تؤكد كل الشواهد أن فيروس كورونا، الذي لا يرى بالعين المجردة والذي شن لوحده حرباً عالمية شاملة ضد جميع دول العالم قد نجح في تعطيل الحياة الصناعية والتجارية على وجه الأرض عبر إغلاق المصانع والأسواق التجارية وصادر الحريات البشرية عبر تعطيل الحركة وشل حركة السفر البري والبحري والجوي ومازالت النتائج المدمرة لكورونا ماثلة للعيان في معظم دول العالم حتى بعد تخفيف الاجراءات الاحترازية في بعض الدول ومازالت الموجة الكورونية الثانية تهدد بالمزيد من التدهور الاقتصادي والاحتباس الاجتماعي وقد يضطر البشر الى التعايش مع كورونا لعدة سنوات قادمة، ويمكن القول إن كورونا قد دشن قدوم العصر الكوروني الحديث وقسم التاريخ المعاصر إلى تاريخ ما قبل الكورونا وتاريخ ما بعد الكورونا وأرسى على الأرض تحولات اقتصادية، اجتماعية وسياسية عالمية عميقة لا يحتاج رصدها إلى قوة ملاحظة بل يمكن للانسان العادي أن يشعر بها ويلمسها!!

قبل تاريخ الكورونا، كانت البنوك والشركات والمدارس والجامعات في العواصم العالمية تستأجر أو تشيد الكثير من المباني المجهزة بمواقف السيارات لتستخدمها كمقرات لموظفيها أو طلابها وأساتذتها، هذا السلوك التجاري القديم آخذ في الانتهاء بعد تاريخ الكورونا، الآن بدأت البنوك والشركات والمدارس والجامعات في تقليص نفقاتها عندما أصبح أغلب موظفيها أو طلابها وأساتذتها يعملون اونلاين من منازلهم دون حاجة لاستخدام السيارات ذهاباً وإياباً واكتشف الجميع أن هذا السلوك التجاري الجديد يصطاد ثلاثة عصافير بحجر واحد فهو مربح للبنوك والشركات والمدارس والجامعات، ومخفض للزحام المروي والحوادث المرورية ومقلل للتلوث البيئي في ذات الوقت!!
قبل تاريخ الكورونا، ساد عصر النفط وبعد تاريخ الكورونا وتعطل الانتاج الصناعي العالمي، انتهى عصر النفط باعتباره طاقة غير متجددة وغير نظيفة وملوثة للبيئة ورافعة للاحتباس الحراري وصارت أسعاره تعاني من الانخفاض المستمر، وبعد تاريخ الكورونا، بدأ العالم يتجه لطاقة الغاز الطبيعي المسال الأكثر نظافة من النفط ويشد الرحال نحو الطاقات المتجددة النظيفة وهي طاقة الرياح، الطاقة الشمسية، الطاقة الكهرومغنطيسية والطاقة النووية، وأصبح لسان حال مستهلكي الطاقة في العالم يقول: عصر الاعتماد على النفط انتهى، الآن يبدأ عصر الاعتماد على الطاقات النظيفة فقط لا غير!!
قبل تاريخ الكورونا كان البشر يتجمعون في مناسبات الافراح أو الاتراح ويرقصون أو يثرثرون حسب ظروف الحال، وبعد تاريخ الكورونا وصدور قوانين منع التجمعات صار البشر يرسلون لأقرب الأقرباء رسائل التهنئة أو العزاء اونلاين عبر الجوال ولسان حالهم يقول: ابعد من الشر وغني له !!
قبل تاريخ الكورونا، ساد العصر الذهبي للنقود الورقية فكان الجميع يحملونها في جيوبهم وكان بعض البشر يدللونها ويقومون بتقبيلها وكان الدفع نقداً هو سيد المعاملات التجارية في كل مكان، وبعد تاريخ الكورونا حذرت أغلب البنوك المركزية العالمية من استخدام النقود الورقية لأنها تعتبر ملاذاً لفيروس كورونا، الآن بدأ عصر السداد اونلاين عبر الهاتف الجوال، الآن أصبح بمقدور أي شخص أن يقوم بالدفع أونلاين لكافة المشتريات وفواتير خدمات الاتصالات والمياه والكهرباء وهو مستلق على قفاه ولسان حاله يصيح: القديم انتهى، الجديد جاري التحميل!!
قبل تاريخ الكورونا، كانت الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة العظمى الوحيدة في العالم، وكانت تغريدة واحدة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تؤدي لرفع أو تخفيض الأسعار في البورصات العالمية وكان اتصال هاتفي واحد من الرئيس ترامب يجبر بعض الحكام الدكتاتوريين في العالم الثالث على تغيير سياساتهم بين ليلة وضحاها، وبعد تاريخ الكورونا وتعرض الولايات المتحدة الأمريكية لأكبر خسارة عالمية كورونية وانفجار ثورة الربيع الأمريكي بسبب مقتل البوعزيزي الأمريكي جورج فلويد بطريقة وحشية على يد الشرطة الأمريكية والتي فاقمتها ظروف العطالة الكورونية، انقلب مركز السيادة العالمية رأساً على عقب، الآن يتعملق التنين الصيني ويتعملق الدبّ الروسي وتظهر الصين وروسيا في الساحة الدولية بمظهر أحدث قوتين عظميين جديدتين ولسان حالهما يقول لجميع دول العالم وللولايات المتحدة الآمريكية: القديم انتهي، الجديد جاري التشغيل!!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.