يقول الفيلسوف والشاعر الألماني جوته ( الذي لا يعرف أن يتعلم دروس الثلاثة الف سنة الأخيرة يبقي في العتمة )
ربما كان الفيلسوف مبالغا حد الشطط في ضرورة استخلاص الدروس والعبر من الماضي ، ولكن لا تثريب عليه فتلك غاية تصعد بالهمم لترتقي الأمم بعد أن تصل الي حالة الموات ويسودها من هم أشبه بالرمم. وهو كذلك معذور عندما يتعلق الأمر بضرورة النهضة من الركام. فهو ومن طرفٍ خفي يحذر من الذاكرة المثقوبة وهي التي لا تجيد إعمال العقل والمنطق فيما حاق بالأمة في تاريخها حتي لا تحدث الملهاة فيتكرر التاريخ ، ويجد الإنسان نفسه مكبلا بذات القيود وذات المقولات وذات الأيديولوجيا والمفاهيم. وقد يكون مدخل ذلك هو الغفلة والنسيان وعدم التمتع بالحس التاريخي.

إن من يدعي أن الإسلاميين لم يحكموا السودان ، إنما يغالط نفسه ويغالط التاريخ. وإن من بين الإسلاميين من هم أنقي نموذجا مما أفرزت الإنقاذ ، إنما يريد أن يعيد إنتاج الإنقاذ من جديد. فالإنقاذ مشروع حكم ساد السودان في الثلاثة عقود الأخيرة ،كما ناصره الإسلاميون( الغلابة والميسورون ) وقد استجلب لدعمه الكفاءات الإسلامية ممن كانوا بدول المهجر . وقد طبق هذا المشروع تحت رعاية أكبر منظر وأكثر الإسلاميين ثقافة وهو د. حسن الترابي. وقد كان فيما كان العراب والمنظر للدولة الرسولية التي رضي عنها كل إسلاميي العالم بل كانت وجهتهم ومحط آمالهم. وهذا تاريخ لا يذهب بنا تلك الآلاف الثلاثة من السنين التي قال بها جوته ، بل هو ماضٍ قريب مازال الناس ينازعونه الوجود.
إن الإسلاميين ليسوا مجموع الشعب السوداني كما حاولت أن تصور في رسالتك الصوتية ، وإنما هم " صفوة " و أقلية لا يهتمون بصاحب محل الغسيل ولا صاحب الكنتين ولا سائق التاكسي في عرصات شوارع الخرطوم . الإسلاميون صفوة متعلمون ربما يكون فيهم الغني و الفقير او بشكل أدق من استغني من الإنقاذ ومن ظل علي فقره. لكنه بحكم الانتماء والالتزام يظل صاحب أيديولوجية تحاول كما تزعم ربط قيم السماء بالأرض. وهو المشروع الذي تدافع إليه الإسلاميون لكي يجسدوه واقعا معاشا في حياة الشعب السوداني ( بعد أن أدار ظهره للدين حينا من الدهر ) بلغة حسن الترابي. لذلك فإن هنالك فرق جوهري بين الإسلامي والمسلم. فالمسلم هو بالظبط الغسال وصاحب الكنتين وسائق التاكسي ، الذي يعيش في قارسلا والمتواجد في همشكوريب. وهؤلاء قوم لم ينخرطوا في اسر التجنيد ولم يعرفوا مأثورات حسن البنا ، ولم يطلعوا علي معالم طريق سيد قطب ولا يهمهم إن كان ابو الاعلي المودوي قد عاش في بلاد الهند أو السند. ، أما الإسلامي فهو شخص له مشروعه وتصوره وايديولوجيته التي يتميز بها عن سائر أصحاب الأفكار الأخري العلمانية ليبرالية كانت أم ماركسية أم قومية ، لذلك هو شخص ملتزم بل وصارم الالتزام بفكرته المستمدة من الدين ، وهي فكرة في جوهرها لا تقبل النقاش و التفاوض ولا تتعايش مع المختلفين معها ، لذلك فهي في جوهرها فكرة فاشستية تجرم الآخر باعتباره شيطانا ولا تعترف له بوجود ولذلك فهي فكرة متطرفة تحتكر الحق لنفسها لأنها تحدث نفسها بأن أصحابها إنما هم ظل الله في الأرض.

