العنوان الكامل هو نفحات الدرت .... بين وطن يتردى وغربة تتبدى ..... المولف الدكتور الوليد آدم مادبو . العنوان يكشف مقدرة الكاتب في تطويع الكلمات والامساك بعنان الابداع . هذا الكتاب بكل بساطة مدهش ... مدهش . انه نوع من الكتابة جديد في المكتبة السودانية . انه خليط من الشعر، النثر ، الحكمة ،التراث والامتاع. تظهر شخصية الدكتور الوليد والجزء الذي يفتخر به ، البقاري البسيط .ولكن تظهر فيه لمسات وفكر العالم الدارس ومن خبر الجامعات وعاش في وسط العظيم من الحضارات بدون ان يفقد موضع قدمه في بادية الرزيقات .

اعتراضي الاول على اسم وعنوان الكتاب يالرغم من الموسيقى الجميلة و كلمة الدرت . الدرت لا دخل له بالنفحات انهما ضدان . سمعنا بالنفحات الالهية ، النفحات الربانية او نفحات الروح الخ كان من الممكن الكلام عن نفحات الدعاش وهي الامطار في بداية الخريف . والتي تلطف الجو وتذهب بهجير مايو . واول منازل المطر هى الضراع والنترة ثم الطرفة الجبهة الخرسان ، نهاية المنازل هي العوا والسماك عندما يقول الناس في سبتمير .... يا مطر كفاك ويا سما امسكي ماك والمنزل اسبوعان . هذا لكي تتيح فرصة للدرت وهو الحر الشديد ،الرمضاء والسموم لكي ينضج العيش . ولقد اصبت مرتين بحرارة البول مثل الكثيرين في المشاريع الزراعية والبلدات ومزارع العجور والبطيخ في الاراضي الرملية . بسبب الحر والرمضاء في ايام الدرت .
هذا الكتاب ليس من المفروض قرائته بل دراسته , انه مأدبة كاملة تشمل الخفيف من الطعام في شكل ملح ، والدسم والمفيد من الطعام في شكل تجارب وحكم .هنالك ابداع ونوع من الشعر باسلوب مختلف وتطويع راقي للكلمات .
قبل اسابيع كان الكتاب بجانب السرير وبالرغم من ضيق الوقت وقصر الزيارة ، قام الشاعر الكبير ازهري بتصفح الكتاب وقال لى وفي العينين دهشة .... ده كتاب عظيم . الشاعر الانسان محجوب شريف الذي اطالع صورته يوميا وهو يحتضن ابنته مريم وهى في شهورها الاولى ، قال لى عدة مرات .. ازهري اعظم شاعر سوداني . واعجاب ازهري بهذا الكتاب شهادته لا تدانيها شهادة .
في محادثاتي مع الدكتور وليد ، ذكر لى انه تطرق لشمال السودان وشرق السودان وغرب السودان بطريقة خاصة فهذا مسقط رأسه . فذكرته بجنوب السودان . فحكي لي عن علاقاته بالدينكا وتقاربه معهم بسبب الجوار ، وانا قد لا اعرف هذه الحقيقة . فذكرته ان الدينكا لا تربطني بهم علاقة قوية فقط ولكنهم اهلي . وكما يحمل والدي اسم ماريل يحمل ابنائي اسماء مثل جاك منوا بيج وفقوق نقور الخ . فقال لي طبعا هذه ليست ألأسماء الرسمية . ولقد اندهش الاديب وليد عندما قلت له انها الاسماء في اوراقهم الثبوتية . وانا اذكر دكتور وليد بمذابح الدينكا في عقر دارهم . وهو كمفكر واديب يشهد له هذا الكتاب ومواضيعه المميزة في الاسافير ، عليه معالجة هذه القضية لأن من كانوا على رأس الحكومة لم يعتذروا الى اليوم لاهلنا الدينكا . وعلى مثقفي وخيار الرزيقات التواصل مع جيرانهم والدينكا من اعظم الناس ، اهلنا الدينكا يستحقون الاعتذار عن مذابح الضعين . ورجل بهذه المقدرة من التفكير والاطلاع يجب ان يساعد في تغيير افكار اهله . فمذبحة الضعين التي وثق لها الابطال عشاري وبلدو ، لم يجد الضحايا العدل ولم يجد المجرمون العقاب . وسجن عشاري وصودر جوازه واهين . وارسل الصادق الفاتح سليمان مدير دائرة المهدي لعشاري لكي يهدد ويرغب . والنتيجة مذبحة الجبلين التي فقد مئات الشلك حياتهم في مذبحة لا دخل لهم بها . ولم يجدد المجرمون العقاب . انه دور الشباب المفكرين والادباء امثال دكتور وليد في حمل هذه الرسالة .
العم ابراهيم موسى مادبو كان حكيما يصيغ الكلمات ويطلق الامثال مثل اهل دارفور . فالحكمة دارفورية . كان والدي رحمة الله عليه في بداية الخمسينات يستقبل الكثير من الزوار في منزلنا اثناء تكوين الحزب الجمهوري الاشتراكي وقبل الانتخابات للحكومة الانتقالية . وكنا نشاهد الكثير من زعماء الهامش منهم العم الرجل الحكيم ابراهيم موسى مادبو الذي قال لصديقه الاداري البريطاني بيلفور بعد ان قال له البريطاني في الاربعينات .....سنترك الحكم والسودان في ظرف عشرة سنوات وستحكمون انفسكم . قال العم مادبو حكمته التي سارت بها الركبان .... نان ما ركبتونا لوري لانور لا فرامل لا بوري . وهذا حالنا اليوم بعد اكثر من سبعين سنة !!!! صورة وكلمات العم مادبو الذي كان والدي يصر على مقابلتنا له دائما في ذاكرتى . وربما لأن شقيقة توأم روحه الشاعر توفيق صالح جبريل هى والدة عقيل احمد عقيل وتسكن الضعين . لانزال نحس دائما ان آل مادبو الذين تعرضوا للظلم عند قتل زعيمهم العجيل الجانقاوي في الابيض بواسطة المهدي ، والبطل المغوار وهازم الباشا سلاطين في معركة او ورقة مادبو الذي قتله حمدان ابوعنجة في حكم الخليفة التعليشي ، من اهلنا . وتربطهم علاقة متينة مع آل بدري .
النفحات تتطرق لميادين يتجنبها السودانيون مثل الحب والجنس ، ولكن بدون ابتذال وتجارة بالموضوع . الكتاب من القطع الصغير من 317 صفحة . صدر من مركزعبد الكريم ميرغني . الغلاف الصفحات والطباعة على مستوى عالمي وهو خال من الغلطات المطبعية على عكس اغلب الكتب التي تطبع بواسطة السودانيين . التبويب والعرض جد جميل ، تتخلل الكتاب لوحات رائعة ومعبرة . انه اخراج مشرف .
لسوء الحظ ان المركز قد توقف من الطباعة واثراء المكتبة السودانية . السبب كعادة منطقتنا ان كل شئ يقوم حول شخصية قوية تتكفل بكل شئ . وتنهار الدولة ، الشركة ،النظارة والمركز عند موت الزعيم . وهذا ما حدث عند انتقال الدكتور الاديب المترجم محمود صال عثمان صالح طيب الله ثراه .
فلندع الكتاب يتحدث فان بين ظهرانينا الاديب الذي انتظرناه . المشكلة انه يصعب الاختيار من كل هذا الابداع . فالزهور والورود متشابهة في هذا البستان . مثل هذا الكتاب لا يضجر منه الانسان ، يمكن قراءته واعادة القراءة . وهو انيس رائع في رحلة طويلة . انه احد الكتب التي يمكن ان نفاخر بها الآخرين .
اقتباس
زعم أحد الناشطين أن البنية الثقافية العميقة أفرزت «منظومة دينية سلفية شمولية كاملة»، هي إحدى أكبر بلاوي الأمة السودانية كآفة.
هل هي السلفية أم عاطفة الشعوب البدائية؟
متي تكف النخب عن التأكيد على محنتها الشخصية
والتصميم على جعلها محنة للوطن؟

