يقولون فى الحى انه " خائب " أما عندما جاءت سيرته عَرَضا أمام والدى فقد ذكر انه رجل " طاعم "،لم أفهم المعنى فى الحالتين فقد كنت فى السادسة من العمر و تجاربى فى الحياة محدودة.

يقع حيّنا فى المدينه الكبيره المكتظه بالسكان و العامره بالحركه،عندما استرجعت ذكراها وقد طعنت فى السن تبدّت أمامى " اسطنبول " أخري بحيويتها و حرياتها " الأربع " ! سوق كبير كجراب الحاوي لا يعدم القادم اليه حاجته حتى و لو كانت " بيض القنفذ " !....هذا السوق الكبير تنشطرمنه خلايا صغيره مكونه لاسواق متناثرة بامتداد المدينه هى اقل تنوعا، لكن تكفى القاطنين حولها.المدينه يسكنها أقوام قادمون من كل مدن القطر وانحاء العالم!....و انت تتجول فيها تسمع جميع اللغات،هوسا،هندى،اغريقى،عربى جوبا،شامى و لهجات و لغات محلية، سِحَن متباينة احجام مختلفه و الوان تشابه قوس قزح، لكن رغم ذلك التنوع الذى يبدو "مشاتراً" فالزائر اليها يحس بنوع من التجانس أو كما يقول المتفلسفه " الفوضى المتناسقة " !

عندما كنت أجلس أحيانا أمام باب منزلنا كنت أشاهد " النعمه " و هو فى طريقه الى سوق الحي،لم الاحظ فيه شيئا يختلف عن رجال الحى الآخرين سوي صوته الأقرب الى صوت النساء لكنه كان وسيما قوى البنية.النعمه لم يكن متزوجا، مستاجراً لمنزل فى الحى و لطول سكنه فى المنطقة صار يعامل كأحد رجالها.تقول الحكايات المسكوت عنها أن هنالك موسيقى حنينه و غناء ناعم ينبعث من منزله فى أيام العطلات و بعض المناسبات بالرغم من أن هنالك اجماع صامت على ان لا يزوره فى منزله أحد من أفراد الحى. رغم المقاطعه غير المعلنه فقد كان النعمه يتقدم الجمع فى مناسبات الحى ،خدوما،بشوشا، كريما، حسن القول ولا يستخدم الفاظا نابيه .حسب ما تلتقطه أذن الصغار من الكبار فى تلك السن المبكرة لمعرفة الحياة، فقد تناهى الى سمعى أن النعمه يعمل طباخا فى أحد مطاعم السوق الكبير.

اتسعت معرفتى قليلا بالنعمه عندما كبرت و أصبحت العب ضمن فريق الصبية ، فقد وجدتهم يطلقون عليه لقب " نعومه "!... و هو أسم تحمله النساء.عندما سألت لماذا يطلقون عليه هذا الأسم،رد علىّ أحدهم بانه " بايظ "،و عندما استفسرت عن معنى كلمة " بايظ " سخروا من سذاجتى و رفضوا الاجابه و تركونى محتارا.

كنت لا أستطيع سؤال والدى – رغم أريحيته – عن معنى تلك الكلمة، لأن العلاقة بين الابن و الوالد فى ذلك الزمن لا تسمح بإلقاء مثل تلك الأسئلة، التى تقود بسائلها مباشرة الى " التهلكة "!!

فكرت أن أسال استاذى "السموؤل " و هو يعامل كل الطلبه بلطف،لكننى ترددت وأنا أتذكر تجربتى مع أستاذ " محمد " التى لا تريد أن تفارق الذاكرة.

(دخل أستاذ محمد الى الفصل ذات يوم وكان استاذا للصف الآخر.عرّف نفسه وقال انه " يسد " الحصة لاستاذنا المتغيب و اضاف بانه على استعداد للاجابه على كل الاسئله و فى كل المواد.كان هنالك سؤالا يؤرقنى،رفعت يدى و عندما سمح لى بالكلام، قلت له " يا استاذ لماذا لا تغرق السفن وهى مصنوعه من الحديد و الحديد كما نعرف اثقل من الماء )؟زأر استاذ محمد و أمرنى بالخروج الى مقدمة الفصل،قام بجلدى خمسة جلدات عقابا لى على التجرؤ بالقاء مثل تلك الأسئلة الغبيه .....!! بعد زمن طويل علمت انه قام بعقابى لأنه لم يكن يعرف الأجابه على السؤال.........استبعدت على الفور أستاذ السموؤل !!

