بسم الله الرحمن الرحيم

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

الطب والتطبيب رسالة إنسانية سامية تعارفت عليها البشرية منذ قديم الزمان ،وفي وطننا السودان إختلطت وإمتزجت هذه الرسالة مع قيمنا وتراثنا وتقاليدنا السودانية الأصيلة والتي توارثنها  أب عن جد ضاربة في القدم ، إضافة إلي ما تمليه علينا تعاليم ديننا السمح من الفزعة وإغاثة الملهوف وإزاحة الأذي عن الطريق والاذي هو سنة من سنن المصطفي عليه أفضل الصلاة والتسليم.

 

نعم إن التكافل ومد يد العون في لحظة العسرة جزء من تراثنا إلي وقت قريب ، ولكن آفة عبادة المال والذهب والدينار ، وقصور نظرتنا إلي كنز المال والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ، وبعدنا  بآلاف السنين الضوئة عن تلك الإخلاق السودانية والشهامة والمروءة والكرامة وإغاثة الملهوف وكسوة العريان ولقمة للجوعان وعيادة المريض وغيرها من كثير من تلك القيم والمثل والأخلاق السودانية الأصيلة ، وصرنا أقرب إلي قارون وكنزه للمال بكل الطرق ، ولهذا قلت المروءة بل إنعدمت ، وتدهورت الأخلاق إلي هاوية سحيقة وصارت الغلبة لقانون الغاب، بل وصل بنا المطاف إلي تقديم  المال وكثرته علي  ما سواه من قيم وأخلاق، حتي صرنا عبدة له وإرتهنا القيم والتراث والسلوك والتعامل بما يملكه الفرد من مال.

 

 نعم كما أسلفنا القول فإن الطب هو رسالة إنسانية ، وقد كان إلي وقت قريب كذلك هو خدمة يجدها المواطن أينما كان في ربوع الوطن مجانا وزمانا، ولكن اليوم ليس هنالك خيار للشعب السوداني في إختيار مكان العلاج ، بل أينما ذهب عليه أن يدفع حتي ولو كان حالة مستعجلة ، بل حتي الإسعاف والذي يفترض فيه أن يسعف المريض لأقرب مكان ليتلقي فيه العناية الطبية لإنقاذ حياته ،عليه أن يدفع تكلفة الترحيل عبر الإسعاف، والإستثناء هو إسعافات وزارة الصحة الإتحادية والتي تقوم بذلك مجانا خدمة للمريض .

 

نعم الحالة المستعجلة هي حالة إستثنائية تداهم المواطن دون سابق مقدمات وإنذار،وقد تأتي في ظروف زمانية ومكانية غاية التعقيد  لايمكن للمريض وأهله من توفير ولا  فرطاقة من أجل دفعها لتلك الموءسسة العلاجية الخاصة  عندما تنعدم الخدمة في مستشفيات الدولة  والتي تقدم مجانا للحالات المستعجلة ، ومع ذلك فوزارة الصحة هي وزارة خدمية كانت تمنحها المالية جميع الإمكانيات المادية  فيما مضي من أزمنة ولهذا فالخدمات الطبية كانت مجانا وبالكامل، ولكن اليوم  ينظر كثير من أهل  سلطة المال علي أن وزارة الصحة يجب أن تكون بقرة حلوب حتي من دخل الأبواب وبعض العمليات الجراحية والفحوصات  وغيرها.

 

نعم ، الموءسسات العلاجية الخاصة هي ذات صفة ربحية صرفة ، ولكن علينا أن نقر بأن  بعضها  وإن كان هدفها الربح ولكن لها تعامل إنساني في كثير من الحالات ، وجزء منها تعامله ربحي صرف لايعرف من يجلسون علي كراسي إستقبالها  التعامل مع البروف الطبيب المريض والذي اجبرته ظروف المرض بعد منتصف الليل  ليلج من بوابتها طالبا المساعدة من علة مستعجلة  يوجد جزء من تسكين الألم بها، فيطالبون بدفع الأمنية بالملايين  قبل دخول البروف الطبيب للموءسسة العلاجية الخاصة ، ومادروا أن ذلك البروف الطبيب  وكل قبيلة الأطباء هم العمود الفقري  لتلك الموءسسة العلاجية الخاصة .