(11)

يمقت الفقراء الأغنياء ويشتهون ثرواتهم.
هل يختلف ذلك عن قولهم
«يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون»؟
أيهم أولى بالادخار حظ قارون أم زهد بن عمه؟

(12)

الشخصية السودانية معلولة.
فيما يحتل الجنس محوراً في نرجسيتها،
يبقى العقل معطلاً بما نزل من محلول.
هل يختلف هذا القول عما أدعته الصحفية فاطمة شاش وفيما ذهبت إليه من تعميم؟


(13)

تباهى أحدهم بشراء قصرٍ بضاحية كافوري.
وتناسى أن من جاء ممثلاً لقضيتهم
يقطنون معسكرات
ويلتحف غالبيتهم السماء.
لا أخالهم، هؤلاء البؤساء (الفقراء إلى الله)،
قد تركوا الدعاء.

احتفاء دارفور بمثقفيها مُحيّر،
تباهي المركز بجلاديه مُعَبّر!

(14)

نزلتُ على أهل قرية فأبوا أنْ يضيفونني، فقلتُ للغلام أعنّيِ على بناءِ الجدارْ.
وأسررتُ
«مَن أرادَ اللهُ خلاصه حرمَهُ الأجرَ وأنذرَهُ الكفاء»
«مَن لم يُحسن الرفادةَ فليحسنْ الإخاءَ»
(15)

«وطنٌ يَغيبُ عنهُ الكَلِيمُ
ويقطنُه اللئيمُ»
ما أغربَهُ من نغمٍ وما أعجزَهُ من شَجَنْ.
هي إرادةُ اللهِ في قومٍ كادَ أن يعمّهم العارضُ
وكادتْ أنْ ترحلَ عنهم العنايةُ.

(16)

يغضبُ الوالدُ أو يَرضَى فيُحابي في الشرعة ويندبُ نفسَهُ للهلاك.
لا أعلمُ عن ميراث أغنى قوماً ولا عن يمينٍ غموسٍ ساقتْ صَاحبَها إلى البِرّ.


فِراراً من قدرِ اللهِ إلى ساحةِ الأملْ،
واستنظاراً لرحمتِهِ مِن بئرِ الحَنق.


(21)

الكمالان تكاملا الشينة.
أخطأ الأول إذ عمم الخاص،
وأخطاء الآخر إذ تنبر بما لا يجوز أن يكرر.
فلا الشيوعية عادت ثورة حقيقية
ولا اليمين بمقدوره أن يعترف بالحقيقة:
كل ما عملوا له هو عبارة عن وهم،
يشمل ذلك الخلافة.
فالخليفة هو العقل، على مذهب
شيخنا المعري.

(22)

التقيت بصوفي لم يقرأ للتوحيدي،
وسوري لم يقرأ لأدونيس،
وعراقي لم يقرأ لنازك الملائكة،
وسوداني لم يقرأ للمجذوب.
غربتي لا تضاهيها غربة.


(23)

دخلت الجمعة فوجدت الخطيب يتكلم عن سارتر، وهوغو وابن خلدون.
وقد كان حرىّ به أن يتواضع في حضرة من أعطى جوامع الكلام،
محمَد «صلي الله عليه وسلم» الذي قال:
حدثوا الناس بما تعي عقولهم، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟
في الخرطوم مدرسة للتنوير يقودها وعاظ. كلامهم خلط، وحديثهم خبط.
لولا خشيتهم التهم
لقالوا كلاماً يُعلي الهمم،
لكنهم قومٌ يعدلون.
(24)

عندما كُناّ مُتكافلين كُنّا لا نَشبعُ،
عِندمَا سَاء الطبعُ بلغنا من الوجع مَبْلغاً.
فَقَدتْ الأشياءُ مَذَاقَها
ولَمْ يَبقْ إلا أنيسُ الليلِ،
فَهوَ وَحده الذي لَا يُحَابِي
ويَقبلُ عِندَ الفجرِ صَابِي.
الخَفَاءُ درءُ للرِيَاءِ ومَجْلَبةٌ للحَفَاءِ!
لِمَاذَا لا تُغلقُ مُكبّراتُ الصّوتِ عِند الصّلاةِ؟

