عمود : محور اللقيا 

هذه الأيام يعاني المواطنون معاناة مرة من قطوعات الكهرباء التي تستمر للساعات الطوال تصل إلي العشر ساعات يوميا و يجأرون بمر الشكوي من تلف أطعمتهم و أدويتهم في الثلاجات خاصة حقن الإنسولين التي تتطلب برودة معينة , هذا غير المعاناة الشديدة من الإنقطاع عن خدمات الحياة العصرية التي تلعب الكهرباء فيها دورا كبيرا سواء داخل البيوت أو خرجها , و حقا أن الكهرباء عصب الحياة . نعم هذه هي حكومتنا حكومة ثورة ديسمبر المجيدة و علينا إن تعطّبت دفعها و إن لم تنتظم فعلينا صيانتها و تغيير التالف منها و تكملة نواقصها . قبل شهرين و في ابريل الماضي كتبت و أنا من الثوار سلسلة مقالات بعنوان : ( في نقد حكومة ديسمبر الحالية ) تطرقت فيها لأوجه القصور في اداء حكومة الثورة و التي أدت إلي تفاقم المعاناة علي المواطين في مجالاتهم الحياتية كقطوعات الكهرباء و تفشي الغلاء و اللهاث وراء المواصلات و التقوقع في الصفوف التي تكاثرت و تنوعت .
هذه الأيام تمثل قطوعات الكهرباء الهاجس الأكبر , و رغما عن أنني قتلت أمر الكهرباء بحثا و دراسة و توصية في مقالات لي عدة إمتدت مع إمتداد العهد البائد , رغما عن ذلك توقفت أمام القطوعات الجارية للكهرباء ما أسبابها و شاهدت المؤتمر الصحفي للسيد وزير الطاقة و التعدين و تبريراته التي جانبتها الشفافية و التي جلبت عليه السخط خاصة من العاملين في قطاع الكهرباء فخرجوا ببيان مطول إطلعت عليه و تبين لي أن السبب الرئيسي وراء هذه القطوعات هو شح الوقود و عدم توفير قطع الغيار و عدم تكملة الصيانة و لكن كانت جريرة المسؤولين الكبار في عدم المتابعة و دق ناقوس الخطر قبل أن يستفحل حدوثه . لم أجد جديدا أكتبه بعد أن عدت إلي إحدى مقالاتي آنفة الذكر التي كتبتها قبل شهرين و وجدت كأنني كتبتها اليوم ! فأسباب قطوعات الكهرباء هي نفس الأسباب كأن لم يتم لها إصلاح و لم تطال أسباب القصور التي ذكرتها أية تغييرات , و هذا لعمري أمر يؤدي إلي الإحباط و ما لي الآن سوى أن أعيد نشرتلك المقالة لتروا بأنفسكم ما يدور :
تفاقم قطوعات الكهرباء بسبب الإهمال :
هذه الأيام يعاني المواطن الأمرين من قطوعات الكهرباء المتكررة في اليوم الواحد , و من المفارقات أن السيد وزير الطاقة و التعدين كان قد وعد المواطنين في بداية الشهر الجاري أن موقف الكهرباء سوف يتحسن عند نهاية الشهر بعد وصول ثلاث ( بواخر ) سفن حاويات للوقود لمحطات الكهرباء و بعد إكمال الصيانة في بعض ماكينات توليد الكهرباء الحرارية ! إذن السبب المباشر لقطوعات الكهرباء هو النقص في الوقود و خروج وحدات لتوليد الكهرباء عن الخدمة بسبب الصيانة . لماذا لم يتم الإستعداد لذلك منذ وقت كاف حتى نتفادى هذه القطوعات ؟ و لماذا لم يتم تطبيق البرنامج الإسعافي للكهرباء ؟
بحكم تخصصي في توليد الكهرباء و عملي في محطات توليد الكهرباء داخل السودان و خارجه فقد كتبت الكثير من المقالات عن قطاع الكهرباء في السودان شارحا و ناقدا و واضعا للحلول و أراني لا بد من السير في نفس الطريق ناقدا و مقوما لحكومة الثورة و واضعا للحلول الناجعة كما اراها .
