عند كثير من مثقفي الجنوب ومفكريه شعورا بالكره والمرارة والخوف والحذر من العرب والمسلمين. وبقيت مثل تلك النظرة في عقول غالب الجنوبيين. فقد كتب اولفر البينو في كتاب له صدر في عام 1970م بأن هنالك "شعورا متأصلا بعدم الحب والنفور والضيق في قلب كل جنوبي من المندكورو (الجلابة)". بينما وصف فرانسيس دينق في كتاب له صدر في عام 1986م سنوات حكم الخليفة عبد الله الثلاثة عشر بأنها "السنوات التي فسد فيها العالم". (ذكر روبرت كولنز في مقاله عن "تاريخ الرق في السودان" أن مشاغل الخليفة (ومصاعبه) في تركيز سلطته الداخلية، ومع جيرانه، قد ساعدت على خمود الحملات المنظمة لجلب الرقيق من جنوب السودان، لدرجة أن بعض المؤرخين عد سنوات حكم المهدية "أعواما سعيدة" بالنسبة لسكان جنوب السودان. المترجم).
***** ***** *****
التطهير (التجديد) الإسلامي والوطنية السودانية الباكرة
ظهرت حركة التجديد العيساوية (messianism) الإسلامية بقوة في القرن التاسع عشر في أفريقيا السودانوية (Sudanic)، وقوى تراث الحج من تلك الظاهرة. وكانت حركات التجديد الإسلامي تلك نتاجا منطقيا للحركات والانتفاضات التي قامت بسبب الأوضاع الاقتصادية أو السياسية في القرن الماضي بالسودان (وبعض أجزاء العالم الإسلامي). وكان أول زعيم اشتهر في السودان بالقيام بحركة تجديد إسلامي هو محمد أحمد (المهدي) الذي يعرفه بعض أنصاره بأنه "أبو الاستقلال" لتجميعه وتوحيده لكثير من قبائل الشمال، ولطرده للحكام الأجانب، وتكوينه لأول حكومة وحدة وطنية، مركزها في عاصمة وطنية (أم درمان) ولها عملتها الخاصة وأجهزتها العدلية والسياسية. وأقيمت تلك الدولة على نمط إسلامي تقليدي يحاكي ما أقيم في عهد الإسلام الأول.
ويقول بعض المؤرخين بأن سبب الثورة المهدية هو سوء معاملة الحكم التركي – المصري للشعب، وبداية صحوة الحس الوطني بالسودان. غير أن لبعض المفكرين آراء تزعم بأن للأمر علاقة بالتوترات الداخلية التي حدثت في المجتمعات الإسلامية، والتي تداخلت مع عوامل ومصالح ومطامع خارجية في الحكم. فعلي سبيل المثال عزا المؤرخان هولت ودالي سقوط الحكم التركي – المصري في السودان لضعف قبضة الإمبراطورية (العثمانية) المتواصل والمتدرج على الحكم بالسودان بسبب عزل الخديوي إسماعيل من الحكم عام 1879م، واحتلال بريطانيا لمصر عام 1882م. ووصف جبرائيل واربورج بعض الخلافات والتوترات التي حدثت في إسلام القرن التاسع عشر بالسودان، والذي أكسب المهدية دورا له طابع ثنائي: دور تجديد الإسلام وتنقيته، ودور التعبئة السياسية الوطنية.
وكانت عملية الأسلمة الثقافية الاجتماعية بالسودان في القرن التاسع عشر في قرنها الرابع بالسودان، وكانت الطرق الصوفية (الشعبوية) تؤدي فيها الدور الأكبر في نشر الإسلام. وشكل قيام دولة الحكم التركي – المصري عقبة وتحد كبير أمام الطرق الصوفية (التي كانت تتصف باللامركزية والمساواة بين الناس) وذلك بفرض حكم أجنبي من نوع مختلف، وإنشاء لمحاكم شرعية رسمية يقوم عليها قضاة مصريون، والبدء في تعليم مدني غير مألوف بالبلاد. وكان محمد علي باشا يتوقع أن يتصادم الإسلام المدعوم من دولته، مع الإسلام الشعبوي الذي كان سائدا في السودان. لذا أوفد مع جيشه الغازي في 1821م ثلاثة من العلماء لإقناع السودانيين المسلمين بأن دخول ذلك الجيش لبلادهم هو عمل قانوني لحكومة تمثل كافة العالم الإسلام، وتقره الشريعة الإسلامية. وبدأت الحكومة منذ العام التالي في إيفاد عدد من طلاب العلم الشرعي للأزهر في محاولة لتثبيط الأثر الصوفي في السودان، وتحجيم قادته بالبلاد. ولذا شن المهدي منذ بداية حركته حملة قوية على رجال العلماء الذين أنكروا دعوته، وساقوا الأدلة والبراهين الشرعية على بطلانها. وانتهى الصراع بين الإسلام الشعبوي والإسلام المدعوم من الدولة بانتصار المهدية – وكان ذلك تعبيرا لخص كل المشاعر الدينية التجديدية الشعبوية للمسلمين في السودان.