(25)

ابنُ الثّمانِينَ فِي المَاخُور يُبَاهِي بِعَجْزِه
وابنُ الأربعينَ يَتَسكَعُ فِي الطُرُقَاتِ إهْدَاراً لوقته.
لا يُبَالِي المرءُ فِي هَذَا الزّمَانِ بِضَعفِ العُمرِ أو تَضْعيفِهِ.
هِي كَارِثةٌ بل هِي إحدى الكُبر
لِمَن شَاءَ مِنَا أنْ يَتقدّمَ أو يَتَأخّرَ.
(26)

الأشقياء لا يموتون
أو لعلنا لا نفتقدهم.
الجثامين تأتي تباعاً في الطائرات.
يموت الناس غبناً بعد أن هرعوا من بلد تزرع فيه الدسيسة ويحصد فيه الهلاك.
نظر أحدهم إلى موطن قبر فأيقن باستحالة سعته للصندوق،
فقال لهم احجزوا هذا لي
وأحفروا غيره للسابق.
لم تمهله العاديات فمات الأمين،
الشاب المهذب، النبيه،
والوديع بعدها بشهرين.
هل الفال تحت اللسان
كما تقول ربات الخدور
أم أن كره «الكيزان» أعمى صاحب المقال؟



(28)

مات أخٌ لي ولها
فبكيته بكاءً مراً، وأبكيت.
ذكرتني أختي بالاستغفار وقالت لي بلغة أهل البلد «الدنيا ماها جنة يا أبو النعمان».
استدركت، لكنني قلت لها وقد عييت
«دعيني يا (أم جِزم) فقد مزقت الغربة فؤادي وأفقدتني حبي من أصحابي.»
عقبت: تعمل شنو يا أخوي دا حال الدنيا!

(29)

ود المدير آنسني بحسه الإنساني
وبداهته الأمدرمانية.
لا تنس طرفته المجراة على السجية.
رب أخٍ لك لم تلده أمك.
إذا حِدَّت عن الحق صوّبك
وإذا غرّك «هنبريب*» الزمان وعظك
وإذا آليت على نفسك رسّاك وعقّلك.
قال لي «لا رجعة إلى تلك البلاد»
قلت له «بل رجعة وألف رجعة،
فهناك العقب، والمؤنس والعشير»
(30)

أيس الناس من صلاح الحال فذكرهم الواعظ
وأنبأهم أن الدول من الدوال
ودوام الحال من المحال.
ما كان لنا أن نصل بمعتقدات
مثل الطائفية، المركزية، الايدولوجية، والعنصرية إلى نهاياتها وخلاصتها غير المنطقية
دون أن نلج في هذا المخاض إلى حد الساق، والعبرة بالمآل.
بيد أن من ارتكب الجنية
يجب أن لا يعهد إليه بالوصية!

حد التعدد عند الفلاسفة

(1)

عَشِيقَتِي حَوْرَاء
لَها خَصْلَةٌ سَوْدَاءٌ
فِي رُدْهَةٍ مِن الحَيَاءِ.
مَتَى مَا الْتَقيْتُهَا تَأمّلتَ ثَوْبَهَا
فَإِذَا هُوَ قِطْعَةٌ مِنْ جُدْرَانِ فُؤَادِي.

(2)

جَلْستُ وإيّاهَا عَلَى سَطْحِ الجَبَلِ
أَشَارتْ إِلى نَاحِيةِ المَدِينَةِ وَقَدْ تَلَأْلَأتْ أنْوَارُهَا جلالاً وبهاءً
اسْتِحْضَاراً لِهَيْبَةٍ مِن أَمْرٍ.
وَقَالَتْ:
هَل تَرَى مَقَامَ ابْنِ الفَارِضِ؟
قُلْتُ: لاَ أكَادُ أَتَبيْنَهُ مِن هَاهُنَا
قَالتْ:
إِذْنَ حَالتِ الأَحْوَالُ بَيْنَنَا،
أنت فِي سَاحَةِ المُقَطّمِ تَلْهُو
وَأَنَا فِي حَضْرَةِ العَاشِقِ أَشْدُو.

(3)

يَجْهَلُ مَنْ يَظُنُ أَنْ النّسَاءَ غَافِلَاتٌ،
يَشْتَطُ مَنْ يَحْسَبهُنَ مَاجِنَاتٍ.
مَا بَيْنَ الغَفْلَةِ وَالمُجُونِ
مِسَاحَةٌ مِن الظّنُونِ.

(4)

لَا تَكَادُ تَبْلُغُ إِحْدَاهُنَ الأربعينَ
حَتّى تُدَاهِمُهَا خُيولُ الشَهْوَةِ،
تَجْأرُ، تَسْتَغِيثُ،
تَتَمنّى الرّجُوعَ إِلى حِصْنِ التَقْلِيدِ؛
لَكِن هَيْهَات
فَقَدْ ادْلهَمّ الخَطَرُ وَزَاغَ البَصَرُ.

اسْتَنظَرَت فاسْتَمْطَرتْ رحمةٌ مِن السَمَاءِ، سَعِدَت إذْ رَأتْ للفِكْرِ ضِيَاء،
تَنَهّدَتْ إِذْ أَحَسَتْ للرُوحِ صَفَاء.

(5)

مَسْكِن لِهَذِه، كَنْتِك لتلك، تلهف لسِلِك، مَسْفِر، شَفِر، أفعل ما شئت، فَلَا شيء
يَعدِلُ صُحْبةَ الأمِينَةِ!
ما ادّخَرَ جهدُ إِلّا انْفَسَحَتْ بِمُوجِبِه
وَعَنْ رَهْبَتِهِ قَرِينَه.
حَد التَعَدّدِ عِنْدَ الفُقَهَاءِ أَربعةٌ،
وعِنْدَ الفَلَاسِفَةِ تِسْعَةٌ!

(6)

صَدَاقَتْكَ لِقَرِينَتِكَ أَجَلّ مِن الحُبِّ وأَبْهَى،
حُبّكَ لِرفيقتِكَ عُنْوانٌ للصِدقِ وأَدْعَى.