إن تجريم الإسلاميين بعد حكم هذه السنوات التي كان طابعها الفساد والاستبداد واحتكار الحق بعد السطو علي الحكم ، ليس نزوات أناس ( يخلفون رجلا علي رجل ) وهم في سويسرا أو فرنسا أو غيرها من البلدان ، إنما ذلك خلاصة تحليل لهذه العقود الثلاثة ، وليس الثلاثة ألف سنة الماضية وهو تاريخ قريب لم يزل ضحاياه يكابدون هذه الغربة اللعينة التي صارت مصير المخالفين للإسلاميين ، ثم إنه هو حكم التاريخ علي مشروع تصدره الإسلاميون بنسبة مائة بالمائة ، والدليل على ذلك موقفك أنت شخصيا منه فقد انخرطت فيه بكل احاسيسك ووجدانك ولم تكن مغيبا ساعة ذاك بل ذكرت أنك لم تك تحتمل نقدا للترابي وأشرفت شخصيا حينما كنت محافظا للحصاحيصا علي التحقيق مع الشاعر عفيف إسماعيل لأنه ترحم علي الأستاذ محمود محمد طه و رثاه شعرا ولكنه إغراء المشروع الحلم بالدولة الرسالة الرسولية التي كانت تدغدغ مشاعرك. وليس في ذلك ما يعيب بل انه من حق كل إسلامي أن يحلم بما يشاء لكنه لم يكن من حقه نفي الآخرين بالتشريد والتنكيل. لذلك لا مجال للقول بأن الإسلاميين لم يحكموا ، فالحق يقتضي الاعتراف بأن الإسلاميين حكموا وجاروا بل أفسدوا أن كانوا فقراء أو كانوا أغنياء فكل من دافع عن هذا المشروع وكل من ( داوس) من أجله فهو فاسد وإن فاتته غنيمة اللصوصية التي ميزت هذا العهد.

إن المعركة الآن هي ضد الإسلاميين بالمطلق وضد تصوراتهم وليس في ذلك نفي لهم ، ولكنها مقتضيات المعركة فالإسلاميون أصبحوا معرفين بهذا النظام ، ولايمكن بل ولا يجب الفصل بينهم وبين النظام الذي دافعوا عنه وخدموه استفادوا ام لم يستفيدوا منه . وهو ذات النظام الذي فرز بين المسلم (الجاهلي) والمسلم الإسلامي. لذلك فأن الإسلاميين يواجهون اليوم خصوما من جموع المسلمين.
ولك أن تتأمل الهتاف الذي أتي بعفوية من قلب الشارع (اي كوز ندوسو دوس... ما بنخاف ما بنخاف) هذا الهتاف العفوي - علي ما به من نزعة تطرف- لم يصغه الذين تصفهم بالمنعمين في دول المهجر بل صاغه ثوار شباب أيفاع والكوز هنا دلالة على الإسلامي الملتزم وليس عموم المسلمين.

إن محاولتك إعادة تسويق الإسلاميين مهما كانت نسبتهم هي محاولة جر الناس الي ما يعرف في علم الاقتصاد ب Break even point . وهي النقطة التي تتساوي فيها الخسائر المنفقة علي المنتج مع مجمل المبيعات. فالشعب السوداني عمليا قد تجاوز هذه النقطة ووصل مرحلة جني الأرباح من الثورة علي حكم الاسلاميين. بعد تكبد خسائر لا حصر لها من حكمهم علي مستوي الموارد البشرية والمادية ، وأهم تلك المكاسب فضح جوهر فكرة الإسلاميين ولم يعد يسمع ما يجوز بحقهم و ما لا يجوز.

د. محمد عبد المجيد