لقد كانت دولة المهدية بلا شك هي أول دولة إسلامية (حقيقية) مناهضة للإمبريالية في أفريقيا، وهي بذلك الوصف تعد دولة رائدة في هذا الجانب. وكتب الأجانب والسودانيين الكثير عن جوانب نجاحات واخفاقات تلك الدولة المستقلة (التي قامت بين عامي 1885 و1898م). غير أن محاولة الدولة المهدية أسلمة جنوب السودان قهرا ظلت نقطة سوداء في عقول وقلوب الجنوبيين، وتركت مرارة وغضبا ظلت آثاره باقية حتى في عهود ما بعد الاستقلال، خاصة وأن رجال بعض القبائل الجنوبية (غير المسلمة) كانوا قد حاربوا مع قوات المهدي لطرد الحكم التركي – المصري من الجنوب. غير أن أثر الدولة المهدية في الشمال بعد الاستقلال كان على عكس ما كان بجنوب البلاد، حيث أنتخب الصادق المهدي (أحد أحفاد المهدي) مرتين كرئيس للوزراء (1967 – 1969م، 1986 – 1989م).
لا شك بأن للأسلمة بالسودان، بكل ما تحمله من أبعاد سياسية ظاهرة، جذورا تاريخية في السودان وفي بقية دول أفريقيا أيضا. وشكل إطار التضامن الإسلامي في القرن التاسع عشر حصنا منيعا ضد دخول غير المسلمين فيه – وتلك رسالة لها مَعَانٍ متجددة وأهمية وعلاقة بما يجري في أيامنا المعاصرة هذه.
**** **** ****
الخلاصة
لا تخلو عمليات الاستقطاب (السياسي والديني) من مفارقات. فعقب نيل السودان لاستقلاله كانت حركة المقاومة الجنوبية (أنانيا) تحارب من أجل فصل الجنوب عن الشمال. بينما تحارب الحركة الشعبية الآن (وقت كتابة المقال في بداية التسعينيات. المترجم) من أجل إقامة دولة واحدة ديمقراطية وعلمانية. وفي الجانب الآخر يؤمن الإسلاميون بـ "دولة سودانية إسلامية موحدة"، ويؤمنون بأنه من الخير إن لم تتحقق رؤيتهم لتلك الدولة أن ينفصل جنوب السودان عن شماله. ويؤمن النظام الحالي (الذي تدعمه الجبهة القومية الإسلامية) بأنه لا تنازل عن الشريعة والأسلمة.
لا شك أن عدم الثقة المتبادلة بين الشماليين والجنوبيين لها ميراث وتاريخ يمتد لأكثر من 150 سنة (أي منذ الحكم الاستعماري المصري – التركي، والانجليزي – المصري، وإلى ما بعد عهود الاستقلال). وربما يكون "جلابة الشمال" قد قاموا باستغلال الجنوبيين في علاقة داخلية تشبه الاستعمار. إلا أن هؤلاء الشماليين أنفسهم قد هزموا على يد قوات أجنبية تعد غير مسلمة (مثل البريطانيين) أو خائنة للإسلام، بحسب النظرة المهدوية (مثل المصريين والأتراك). وفي كلتي الحالتين، كان الإسلام هو القوة التعبوية الأولى ضد العدو الأجنبي. أما الآن فـ "أعداء" الأسلمة هم بعض المواطنين السودانيين (جنوبيين وشماليين علمانيين)، وتلك حالة معقدة بأكثر مما كان حادثا في الماضي.
لا بد أن السعي لتحقيق الأجندة الإسلامية في السودان ظل، وسيظل، مواجها بمقاومة عنيفة، وسيغدو – في النهاية - غير متوافق مع مبدأ الحفاظ على الوحدة الوطنية. وتعترف بهذه الحقيقة تقريبا كل القوى السياسية الرئيسة بالبلاد عدا الجبهة القومية الإسلامية. وتم التعبير عن ذلك في اتفاق وقع في كوكدام بإثيوبيا في 24/ 3/ 1986م، وفي ميثاق التحالف الوطني الديمقراطي الموقع عام 1989م، وفي اتفاق مشترك وقع في القاهرة في مارس من عام 1990م.
لقد سعى الحكم (الحالي) في السوداني لتحقيق الأجندة الإسلامية بأكثر مما فعلت غالب الدول الإسلامية، خاصة في مجالات أسلمة القوانين وتطبيق عقوبات الحدود الشرعية. غير أن السودان يختلف عن غيره من الدول الإسلامية نسبة لوجود أعداد كبيرة من الأقليات غير المسلمة به، وتاريخ طويل وسنوات عديدة من الحروب الأهلية. ورغم ذلك فهو يشارك إقليميا وعالميا في ظاهرة "الصحوة الإسلامية".
لا بد للأكاديميين والمهتمين بالشأن السياسي على وجه العموم من إجراء المزيد من الأبحاث والنقد والتمحيص في مسألة الأسلمة بالسودان، وما يتفرع منها من دارسات حول حقوق الأقليات غير المسلمة في دولة يدين غالب سكانها بالإسلام، وحول مستقبل بناء الأمة في ظل حكم إسلامي لشعب متعدد الديانات.



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.