(7)

الفِكْرَةُ كالشّهْوةِ
تُداهِمُكَ دُونَمَا أَدْنَى اعْتِنَاءٍ بالظّرْفِ
أَوْ تَكيّفٍ مَعَ الطّرْفِ.
مُحَاوَلَتُكَ للتّكيّفِ مَدْعَاةٌ للانصِرَافِ.
استجلى الأُولَى واستمرئ الثانية.

(8)

فِي انْتِظَارِ الصّولَةِ،
كَانتْ لَنَا فِي إنجمينا جَوْلَة
اِخْتَرَقَتْ فُؤَادِي نَظْرَةٌ
حَرَقَتْ أحْشَائِي فَزَرَة.
قُلتُ لِشيْخِي:
أَجْملُ نِساءِ الحِزَام المُهْرَيَات،
قَالَ لِي:
بَلِ القُرْعَانيَات.

لَعَلّهَا العَصَبِيّة قَدْ أَفْسَدَتْ كُلَ شَيءٍ،
حَتّى الذّوْق!

(9)

قَلّمَا يَتَجاوَرَانِ:
النّبَاهةُ والوَرَعُ.
لَوْ خُيّرتْ لاخْتِرْتُ أَنْ أَكُونَ رِيشةً فِي مَهَبّ الرّياحِ، حَتّى أَرْسَى عَلَى بَرٍّ
لَا يَهُولُنِي،
أَوْ أنيبُ تَحتَ مِيزَابٍ لَا أَطَالُهُ.



(11)

الثقافة هي أخلاق
والأخلاق هي التزام بقضايا الجماهير.
لا أدري كيف يجرؤ أن يتكلم عن الأخلاق،
وينشئ قناة يلعلع فيها على رؤوس الأشهاد،
من شيدوا بنوكاً لسرقة قوت المسكين
وكونوا مليشيات لحرق قراهم.

لو ديل عيال أم در
فالبلد قد جرى فيها النعام،
عووووووووووك.

(12)

كنت أجلس في دكان قريبي في سوق المحصول،
فكانت اللواري تأتي ليل نهار، محمَلة بالمحاصيل،
فيما ينشغل التجار بتدوين الكمبيالات،
حتى أن بعضهم يذهب للاعتناء بها في منزله، وذلك قبل مجيء الانقاذ!
جئت بعدها فإذا الساحة خالية.
استفسرت عن الأمر، فقالوا
إنّ «الإخوان» قد فتحوا الباب لاستيراد الزيوت من ماليزيا.
هكذا عمدوا إلى ضرب كبرياء الريف.
حمل الصبيان السلاح، وقالوا الموت أفضل!

(13)

بلغني أن المجتمعات قد انتقلت من الثورية إلى الحوارية،
وأنهم قد عقدوا منتدى في دافوس لتحقيق هذه الغاية
أغلب ظني أنها دعاية،
فإن جشع الغالب لا حد له
وابن آدم ما بملي جوفه إلا التراب.

(14)

في شجاره مع الإمبريالية العالمية
اعتمد القديس مانديلا أسلوب الدبلوماسية البديلة،
لكنه أبقى على قوته.
فرق بين القوة والعنف:
القوة قناعة فكرية وروحية بالقضية،
العنف هو محض إفلاس.

(15)

محتار في أمري،
لا أدري كيف تحتكر دول الشمال
رؤوس الأموال،
المعلومة،
التكنولوجيا، المؤسسات الدولية،
القنبلة النووية،
الممرات البحرية،
إلى آخره،
وتأتي بعد ذلك غاضبة، متنفجة ومتهمة،
بل مٌعَيِّرة دول الجنوب بالتخلف؟
يا هوووووي:
ما لم تراجع بنية الاقتصاد العالمي
وتعاد هيكلته،
فإن الشواطئ الأوروبية ستظل ممتلئة بالجاثمين والغرقى من المهاجرين.
يا لها من معرة
أن يغتني الأغنياء بفقر الفقراء.
(16)

الفقيه والفيلسوف تشاجرا بداخلي
فانتصر الأخير وازدهى قائلاً:

الحياة أزكى من أن تحشر في قالب
والكون أرحب من أن تحتويه المشارب.
نهاية اقتباس

الم اقل لكم انه ابداع . ولكن في بعض الاحيان يا سادتى لا نقدر بعضنا البعض . بعضنا لا يهتم والبعض يأكله الحسد . وهنالك من تبلد منه الاحساس . ولكن الاغلبية رائعة مثل السودان . بعض الآراء لا اوفق عليها ، ولكن الابداع هنا .
اقتباس

(17)

لا يَخشى الرَجُلُ عَلَى عِيالِهِ الفَاقَةَ
قدرَ ما يخشى عليهم من الإِعاقَةِ.
فَحُب التّراث يَعمِي مَن حَضَرْ
ونزوةُ الجهلِ تُغرِي مَن تَولّى وأدَبرْ.

فِراراً من قدرِ اللهِ إلى ساحةِ الأملْ،
واستنظاراً لرحمتِهِ مِن بئرِ الحَنق.

(18)

أغارت المعارضة على السنطة
«قرية في جنوب دارفور».
أيهم أولى بالاستهداف:
أفراد العصابة أم عصبة الفرادة؟
أيهم أولى بالاغتيال: المجرم أم الضحية؟

(19)

لم يكتف أحدهم عن استغلال الأحياء
فسعى إلى استثمار الأموات.
هيهات!
ما الذي فعله لذراري الأهالي الذين حصدتهم آلية العسكر؟
يا تري هل أدى القائد الملهم واجب العزاء في أخو الرضية، وقد تآمر على ابنه إذ أمر انصاره بعدم السماح للقائد البطل بإذاعة البيان، وقد احتلها، اي الإذاعة، بجدارة وجسارة.
لماذا لا يكف «حاج موت» عن فقع مرارة «حرق كبد» المواطنين، ائتمانا للحكمة:
فليسعف النطق إن لم يسعف الحال؟

(20)

خسر علي «بيلو» الرئاسة
لكنه ربح الدرجة الرابعة والثلاثين في تنظيم الماسونية العالمي
الدرجة الأعلى التي لم ينلها أي عربي أو إفريقي باستثناء الملك المضيع في باحة الصقيع.

