عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لقد ظللت أكرر منذ زمنٍ بعيد جداً وأقول إنَّ المعارضة الواعية هي صمام أمان البلاد، وأنَّنا في حاجة لمعارضة رشيدة كحوجتنا لحكومة رشيدة. فالمعارضة الرشيدة هي التي تقوِّم الحكومة وتحفظ هيبة الوطن وتقطع عشم الطامعين الذين يبحثون عن عملاء لهم يخدمون مصالحهم في بلادنا خاصة ومنطقتنا عموماً.
إنَّ ما يجب أن يعلمه كل مواطن من أهل السودان، أو مهاجر له، أو زائر مقيم فيه، أنَّ معارضة الوطن وخيانته حرامٌ شرعاً وجريمةٌ يمنعها الدستور، ويعاقب عليها القانون، ويستنكرها العقل، ويعافها العُرف ويؤنِّب عليها الضمير الوطني. فلهذا يجب ألّا نهدم الوطن من أجل اسقاط حكومة من حكوماته مهما طغت وتجبرت واختلفنا معها.
إنَّ المعارضة يجب أن تفرق بين الثابت والمتحول في السياسة. فالثابت هو الوطن وقيمه وتاريخه، والمتحول هو نظام الحكم وشخوصه. فيجب أن نكون قادرين على التمييز بين الأهداف لحظة التصويب السياسي الرامي للاسقاط. فالوطن ليس هدفاً للإسقاط مطلقاً وإنَّما الحكومة هي الهدف إذا لم تكن حكومة راشدة. حينها يجوز لنا التصويب عليها من أجل إستبدالها بحكومة أخرى وهذا حقٌ يكفله الشرع، ويكفله الدستور، ولا يعترض عليه العقل، ولا يأباه العرف ولا يؤنب عليه الضمير.
إنَّنا نحتاج لأن ننص بوضوحٍ تام على هذه المفاهيم في دستورنا القادم. وكذلك يجب أن نفرضها نصاً صريحاً في دساتير أحزابنا جميعاً ولا يسمح لأي حزب من الإحزاب بالتسجيل القانوني الذي يكفل للحزب حق الممارسة السياسية إلا إذا نص دستوره بوضوح تمام على منع قيادات الحزب وأعضائه من معارضة الوطن في أي ظرفٍ من الظروف. وليس ذلك كافياً بل على المنهج التعليمي في بلادنا في كل مراحله الدراسية أن يغزي هذه القيمة في نفوس أطفالنا وشبابنا.
هذا الفهم سيساعد لا محالة في تطوير مفهوم المعارضة في بلادنا ويدفعها للعقلانية التي تساعد على الإقرار والاعتراف بوجودها بشكل شرعي ودستوري وقانوني فتكون جزءاً متمماً للعملية السياسية في بلادنا.
وللأسف إنَّ طبيعة العلاقة التاريخية بين الحكومة والمعارضة في بلادنا كانت ومازالت تحددها طبيعة الأنظمة السائدة منذ الإستقلال. فالأنظمة غير الحزبية أو الثورية أو الشمولية لا تسمح بوجود أحزاب في الحياة السياسية ولا توفر لها البيئة المعافاة التي تعمل فيها مما دفع ببعض المعارضين في تاريخنا السياسي القديم والحديث للإرتماء في أحضان الأعداء من أجل إسقاط الحكومة والتخلص من جبروتها من غير اعتبار لمكانة الوطن وحقه وسمعته وتاريخه وممتلكاته ومواطنه.
فنحن إذن أمام مشكلة حقيقة تتطلب العمل الجاد لدراسة الكيفية التي يمكن أن يتم بها إشراك المعارضة في العملية السياسية. وقد آن الأوان من غير عصبية ولا إقصاء ولا تعنت وعناد أن نضع قاعدة مشتركة في إطار سياسي عام نحدد به أسس وأخلاقيات المشاركة في الحياة السياسية، بما يُلبي طموحات الحكومة والمعارضة على حدٍ سواء فينتفع الشعب والوطن من هذه المدافعة السياسية العقلانية الحريصة على تراب الوطن بمن فيه وما فيه من خيرات.