في تأريخ الكهرباء في السودان توجد محطات لا بد من الوقوف عليها , ففي عام 1908 كان تركيب أول مولد للكهرباء بقدرة 100 كيلواط في الخرطوم أي بعد 25 عاما من إختراع العالم الأمريكي فارادي لأول مولد للكهرباء بقدرة 10 كيلواط في عام 1882 . في عام 1925 تأسست شركة النور بقدرة 3 ميغاواط ثم تحولت بعد الإستقلال في عام 1956 إلي الإدارة المركزية للكهرباء و المياه , و في عام 1982 تأسست الهيئة القومية للكهرباء التي تم حلها في عام 2010 و تكوين وزارة الكهرباء و السدود . لقد كانت كهرباء السودان متقدمة علي كل دول الجوار و لا زالت ذكرى مديرها العام قلندر في الستينات متداولة مثالا للصرامة والإدارة الناجحة و كان مهندسوها هم من تكفلوا بإرساء دعائم الكهرباء في الخليج العربي .
لماذا لم يتم العمل بالبرنامج الإسعافي للكهرباء ؟ لقد كان لي الفضل في طرحه علي قوى الحرية و التغيير عند إختيارها لي في قائمتها الأخيرة لترشيحات الوزراء إلي دكتور حمدوك و كنت الوحيد ذا التخصص في الكهرباء و لكن تم تفضيل جانب البترول و المعادن و تركت الكهرباء للإهمال , و الآن و بعد مرور سبعة أشهر علي التشكيل الوزاري لم يتم العمل بذلك البرنامج الإسعافي للكهرباء في المدى القصير أو ما هو مطلوب للمدى المتوسط , فكل مسببات قطوعات الكهرباء كانت مندرجة من ضمن الحلول الإسعافية في المدى القصير كتوفير الوقود و قطع الغيار و العمل المبكر للصيانات و إعادة الماكينات المعطلة للخدمة ثم السعي لتشغيل وحدات الكهرباء علي كفاءاتها القصوى و في ذلك زيادة للكهرباء المولدة و المنقولة و وفرة لإستهلاك الوقود المكلف .
دعوني أقوم بحصر الطاقة الكهربائية المولدة في محطات توليد الكهرباء المائية و الحرارية . في هذه الفترة من العام أي ما بعد الشتاء و قبيل الصيف تكون قد تمت الصيانة السنوية لوحدات توليد الكهرباء الحرارية التي تبدأ منذ بداية العام نسبة لقلة إستهلاك الكهرباء في الشتاء و يكون التوليد في هذه الفترة معتمدا علي التوربينات المائية , و قبيل موسم الخريف يصل التوليد المائي إلي قلته ثم تتوقف التوربينات لعمل الغسيل لإزالة الأطماء من مداخل عنفاتها حتى تكون التوربينات جاهزة لتوليد الكهرباء بعد الفيضان و إمتلاء بحيرات السدود . لذلك فإن سد مروي الذي يولد 1250 ميغاواط به توربينة معطلة و توليده حاليا اقل من ذلك نسبة لنزول مستوى بحيرته , كذلك سد الروصيرص الذي يولد 240 ميغاواط يكون توليد\ه حاليا اقل , و سد أعالي نهر عطبرة و ستيت الذي توليده 320 ميغاواط لا يولد ذلك طوال العام لأنهما نهران موسميان و خوفا من تفريغ بحيرته مع توليد الكهرباء فقد تقرر ان تعمل بعض توربيناته في وقت الذروة فقط مع أن التوربينات المائية نظامها أن تعمل 24 ساعة يوميا علي الحمل القاعدي لرخص الكهرباء المولدة منها ! سد خشم القربة طاقة توربيناته المائية 18.5 ميغاوات و كذا الحال في سد سنار طاقته الكهربائية 15 ميغاوات و هما سدان تاسسا للري أكثر من توليد الكهرباء و يقل فيهما التوليد حفاظا علي الري .