(21)

الكمالان تكاملا الشينة.
أخطأ الأول إذ عمم الخاص،
وأخطاء الآخر إذ تنبر بما لا يجوز أن يكرر.
فلا الشيوعية عادت ثورة حقيقية
ولا اليمين بمقدوره أن يعترف بالحقيقة:
كل ما عملوا له هو عبارة عن وهم،
يشمل ذلك الخلافة.
فالخليفة هو العقل، على مذهب
شيخنا المعري.

(22)

التقيت بصوفي لم يقرأ للتوحيدي،
وسوري لم يقرأ لأدونيس،
وعراقي لم يقرأ لنازك الملائكة،
وسوداني لم يقرأ للمجذوب.
غربتي لا تضاهيها غربة.
أجاور خبيراً إذا تذمّر عيّرَ «بالتفلسف»
وإذا «تمنطق» مطّ الكلم دون أن يصل به إلى قرار.
يعتقد الأفندي أنه يمكن أن يبدع دون أن يقرأ الرواية،
بل يبتغى، عبثاً، الترقي في مراتب الفكر دون أن يفهم من الكتاب آية.
وهل خصب الخيال إلا بالسبح في الآفاق والمجال؟

(23)

دخلت الجمعة فوجدت الخطيب يتكلم عن سارتر، وهوغو وابن خلدون.
وقد كان حرىّ به أن يتواضع في حضرة من أعطى جوامع الكلام،
محمَد «صلي الله عليه وسلم» الذي قال:
حدثوا الناس بما تعي عقولهم، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟
في الخرطوم مدرسة للتنوير يقودها وعاظ. كلامهم خلط، وحديثهم خبط.
لولا خشيتهم التهم
لقالوا كلاماً يُعلي الهمم،
لكنهم قومٌ يعدلون.
(24)

عندما كُناّ مُتكافلين كُنّا لا نَشبعُ،
عِندمَا سَاء الطبعُ بلغنا من الوجع مَبْلغاً.
فَقَدتْ الأشياءُ مَذَاقَها
ولَمْ يَبقْ إلا أنيسُ الليلِ،
فَهوَ وَحده الذي لَا يُحَابِي
ويَقبلُ عِندَ الفجرِ صَابِي.
الخَفَاءُ درءُ للرِيَاءِ ومَجْلَبةٌ للحَفَاءِ!
لِمَاذَا لا تُغلقُ مُكبّراتُ الصّوتِ عِند الصّلاةِ؟

(25)

ابنُ الثّمانِينَ فِي المَاخُور يُبَاهِي بِعَجْزِه
وابنُ الأربعينَ يَتَسكَعُ فِي الطُرُقَاتِ إهْدَاراً لوقته.
لا يُبَالِي المرءُ فِي هَذَا الزّمَانِ بِضَعفِ العُمرِ أو تَضْعيفِهِ.
هِي كَارِثةٌ بل هِي إحدى الكُبر
لِمَن شَاءَ مِنَا أنْ يَتقدّمَ أو يَتَأخّرَ.
(26)

الأشقياء لا يموتون
أو لعلنا لا نفتقدهم.
الجثامين تأتي تباعاً في الطائرات.
يموت الناس غبناً بعد أن هرعوا من بلد تزرع فيه الدسيسة ويحصد فيه الهلاك.
نظر أحدهم إلى موطن قبر فأيقن باستحالة سعته للصندوق،
فقال لهم احجزوا هذا لي
وأحفروا غيره للسابق.
لم تمهله العاديات فمات الأمين،
الشاب المهذب، النبيه،
والوديع بعدها بشهرين.
هل الفال تحت اللسان
كما تقول ربات الخدور
أم أن كره «الكيزان» أعمى صاحب المقال؟


(27)

توفيت معلمة بعد أن تهدم بها كنيف* المدرسة
ولم تستطع جهة رسمية إنقاذها
رغم إنها ظلت ثلاث ساعات
تنادي والتلاميذ يصيحون
من فوقها «يا ستنا»
وهي تجبر دمعهم
بقولها: يا ربنا

ما بال الحكومة تصرف 80 % من ميزانيتها على الأمن
وهي لا تستطيع أن تؤمِّن الصعود لمواطنة تؤدي واجبها
متحمَّلة عبء النهوض بأمَّة خاملة!

(28)

مات أخٌ لي ولها
فبكيته بكاءً مراً، وأبكيت.
ذكرتني أختي بالاستغفار وقالت لي بلغة أهل البلد «الدنيا ماها جنة يا أبو النعمان».
استدركت، لكنني قلت لها وقد عييت
«دعيني يا (أم جِزم) فقد مزقت الغربة فؤادي وأفقدتني حبي من أصحابي.»
عقبت: تعمل شنو يا أخوي دا حال الدنيا!

(29)

ود المدير آنسني بحسه الإنساني
وبداهته الأمدرمانية.
لا تنس طرفته المجراة على السجية.
رب أخٍ لك لم تلده أمك.
إذا حِدَّت عن الحق صوّبك
وإذا غرّك «هنبريب*» الزمان وعظك
وإذا آليت على نفسك رسّاك وعقّلك.
قال لي «لا رجعة إلى تلك البلاد»
قلت له «بل رجعة وألف رجعة،
فهناك العقب، والمؤنس والعشير»
(30)

أيس الناس من صلاح الحال فذكرهم الواعظ
وأنبأهم أن الدول من الدوال
ودوام الحال من المحال.
ما كان لنا أن نصل بمعتقدات
مثل الطائفية، المركزية، الايدولوجية، والعنصرية إلى نهاياتها وخلاصتها غير المنطقية
دون أن نلج في هذا المخاض إلى حد الساق، والعبرة بالمآل.
بيد أن من ارتكب الجنية
يجب أن لا يعهد إليه بالوصية!