لم يكن أمامى من خيار آخر سوى سؤال أخى الأكبر،فبالرغم حدته فقد كان حنونا ويلبى كثير من طلباتى.تحينت فرصة وجدته فيها رائق المزاج، جلست بقربه ثم سألته دون مقدمات عن معنى كلمة " بايظ "؟....عدل من جلسته ثم نظر الئ شذرا حتى خفت أن يقوم باغتيالى. هدأ قليلا ثم سألنى من أين أتيت بهذه الكلمة.عند احساسى بالنجاة، حكيت له كل ما أعرف عن النعمه.قال لى أن معنى هذه الكلمة ان هذا الرجل، يمارس الرجال الآخرين معه الجنس كالنساء،و اضاف ( يعنى النعمه ده مَره ما راجل )!

ثم واصل آمراً ( تانى ما دايرك تمشى مع الأولاد الذين يرددون مثل تلك الكلمات،كما لا أريدك أن تتحدث مع النعمه ده أطلاقا،مفهوم ).......رددت الكلمة الاخيره أكثر من مره دون اصرار منه على ذلك، ثم هرولت مبتعداً.

عملت كما أمرنى شقيقي الأكبر تماما و بادق التفاصيل لكن مسيرة حياة النعمه كانت على الدوام تتقاطع و خطواتى فى الحياة.ذهبت يوما الى سوق الحى فى مهمة لشراء بعض الاشياء للمنزل. فجاة نشبت معركة فى محل " الجزارة"،شاهدت أحد الجزارين يحمل سكينا و يشهرها فى وجه شخص آخراً ،و لدهشتى كان هذا الآخر هو النعمه.

للدفاع عن نفسه اختطف النعمه رجل " ثور " كانت معلقه فى دكان الجزار و ضرب بها الجزار المعتدى حتى اوقعه أرضا ،حاول بقية الجزارين التضامن مع زميلهم و هم يحملون السكاكين و السواطير لكن النعمه صرعهم واحداً تلو الآخر حتى لاذ الآخرون بالفرار.ظهر العسكري الذى يعمل فى الحى و السوق ،هدأ النعيم و أخذه الى" نقطة البوليس " ثم بعد فترة قصيرة تم اطلاق سراحه.علمت لاحقا ان الجزار الذى بدأ العراك كان قد وصف النعيم فى دكانه و امام جمعا من الناس، انه امرأة فى هيئة رجل !!

تلك الحادثة أثارت عاصفة من الأسئلة فى ذهنى.......ماهى الرجولة ؟! و كيف يتثنى لرجل " خايب " مثل النعيم صرع كل أولئك الرجال؟ و كيف لرجل فى قوة النعمه يرضى أن يُمارَس الجنس معه كالنساء؟!!...و هل توجد نساء مثل النعيم؟!

تلك الأسئلة بالطبع لم أجرؤ على طرحها على أحد، لكن من الجانب الآخر زاد تعاطفى للنعمه كما أصبح النعمه بعد تلك الحادثه مهاباً فى أوساط الحله!

كان منزل النعمه يقع فى " طرف " الحى ،و نمر من أمامه و نحن فى طريقنا الى السوق الكبير أو السينما.كان النعمه يعاملنى بشكل مغاير عن الآخرين بل قام بدعوتى و صديقى لقضاء سهرة فى منزله.رفضنا بشكل مهذب بعد تحذير صديقى، ان مثل هؤلاء الناس غير " مضمونين "!! كما سمع من احاديث الكبار.ما لم يعرفه صديقى ان حديث شقيقى الصارم كان لا زال يرن عاليا فى أذنى و كافيا لمنعى و كبحى عن بناء أى شكل من أشكال العلاقه مع النعيم أو غيره.

شاع فى الحى يوما أن النعيم يرقد فى المستشفى الكبير مريضا بعد أن قام كلب ضال بعضّه و هو قادم من عمله، و لم يَعرف ان الكلب مصاب بداء السعر الا بعد أن تمكن منه المرض. مات النعيم بعد فترة وجيزة و حزنا عليه. قام أفراد الحى بدفنه و العزاء عليه بشكل لائق خاصة انه لا يُعرف له اهلا، بالرغم من بعض الأصوات " النشاز " التى كانت تنادى بتسليم جثمانه للسلطة للقيام بدفنه !!

بعد مضى زمن، انا و صديقى كعادتنا مارين فى طريقنا الى السينما من امام المنزل الذى كان يقطنه النعمه، قام صديقى فجأة بسؤالى.....هل تعرف ماذا حدث بعد موت النعمه؟!....رديت اليه السؤال فى حدة، دهشة و استنكار ......ماذا حدث ؟!
اجاب و ابتسامه خبيثه ترتسم على شفتيه (قالوا ان عدداً معتبراً من شباب الحى، بعض من رجاله ونسائه قد قاموا بأخذ مصل داء "السعر" بعد وفاته، للاحتياط )!!!!!

عدنان زاهر

مارس 2017

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.