 

 نعم الأطباء  وأسرهم ليست لديهم حصانة من المرض  ، وهم بحكم أنهم يقدمون تلك الخدمة العلاجية لكل الشعب السوداني في العام والخاص ، فحري بالدولة أن تضع لهم خصوصية عندما يفاجئهم المرض وهم  في تلك اللحظات لايملكون أمنية العلاج عندما تنعدم الخدمة الطبية بمرافق الدولة،

 

نعم الإنسان هو إنسان مهما كان وضعه المادي والعلمي والمجتمعي ، ولكن نعتقد أن الطبيب وهو حالة مستعجلة  يجب أن تكون له حالة خاصة في  الموءسسات العلاجية الخاصة عندما يطرق بابها ليلا، والطبيب  وقبيلته سيدفعون  فاتورة العلاج كاملة عندما يصبح الصبح وتشرق الشمس.

 

نعم كثير من المرافق تعطي إمتيازات لجميع العاملين بها ، ولكن تنعدم هذه الحالة في  الصحة خلف التأمين الصحي بشقيه القومي والولائي وغيره وبيروقراطية الإجراءات عند الحالة المستعجلة وهل يغطي التأمين هذه الحالة أو تلك ؟ وهل هذه الفحوصات خارج المظلة ؟ وهل هذه العملية أو تلك الروشته لايمكن صرفها لأنها أيضا خارج المظلة؟ نعم التأمين الصحي هو وسيلة حضارية  تهدف إلي تقديم الخدملت الطبية للجميع المؤمن عليهم، ولكن هل  يتم تقديم جميع الخدمات والتي يحتاج إليها المريض تلك اللحظة؟ ثم فوق ذلك لنفترض أن هذا الطبيب المريض لايملك بطاقة تأمين لسبب أو لآخر ، ولكن توجد هذه الخدمة في مرفق خاص، وتمت مداهمة المرض للبروف الطبيب  ليلا ، وهو يملك من المال ما يكفي ، ولكن ليس بحوزته في تلك اللحظة، فهل يكتب شيكا ؟؟ أو يضع مجوهرات زوجته أمنية حتي تشرق الشمس وتفتح البنوك ؟؟

 

 أليس هذا عيبا وخللا في نظمنا ولوائحنا الوضعية أيا كانت؟ الطبيب مقدم الخدمة للمواطن عندما يحتاجها هو شخصيا  وهو حالة مستعجلة بعد منتصف الليل ،  لايجدها إلا بعد دفع المعلوم  وإن كان ملايينا!!!ماذا نسمي هذا بربكم؟؟

 

نعم إن ظلم ذوي القربي لأشد مضاضة من الحسام المهند ، وعليه فإنه حريا بنقابة الأطباء الغير منتخبة ديمقراطيا ، والتي يتبوأ صديقي بروف كبلو قيادتها تعيينا سكوتيا بليل مظلم ، وإن كنا لانشك في وطنيته وتجرده ووقوفه إلي جانب الأطباء والمواطن ، ولكن نعتقد أن واجبه تجاه الطبيب فيه كثير من التقصير والإهمال ، وعندما يكون ذلك  عيانا بيانا، فكيف بمسئولية النقابة تجاه المواطن وهو في أسوأ حالاته وهو مريض  يحلم بجرعة دواء علي سرير عنبر من طبيب بعد فحص مجاني.؟؟؟

 نعم النقابة كان  لها دور مشهود ليس في مجال تحسين الخدمات الطبية سابقا ،  ولكن في كل ما يهم الوطن والمواطن وليس ببعيد دور قبيلة الأطباء ونقابتهم  المنتخبة في إكتوبر و إنتفاضة رجب أبريل ، بل دورهم في  بداية عهد إنقلاب يونيو 1989 وإضرابهم المشهور ذلك.