حد التعدد عند الفلاسفة

(1)

عَشِيقَتِي حَوْرَاء
لَها خَصْلَةٌ سَوْدَاءٌ
فِي رُدْهَةٍ مِن الحَيَاءِ.
مَتَى مَا الْتَقيْتُهَا تَأمّلتَ ثَوْبَهَا
فَإِذَا هُوَ قِطْعَةٌ مِنْ جُدْرَانِ فُؤَادِي.

(2)

جَلْستُ وإيّاهَا عَلَى سَطْحِ الجَبَلِ
أَشَارتْ إِلى نَاحِيةِ المَدِينَةِ وَقَدْ تَلَأْلَأتْ أنْوَارُهَا جلالاً وبهاءً
اسْتِحْضَاراً لِهَيْبَةٍ مِن أَمْرٍ.
وَقَالَتْ:
هَل تَرَى مَقَامَ ابْنِ الفَارِضِ؟
قُلْتُ: لاَ أكَادُ أَتَبيْنَهُ مِن هَاهُنَا
قَالتْ:
إِذْنَ حَالتِ الأَحْوَالُ بَيْنَنَا،
أنت فِي سَاحَةِ المُقَطّمِ تَلْهُو
وَأَنَا فِي حَضْرَةِ العَاشِقِ أَشْدُو.

(3)

يَجْهَلُ مَنْ يَظُنُ أَنْ النّسَاءَ غَافِلَاتٌ،
يَشْتَطُ مَنْ يَحْسَبهُنَ مَاجِنَاتٍ.
مَا بَيْنَ الغَفْلَةِ وَالمُجُونِ
مِسَاحَةٌ مِن الظّنُونِ.

(4)

لَا تَكَادُ تَبْلُغُ إِحْدَاهُنَ الأربعينَ
حَتّى تُدَاهِمُهَا خُيولُ الشَهْوَةِ،
تَجْأرُ، تَسْتَغِيثُ،
تَتَمنّى الرّجُوعَ إِلى حِصْنِ التَقْلِيدِ؛
لَكِن هَيْهَات
فَقَدْ ادْلهَمّ الخَطَرُ وَزَاغَ البَصَرُ.

اسْتَنظَرَت فاسْتَمْطَرتْ رحمةٌ مِن السَمَاءِ، سَعِدَت إذْ رَأتْ للفِكْرِ ضِيَاء،
تَنَهّدَتْ إِذْ أَحَسَتْ للرُوحِ صَفَاء.

(5)

مَسْكِن لِهَذِه، كَنْتِك لتلك، تلهف لسِلِك، مَسْفِر، شَفِر، أفعل ما شئت، فَلَا شيء
يَعدِلُ صُحْبةَ الأمِينَةِ!
ما ادّخَرَ جهدُ إِلّا انْفَسَحَتْ بِمُوجِبِه
وَعَنْ رَهْبَتِهِ قَرِينَه.
حَد التَعَدّدِ عِنْدَ الفُقَهَاءِ أَربعةٌ،
وعِنْدَ الفَلَاسِفَةِ تِسْعَةٌ!

(6)

صَدَاقَتْكَ لِقَرِينَتِكَ أَجَلّ مِن الحُبِّ وأَبْهَى،
حُبّكَ لِرفيقتِكَ عُنْوانٌ للصِدقِ وأَدْعَى.

(7)

الفِكْرَةُ كالشّهْوةِ
تُداهِمُكَ دُونَمَا أَدْنَى اعْتِنَاءٍ بالظّرْفِ
أَوْ تَكيّفٍ مَعَ الطّرْفِ.
مُحَاوَلَتُكَ للتّكيّفِ مَدْعَاةٌ للانصِرَافِ.
استجلى الأُولَى واستمرئ الثانية.

(8)

فِي انْتِظَارِ الصّولَةِ،
كَانتْ لَنَا فِي إنجمينا جَوْلَة
اِخْتَرَقَتْ فُؤَادِي نَظْرَةٌ
حَرَقَتْ أحْشَائِي فَزَرَة.
قُلتُ لِشيْخِي:
أَجْملُ نِساءِ الحِزَام المُهْرَيَات،
قَالَ لِي:
بَلِ القُرْعَانيَات.

لَعَلّهَا العَصَبِيّة قَدْ أَفْسَدَتْ كُلَ شَيءٍ،
حَتّى الذّوْق!

(9)

قَلّمَا يَتَجاوَرَانِ:
النّبَاهةُ والوَرَعُ.
لَوْ خُيّرتْ لاخْتِرْتُ أَنْ أَكُونَ رِيشةً فِي مَهَبّ الرّياحِ، حَتّى أَرْسَى عَلَى بَرٍّ
لَا يَهُولُنِي،
أَوْ أنيبُ تَحتَ مِيزَابٍ لَا أَطَالُهُ.

(10)

برع الواعظ في باديتنا في وصف الحور العين
علم العربي عنهم بالتقريب،
لكنه لم يجرؤ أن يسأل عن فريقهنّ.
هاله أنهنَّ «مكنونات في الخيام»
وقد اعتاد أن يتاوق «يسترق النظر» لهن من فوق الصريف.
أنبأه صاحبه الظاعن أنهنّ من نساء الجنة، طفق متعجباً وقد زال تلهفه
وقال
«لو الله بيشاورنا يجيب لينا صحباتنا القِدم»!

(11)

الثقافة هي أخلاق
والأخلاق هي التزام بقضايا الجماهير.
لا أدري كيف يجرؤ أن يتكلم عن الأخلاق،
وينشئ قناة يلعلع فيها على رؤوس الأشهاد،
من شيدوا بنوكاً لسرقة قوت المسكين
وكونوا مليشيات لحرق قراهم.

لو ديل عيال أم در
فالبلد قد جرى فيها النعام،
عووووووووووك.

(12)

كنت أجلس في دكان قريبي في سوق المحصول،
فكانت اللواري تأتي ليل نهار، محمَلة بالمحاصيل،
فيما ينشغل التجار بتدوين الكمبيالات،
حتى أن بعضهم يذهب للاعتناء بها في منزله، وذلك قبل مجيء الانقاذ!
جئت بعدها فإذا الساحة خالية.
استفسرت عن الأمر، فقالوا
إنّ «الإخوان» قد فتحوا الباب لاستيراد الزيوت من ماليزيا.
هكذا عمدوا إلى ضرب كبرياء الريف.
حمل الصبيان السلاح، وقالوا الموت أفضل!