أما عن الوضع الحالي في محطات توليد الكهرباء الحرارية فكما يلي : في محطة توليد كهرباء بحري الحرارية الوحدتان الأولى و الثانية ( 30 ميغاواط لكل وحدة ) متوقفتان عن العمل بسبب عدم توفر قطع الغيار في الأولي و إنفجار الغلاية في الثانية , و الوحدتان الثالثة و الرابعة ( 60 ميغاواط لكل وحدة ) تعملان بنصف طاقتهما و كانت الوحدة الرابعة قد خرجت من الصيانة السنوية قبل فترة وجيزة و هي التي حدث فيها حريق في محول مولدها الرئيسي و تبين ان نظام رشاشات إطفاء الحريق به لا يعمل آليا , و الوحدتان الخامسة و السادسة ( 100 ميغاواط لكل وحدة ) فالوحدة الخامسة في الصيانة و الوحدة السادسة قد عادت من الصيانة و لكن بطاقة قصوى 60 ميغاواط و كل الوحدات تعمل بزيت الوقود الثقيل ( الفرنيس ) , و بجانب ذلك توجد 6 توربينات غازية ( 25 ميغاواط لكل توربينة ) و لكنها تعمل في أوقات الذروة لغلاء زيت الوقود الخفيف (الجازولين) الذي تعمل به . أما محطة توليد كهرباء قري 1 و 2 فبها 4 بلوكات لتوربينات الدورة المزدوجة الغازية و البخارية بقدرة مركبة تعادل 400 ميغاواط و توربينات غازية أظنها ثلاثة بقدرة 3 × 25 = 75 ميغاواط و هي تعمل بغاز البترول , أما محطة قري 3 فقد توقف العمل في مشروعها الذي يحتوي علي ثلاثة توربينات غازية بقدرة 187 ميغاواط لكل توربينة و هي تعمل بزيت الوقود الثقيل أو الخام , و أما محطة قري 4 فيها توربينتين بخاريتين بقدرة 55 ميغاواط لكل توربينة و تعملان بوقود الفحم البترولي المنتج من مخلفات مصفاة الخرطوم و لكنهما متوقفتان عن الخدمة . أما محطة توليد كهرباء أم دباكر فبها أربع وحدات بخارية بقدرة 125 ميغاواط لكل و حدة و بها الوحدة الرابعة متعطلة لإهتزازات عالية في التوربينة و الوحدات تعمل بزيت الوقود الثقيل . أخيرا محطة توليد كهرباء الفولة بطاقة كهربائية تعادل 405 ميغاواط و لم يكتمل بناؤها منذ عشرة أعوام بسبب الفساد في الكهرباء .
هذه هي محطات توليد الكهرباء المائية و الحرارية التي تضمها شبكة الكهرباء القومية . يقول مركز التحكم في احمال شبكة الكهرباء أن الطاقة التوليدية الحالية تعادل 2 ألف ميغاواط و أن العجز يصل أحيانا إلي 60 % من الموجود و ان الربط الكهربائي مع اثيوبيا يعادل 100 ميغاواط و مع مصر صفرا و ان المطلوب هو الإرتقاء بالطاقة التوليدية إلي 3 الف ميغاواط . لقد سعى المسؤولون في الكهرباء إلي التوليد الخاص المكلف و تم الإتفاق مع شركة كارباورشيب التركية لتغذية بورتسودان من سفينة توليد الكهرباء بطاقة 150 ميغاواط و بتكلفة 3 مليون دولار يوميا , و كذلك التعاقد بنظام البوت مع شركة تركية لتغذية الكهرباء في مدن دارفور ( نيالا , الفاشر , الضعين , الجنينة ) و مدن كردفان ( النهود , كادوقلي ) و قد هددت الشركتان بقطع الكهرباء لعدم سداد الحكومة لمستحقاتهما المالية . رغما عن أن السودان كان سبّاقا في توليد و إستهلاك الكهرباء عن الدول المجاورة نجد أن طاقة توليد الكهرباء في المملكة العربية السعودية تعادل 70 الف ميغاواط و في مصر 40 ألف ميغاواط بينما نحن في السودان ننتج 3 ألف ميغاواط !