نعم نرسلها  داوية لنقابة الأطباء أن تعمل من أجل تحسين بيئة ومناخ وظروف العمل للطبيب أينما كان في ربوع الوطن حتي ينعم المواطن بخدمات طبية متكاملة وحتي يعود لوزارة الصحة  دورها المتعاظم نحو المواطن ، فالعقل السليم في الجسم السليم وتنمية الأوطان تعتمد أولا وأخيرا علي صحة الأبدان والعقول ،

 

كما نرسلها لتجمع الموءسسات العلاجية الخاصة والتي تعتمد في  إستمرارية تقديم الخدمات الطبية  للمواطنين عندما يلجأون إليها مستشفين من علة ما  علي قبيلة الأطباء، أن يتواثقوا علي إستقبال جميع الحالات المستعجلة  ، نكرر  المستعجلة ، لقبيلة الأطباء وأسرهم لحظة طلب المساعدة عندهم ، وعلي أقل تقدير لمدة ال24 ساعة الأولي،وهذا متعارف عليه في كل الدول والتي رأيناها ووطئت أقدامنا أرضها(والتي يطلقون عليها بلد الكفر والإستعمار)، عندما يأتيهم مريض وهو حالة مستعجلة ، يتسارعون في تقديم المساعدة له مهما كانت تكلفتها ، فهو إنسان قد كرمه الله وهو خليفة الله في أرضه ، نعم هم كذلك ينظرون للأنسان دون لونه اوجنسه أو دينه فيقدمون له المساعدة  لأنه حالة مستعجلة، ونحن  هنا والطبيب البروف حالة مستعجلة لابد له من دفع الأمنية حتي ولو أتي بعد منتصف الليل،فتضطر الزوجة والأهل والأقارب والمعارف عبر التلفونات من إيجاد الأمنية ، وهذا يحز في النفس ويزيد المعاناة ،ونحن دولة رسالية ، دولة إسلامية ستقود العالم أجمع، ولكن إلي أين وأي طريق سيسلك قادتنا؟؟ والذنب ليس من يجلسون في الإستقبال ، ولكن صاحب الموءسسة العلاجية الخاصة يصدر التعليمات ، فالمرفق ربحي في المقام الأول

 

 إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن ذهبت أخلاقهم ذهبوا، وهكذا وصلت أخلاقنا إلي  هاوية السقوط ونسينا الفضل بيننا ، وإن كانت دولتنا دولة جباية فقط ، فكيف بتلك الموءسسات العلاجية الخاصة؟؟؟

 

رحمك الله بروف عثمان مختار بكاي  إستشاري النساء والتوليد ورئيس القسم بطب جوبا، كنت إنسانا تحمل في جوفك  هموم الوطن والمواطن  ، كنت عالما وأستاذا لايشق لك غبار،علي مدي  ما يقرب  من الأربع عقود كنت شعلة متوهجة أضاءت دروب رسالة الإنسانية في جميع ربوع الوطن ، عرفتك أصقاعه ووديانه وجباله  وصحاريه ، أينما حللت كنت الإنسانية وكنت البلسم الشافي لكل من أتاك مستشفيا، لم تغادر الوطن إطلاقا من أجل دراهم وعرض دنيا زائل ، بل ذهبت من أجل العلم وعدت تحمله في جنباتك  وما بخلت به يوما علي مريض، عرفك زملاء دفعتك بطب الخرطوم قمرا منيرا ، وعرفك زملائك إختصاصيي النساء والتوليد عالما في مجالك ، وطلابك في كليات الطب كنت لهم نعم الأستاذ والمربي والصديق والناصح، وجميع الكوادر الطبية لا يذكرونك إلا بالخير، أخي وصديقي عثمان طبت  وأنت في ذلك البرزخ  مع الصديقين والشهداء وقد ودعت هذه الفانية وليس في جوفك إلا حب الأنسان والإنسانية وتلك البسمة التي لاتفارقك ، فنم هادئا في جنات الخلد في ضيافة الرحمن ، نعم أنتم السابقون ونحن غدا لاحقون بإذن الله.

  أدعو له بالرحمة