لا تتفاجأ ولا تندهش أيها القاريّ ففتوى فطام الكبير لا علاقة لها بفتوى إرضاع الكبير المتعلقة بالرضاعة من صدر الام الافتراضية بغرض تحقيق حرمة افتراضية للكبير والتي أثارت دهشة عالمية كبرى وقت صدورها ونشرها على شبكة الانترنت، بل تتعلق بمحاولة إيجاد حل عملي لمشكلة الرضاعة الالكترونية للكبار وإدمان امتصاص حليب المعلومات والصور والفيديوهات بشراهة على مدار اليوم من صدر شبكة الانترنت التي أصبحت أماً للجميع وصار جميع مستخدميها إخوة بالرضاع إذا جاز التعبير! ولعل أغرب وأطرف وأخطر ما رأته العين مؤخراً هو انتشار فيديوهات أطفال مدمنين على الانترنت يُشاهد في أحدها طفل رضيع مستلق على ظهره وهو يثبت زجاجة الرضاعة بقدميه الإثنين ويرضع من الزجاجة بينما تنشغل يداه وعيناه الصغيرتان بمسح شاشة الجوال ومص حليب الصور والفيديوهات بشراهة لا يمكن تصورها!

أغلب الكبار صاروا مدمنين للرضاعة الالكترونية، تراهم منكبين على شاشات الجوالات داخل البيوت، المكاتب، السيارات وحتى أماكن العبادة وهم منهمكون في الرضاعة الالكترونية وقد اشتغلت عيونهم وتعطلت أدمغتهم وكلما امتصوا أخباراً أو صوراً الكترونية، سواء أكانت حقيقية أم مغشوشة، انفتحت شهيتهم البصرية لمزيد من الحليب الالكتروني ولسان حالهم يصيح: قوقل، يوتيوب، فيسبوك، تويتر هل من مزيد؟! ولا يكتف هؤلاء بمجرد الرضاعة الالكترونية الذاتية بل يرسلون الحليب الالكتروني إلى أصحابهم فيقوم أولئك بدورهم بممارسة الرضاعة الالكترونية الجماعية ثم إعادة نشرها على أوسع نطاق جماعي ومن ثم تتواصل حلقات مسلسل الرضاعة الالكترونية إلى ما لا نهاية ولا مجال للتوقف فالبعض يداهمه النوم والجوال على صدره أو إلى جوار رأسه وقد ينفجر الجوال المشحون وينسف رأس صاحبه ويقتله كما حدث لبعض مدمني استخدام الهاتف الجوال في عدة مدن عالمية!
لقد قلبت رضاعة الكبار كل المفاهيم التقليدية فمثلاً صارت هناك صلة رحم الكترونية يتواصل عبرها الأقارب بالرسائل الالكترونية فقط مستخدمين صباح خير ومساء خير الكترونيتين وجمعة مباركة الكترونية وأصبح قطع الرحم هو قفل الحساب ومغادرة القروب! وظهرت خطوبات، زيجات وصداقات ومشاجرات الكترونية بل أن بعض الدول أحدثت إنقلاباً في الاجراءات القانونية التقليدية وأباحت الطلاق الالكتروني وتخريب البيوت بالريموت كنترول حيث يمكن إنهاء أجمل العلاقات الانسانية من قبل طرف غاضب بضغطة إصبع واحد بلا شهود ولا توقيع ولا يحزنون!
ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن أغلب البشر قد سمعوا بالمخاطر الصحية للادمان الالكتروني التي تسببها الأشعة الكهرومغنطيسية الضارة المنبعثة باستمرار من شاشات الجوالات، التابات والكمبيوترات والتي قد تؤدي إلى إتلاف شبكات العيون وضرب فيوزات الأعصاب، ناهيك عن مخاطر حوادث السيارات بسبب الانشغال بالجوال ومخاطر الجرائم الالكترونية التي انتشرت بكثرة فقد ينتحل مجهول شخصية موظف بنك ويتصل بأحدهم ويطلب تزويده برقم حسابه بغرض إعادة تشغيل بطاقته الائتمانية التي تم إيقافها لأسباب أمنية فيسارع صاحب الحساب لتلبية الطلب وبعد دقائق تداهمه صدمة رباعية الدفع في شكل رسالة قصيرة مفادها أن كل رصيده قد تم تحويله بنجاح إلى حساب في دولة أجنبية لا يعرف فيها أي إنسان! إذن الجميع تقريباً يعرفون مخاطر الرضاعة الالكترونية والإدمان الالكتروني، فما هو الحل؟ وكيف ننفذ فتوى فطام الكبير بنجاح؟ المطلوب أولاً الاعتراف بمشكلة إدمان الكبير للرضاعة الالكترونية فالاعتراف بوجود المشكلة يمثل نصف الحل تقريباً، أما إجراءات الفطام الالكتروني للكبير فهي وجوب تحديد ساعة واحدة فقط في المساء لتصفح الانترنت، إغلاق الجوال قبل موعد النوم، إخراج الجوال من الغرفة وعدم السماح له بالنوم في سرير المستخدم بأي حال من الأحوال!
فيصل الدابي/المحامي

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.