أسباب القصور في قطاع الكهرباء أراه في الاتي :
1 – هيمنة المتمكنين المتأسلمين في الكهرباء من مجموعة أسامة عبد الله و معتز موسى الذين إستولوا على قطاع الكهرباء بعد حل الهيئة القومية للكهرباء و تحولها إلى وزارة الكهرباء و السدود فهم قد ورثوا الكهرباء من إخوانهم المتمكنين من مجموعة مكاوي بعد صراع الطرفين الإخوانيين و الذي كانت نتيجته إبعاد مكاوي من الكهرباء إلي السكك الحديدية فتبعه بعض من جماعته إليها و آثر البعض الآخر الإغتراب . هؤلاء المتمكنون الجدد لا زالوا حتى اليوم يهيمنون علي قطاع الكهرباء حتى عند ذهاب الصف الأول منهم يظهرون في الصف الثاني و الثالث ! هؤلاء لم تمسهم يد لجنة إزالة التمكين حتى اليوم فاستقووا علي الوزير و وكلاء وزارته و صاروا يطلعونهم بما يريدون إطلاعهم عليه و يخفون عنهم ما يريدون إخفاءه لأنهم الأكثر علما ببواطن أمور أجندتهم . لي تجربة مؤلمة مع هؤلاء سوف أرويها لكم في مقالتي القادمة بإذن الله .
2 – عدم تطبيق توصيات لجنة التسيير لإعادة هيكلة شركات الكهرباء الأربع و جمعها في شركة موحدة أو إعادتها للهيئة القومية للكهرباء كما كانت , فقد كوّن السيد الوزير تلك اللجنة و قامت بواجبها خير قيام و إستعانت بخبراء في تقويم و ترتيب الوظائف ثم سلمت تقريرها للوزارة منذ ديسمبر الماضي و لم يحدث شئ بعد ذلك , و منذ اسبوع تقريبا كوّن السيد الوزير لجنة اخرى لتقوم بنفس عمل اللجنة الأولى , فماذا يعني ذلك ؟
3 – ترك كل شئ كما هو دون تغييررغما عن الوقت الذي مضى علي التشكيل الوزاري فلم يطبق البرنامج الإسعافي كما ذكرت , خاصة ما به من إعادة وحدات توليد الكهرباء المتعطلة إلي الخدمة بعد توفير قطع الغيار و صيانتها .
4 – التراخي و التباطؤ في ديناميكية العمل في قطاع الكهرباء و في الوقوف علي أماكن الخلل و عمل الإصلاحات الفورية اللازمة و في إستشراف الأعطال قبل حدوثها حتى يتم تفاديها أو عمل الإستعدادات لها إذا لم يمكن تفاديها .
5 – وضع الخطط للإرتقاء بقطاع الكهرباء علي المدى المتوسط خلال الفترة الإنتقالية حتى تتم تغطية عجوزات التوليد الكهربائي و تنتهي بذلك قطوعات الكهرباء المضنية .
6 – عدم تطبيق الشفافية في توضيح حقائق مشاكل الكهرباء و في إعلان تقارير لجان التحري للملأ .

د. عمر محمد صالح بادي
دكتوراة في الهندسة الميكانيكية ( قوى )
مهندس مستشار و كاتب صحفي حائز على القيد الصحفي

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.