(13)

بلغني أن المجتمعات قد انتقلت من الثورية إلى الحوارية،
وأنهم قد عقدوا منتدى في دافوس لتحقيق هذه الغاية
أغلب ظني أنها دعاية،
فإن جشع الغالب لا حد له
وابن آدم ما بملي جوفه إلا التراب.

(14)

في شجاره مع الإمبريالية العالمية
اعتمد القديس مانديلا أسلوب الدبلوماسية البديلة،
لكنه أبقى على قوته.
فرق بين القوة والعنف:
القوة قناعة فكرية وروحية بالقضية،
العنف هو محض إفلاس.

(15)

محتار في أمري،
لا أدري كيف تحتكر دول الشمال
رؤوس الأموال،
المعلومة،
التكنولوجيا، المؤسسات الدولية،
القنبلة النووية،
الممرات البحرية،
إلى آخره،
وتأتي بعد ذلك غاضبة، متنفجة ومتهمة،
بل مٌعَيِّرة دول الجنوب بالتخلف؟
يا هوووووي:
ما لم تراجع بنية الاقتصاد العالمي
وتعاد هيكلته،
فإن الشواطئ الأوروبية ستظل ممتلئة بالجاثمين والغرقى من المهاجرين.
يا لها من معرة
أن يغتني الأغنياء بفقر الفقراء.
(16)

الفقيه والفيلسوف تشاجرا بداخلي
فانتصر الأخير وازدهى قائلاً:

الحياة أزكى من أن تحشر في قالب
والكون أرحب من أن تحتويه المشارب.

(17)

كان في بلدنا رجل يزكي على طريقته
ولا يصلي إلا إذا انتابه الحال،
حينها يتناغم مع البارئ.

قبل ثلاثة أيام من موته
اشترى بهيمة وربطها على جنب.
سألته أم عياله،
قال لها بكل رباط وجأش:
«دي تضبحوها يوم كرامتي.»
قالت: يا راجل إنت ما نصيح،
إنت شديد ومعافى.
لم يشأ أن يجادلها، وانصرف لشأنه.
أسلم الرجل روحه بعد ثلاثة أيام بالتمام والكمال.

عندما سألنا عن كريم خصاله،
قالوا الكرم وزادوا:
كان يتكفل بتزويج كل من أراد يعف نفسه
من قرابته.
.........................
صَدِّقُوا،
لَا يُوجدُ كَريمٌ إِلاّ هُو أَهْلٌ للوَلَايَةِ
وَلا يُوجَدُ وَليٌّ إِلّا وَهْوَ بِالمَكَارِمِ فَاضِلُ.

(18)

من لم يحس تحقق الصفات
فقد أنكر محاسن الذات

(19)

فِيمَا كَانتْ الرَّاحُ تَدُورُ
مُنْعِشَةَ العُقُولْ
وُمُتَلّهَفَةَ الوصُولِ إِلَى أَفْوَاهِ الشّارِبينَ
كَانَ النّدَامَى عَلَى أيامِ نَاسِ «أبُوالجَعَافِر»
يُدَنْدِنُ مُطْرِبُهُم بِالعُودِ فَتَتَعَالَى أَصْوَاتُهُمْ مُنْشِدَةً:
السُرَّاي السُرَّاي* الجَافُوا النّومْ وَعَقَدُوا الرَّاي
الليم مِتينْ يَامَوْلَاي
أَوَّلْ بُدَاي باِلأنْزَلْ القُرْأنْ آي
أَرْجُو الهداي وَأقْهَرْ عِدَاي
وَأسِيرْ بسيرْ نَاسْ آبَاي
ثَنيتْ غُنَاي
فُوقْ الرَّسُولْ كَابِي وَحِجَاي*
يُومْ حيرتي وَكَشفْ غُطَاي
غيرْ الشّفِيعْ مَاعِنْدي رَأي.


(20)

أرجوكم خذوا نسختكم
وأرجعوا بها من حيث جئتم،
وسنوفر لكم سفناً تقطع بكم طريق الأربعين
أو تعبر بكم البحر الأحمر.
إنما يناسب طبعنا وينسجم مع هويتنا
الدين الشعبي.

(21)

يقول الفنان البديع عاصم الطيب
إنّ الإسلام قد دخل السودان
بقولهم «سبحان الله»
ولم يدخل
بــــــــهتافهم «الله أكبر».

وهو بذلك لا ينكر كبرياء المولي،
إنما يشير إلى احتفاء شعوب القارة بالجماليات
وامتناعها عن الامتثال للقهريات،
سيما الزجريات.
(22)

الجانجويد؛
دعوتهم جهارا
وأسررت لهم أسرارا،
فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا
يرسل السماء عليكم مدرارا
ويمددكم بأموال وبنين
ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا.
ما لكم لا ترجون لله وقارا؟

قالوا: كنا في حالة دفاع عن أنفسنا
قلت: هذه دارفور،
فما بال كردفان!

(23)

في الخليج مدنية هبطت من السماء،
ولأول مرة
مخالفة بذلك عرف الحضارات.
زعمي أنها ستتبخر
ما لم تثبت في قاع الرمل أوتادها!

(24)

ود البشير قال لي يوم أن زارني:
مجيئك إلى هذه البلاد ردة حضارية.
قلت له، يا صحبي
لعلي أنهل علماً أو أكتسب خبرة؛
أقلها نيلي هدأة احتاجها بعد
عناء أصابني في بلاد السود.

(25)

جئت لأدخل من عند الباب المهيأ للعامة
فلم استطع،
قالت لي صاحبتي
«خلينا نجلس في سوق واقف ونسترق السمع»،
قلت لها:
لا يمكن. هذا الأمـر يصـلح مع أي فنان إلا أبو عركي
لأنه لا يغني فقط من حنجرته،
إنما أيضاً من عروقه.
اتصلت بأحدهم، شاب من أهل شبشا الكرماء، أدخلنا وأجلسنا في صالة كبار الزوار.
غنى مصطفى السني وأجاد.
أما
أبوعركي البخيت، هذا العتيق المجيد،
قد استنفر همة التاريخ واستجدى عبقريته حتى كاد «جبل مرة» أن يمتثل شامخاً في سيمياء الحضور.
أبقى الله للجبل نوره وبلوره
وأعاد للشعب فرحته وسروره.

لا يستمد أبوعركي عظمته فقط من غنائه، إنما من بسالته، وطنيته،
ووقفته الإنسانية مع صديقه،
ورفيقه، وزميله خليل إسماعيل،
ومع الناس كآفة.

(26)

أفنى أحدهم عمره في خدمة الكهنوت.
فلمَّا مرض لم يتكفل الكهنوت ولا أبناؤه بعلاجه أو التطوع بمجرد ايصاله إلى المستشفى،
إنما اكتفوا فقط بالاتصال بأهله.
وذلك منهم كثير!

تكفل أهل «الملازم» المريض
بإيصاله إلى المستشفى.
قرر له الطبيب عملية مرارة عاجلة.
لم يكن لديهم المال اللازم فاتصلوا بالكهنوت
راجين العون.
مات الرجل دون أن يجد الكهنوت فرصة لعيادته،
أو تقديم المدد لأهله،
أو الذهاب لتأدية واجب العزاء.

بالله عليكم، هل يؤتمن مثل هذا الشخص على إقامة دولة رعاية اجتماعية؟
عرفها المحجوب
يومها قال لهم:
أخشى على هذا البلد
من مُلتحٍ ومُلْتَاح*

(27)

صغريات الأمور
مدخل جيد ونافذ لذينك الشخصين،
فإنهما يتخندقان عند كبارها.
لقد أرهقا السودان، أرهقهما الله،
ونال منهما قدر ما أساءا إلى
إنسان السودان وإرثه.



(29)

عُوتِبَ صَاحِبُ الخُلُق العَظِيمِ
مِنْ قِبَلِ رَبّهِ
لِعُبُوسٍهِ
فِي وَجْهِ رَجُلٍ،
ابْنِ أمِّ مَكْتُوم، وَهْوَ أعْمَى لَا يَرَى.
كَيفَ بِنَا وَنَحّنُ لَا نُكَشّرُ بَلْ نَتَجّهَمُ
فِي وَجْهِ مَن طَلَبَ التّزْكِيةَ
وَمَن رَغِبَ فِي الذّكْرَى.
كَي تَكُونَ مُحْسِناً
لَا بُدّ أن يَكُونَ
تَعَامُلُكَ مَعَ الخَلْقِ هُوَ تَعَامُلُ مَعَ اللهِ.

(30)

اشْتَقْتُ لِخَيّلِي واشْتِيَاقِي لِرَبْعِي أشَدُّ.

إذَا إِلتَقَيتَهُمُ فَرِحُوا للقَائِي
وإذَا تَفَرّسْتُ وجوههم سَعدَ رَجَائِي
هُمْ أجْمَلُ النّاسِ إذَا هَشّوا وَبَشّوا
وَأشْجَعُهُمْ إذَا اقْتَحَمُوا وَتَغَشّوا

قَالَ لِي الخلِيفةُ: يَا أبَا النّعْمَان
هَادَا بَكَانُكَ، أبن لَهُمْ مَسِيداً*
وَفَقّهَهُمْ فِي الدّينِ.

قُلْتُ لَهُ مُسْتَنْكِراً:
وَمِنْ أَيْنَ لِي رِزْق عِيَالِي؟
صَمت وأَطْرَقَ...........
اسْتَدْرَكْت آخِراً
تَذكّرْتُ نَادِماً وَمُتَحَسّراً
قَولَهُ تَعَالَى فِي سُورةِ النّسَاءِ:
«وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا. وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا. وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا»
(النّسَاءِ: 66-68)

إدريس كان نوبياً

(1)


بِمُنَازَلَتِهِمْ الطّاغُوت وَدَكِّ حُصُونِهِ
الثّوارُ يَمْحُونَ عَنّا العَارَ
باِّتبَاعِهِمْ الهَوى وَرَصْدِ مِجُونِهِ
مِنْهُم مَن يَجْلِبُونَ لَنَا الشّنَارَ

قُلْتُ لِوَالِدِي:
مَا يَنْبَغِي أنْ تَعْقِدَ رَايةً للحَرْبِ فَنَتَخَلّفَ عَنْهَا
قَالَ لِي:
يَا بُنَي لَقَدْ أكْرَمَنِي الشّعْبُ إذْ جَعَلَنِي وَزِيراً لِدِفَاعِهِ وَأَنا لَمْ أَتَجَاوَزْ بَعدَ الثّلَاثِينَ،
أتُخَالَنِي أحْمِلُ البُنْدِقِيةَ عَلَى الجُنْدِي
الذي حَيّانِي وأَنَا أُنَاهِزُ الثّمَانِينَ.
قُلْتُ: الجُنْدُ غَيْرَ الجُنْد
والقَادَةُ غَيْرَ القَادَةِ
قَالَ: أعْرِفُ ذَلِكَ،
مُخْتَلِفِينَ، مُتَحَارِبِينَ، مُتَخَاصِمِينَ،
لَكِنّهُمْ سُودَانِيينَ وَلَابُدَّ لَهُمْ مِن أَوْبَةٍ.
فَقَدْ خَبِرْتُهُمْ مُتَسَامِحِينَ
وَفِي الأَوْطَانِ رَاغِبِينَ.

أَدْرَكْتُ أنْ القَوْمَ أَجْلّونَا
بِتَقْوَانَا وَلَيْسَ بِتَقْواهُم
(أوْ كَمَا قَال أبا الحسنين)

(2)

أجْمَلُ القْبُلَاتِ مَا تَقَابَلَتْ فِيهَا المَعَانِي
قَبْلَ الأَمَانِي
َ

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.