عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قبل أيام قليلة أتجهت عدد من الفتيات من جماعة ما يعرف بالفيمينست لمقر تجمع المهنيين حاملين لافتات كُتِبَت عليها عبارات تشجب و تندد التهميش و الأستعلاء الذكوري على المرأة السودانية من قيادات قوى الحرية و التغيير في فترة ما بعد سقوط نظام الأنقاذ .
بداية وجب علينا أن نوضح معنى كلمة ( فيمينست ) للقارئ الكريم قبل أن ندلف للحديث عن هذه الوقفة ؟
فيمينست كلمة تُطلَق شيوعاُ على الفتاة التي تُطَالِب بحقوق النساء ، و الفيمينست كجماعة هي حركة عالمية نسوية تدعو عموماً إلى الأعتراف الكامل بأن للمرأة حقوقاً و فرصاً مساوية للرجل في مختلف مستويات الحياة العلمية و العملية.
النسوية الكندية الشهيرة في الجماعة لويز توبان ترى تعريفا آخر بعيدا عن الفهم القاموسي للكلمة ، تُعَرِفُه بأن ( فيمينزم ) هي عملية إنتزاع وعي فردي في البداية ، ينتقل فيما بعد ليكون وعي جمعي ، متبوع في الأخير الى ثورة عامة ضد موازين القوى الجنسية و التهميش الكامل للنساء في لحظات تاريخية محددة.
يتذكر الشعب السوداني بأكمله والذي وقف مشدوهاً يومها وهو يشاهد في إحدى حلقات برنامج ( شباب توك شو ) وكانت بعنوان ( ماذا تريد المرأة السودانية ؟ ) تلك الفتاة حديثة العمر وئام شوقي وهي تناكف شيخاً وقوراً وهو رئيس هيئة علماء السودان، تطالبه بالحرية المطلقة للنساء ، وتلقي باللائمة على الدين فيما آل إليه حال البلاد .
أعتقد أن هذه الناشطة كانت وقتها خير من يمكن أن يمثل التوجه المبدئي لهذه الحركة العالمية !
كانت النساء من أكثر الفئات المجتمعية التي ذاقت الويل و الضيم من نظام الأنقاذ ، والمؤسف له أن نعترف بإن السودان الذي تقدم الأمم في الشرق الأوسط وأفريقيا في الحقوق التي اكتسبتها المرأة في مجتمعه منذ ما قبل وبعد الأستقلال ، وجدناه يتقهقر عائداً الى عهد القرون الوسطى في العقود الثلاثة الماضية التي حكم فيها هذا النظام البلاد عبر قانون و شرطة ما يعرف بالنظام العام .
كانت المرأة تواجه عبر هذا القانون المعيب عقوبة الجلد بأربعين جلدة ودفع غرامة في حال إدانتها بتهمة ارتداء البنطال، أو ما يوصف بأنه “زي فاضح” استنادا إلى المادة 152 ، غير أن المادة ذاتها لم تخض في تفسير أو تفصيل ضوابط وشكل هذا الزي، لذلك وجدنا أنها تركت الأمر في الأخير للشرطة لتحديد ماهية اللبس الفاضح أو المخل .
هذا الأمر كان يُوَاجَه دوماُ في الشارع العام بسخط شعبي كبير لأن طبيعة المجتمع السوداني المحافظة في ظني إعتادت أن تكون الرقابة على المرأة تحديدا تقع في إطار العادات و الأعراف و التقاليد الأسرية و المجتمعية .
أي أن الأسرة في الدرجة الأولى ثم المجتمع في الدرجة الثانية من بيده مفتاح منح أو كبت الحرية للمرأة ، لكن أن يترك الأمر للحكومة بنظرة أيدلوجية بحته تمارسه على الطريقة الأفغانية الطالبانية من خلال رأي و تقييم أي عسكري في هذا الشرطة سيئة السمعة للحالة التي أمامه ، هذا ما كان مرفوضاً و غير مقبول لقطاعات واسعة من الشعب السوداني .
أبلغ مثال لذلك أنه وفي ظل الرفض الشعبي الكبير لممارسات النظام القمعية على لبس النساء عبر قانون النظام العام ، ظهرت الفتاة وئام شوقي في القناة الألمانية تطالب بمنح المرأة السودانية حرية الحركة و التنقل و اللبس كيفما تشاء ، وتعدت ذلك الأمر بأن هاجمت الحكم الأبوي و الزواج كمؤسسة راعية للأسرة ، فواجهت بعدها ما واجهته من موجة كبيرة من الهجوم و السخط و التهكم و الأزدراء من قبل معظم فئات المجتمع على أختلاف الأسباب و الدوافع لذلك الهجوم .
جاء بعدها الناشط السياسي المعروف البوشي ومن منصة أعتصام القيادة العامة ليجدد التذكير بهذه المطالب ظنا منه أنها ستجد القبول الشعبي بعد سقوط النظام ، ليتراجع بعد أقل من يوم واحد عن كلامه، ويعتبره قد أُخرج من سياقه ، عندما واجه أيضا موجة من الغضب و الهجوم أقسى من تلك التي واجهتها وئام شوقي ، دفعته دفعا في الأخير للتأكيد على أنه إبن بيئته و مجتمعه السوداني بعاداته و تقاليده المحافظة !
أعتقد أن أكبر معوق لأستعادة المرأة السودانية لدورها الطليعي في المجتمع ، و لأستعادتها لكامل حقوقها في الحياة العلمية و العملية هي تلك الأصوات النشاذ التي تظهر بين الفينة و الأخرى لتسجن نضال المرأة وتحصر معركة مطالبها في حرية لبس البنطلون وحرية الحركة و التنقل في الشارع آخر الليل كيفما تشاء !
الفتيات اللاتي وقفن أمام مقر تجمع المهنيين ، يُحمَد لهن أنهم لم يتطرقوا لقضية حرية اللباس و حرية التنقل و الحركة للمرأة بالشكل المبتذل الذي تطرق له سابقا البوشي و وئام شوقي ، فقد كانوا يحملون لافتات منددة بسياسة التمييز النوعي سياسياً ضد المرأة السودانية خصوصا بعد مشاركتها الكبيرة و المميزة في الثورة .
عند قراءتك لما كُتِبَ في هذه اللافتات تلحظ أن معظم شكواهم تركزت على حول مسألة التهميش السياسي و الظهور القيادي الضعيف لهن في منصات الأعلام الثوري و المفاوضات السياسية مع المجلس العسكري ، رغم الأدوار الكبيرة و التضحيات الجسام المعلومة التي قدمتها المرأة جنبا الى جنب مع الرجل لأنجاح ثورة ديسمبر – أبريل المجيدة .
فمثلاً تجد أن إحدى اللافتات كُتب عليها ( تشكرونا في المظاهرات و تنسونا في المفاوضات ) ، و لافته ثانية كُتِب عليها أيضاً ( كاروهات تعرف .. بلوزات ما تعرف ! ) ، و أخرى ثالثة صِيغَت بلغة دسيس مان كُتِبَ عليها ( كنداكة أمشي البيت ... مفاوضات مافي ليك ... التجمع بشغلها ليك ) ! .
من الطبيعي أن نُذكِر بإن هذه الجماعة وإن أختلف البعض في شكل و منهج توجهاتها إلا أنها في هذه الوقفة تحديداً أشارت بمصداقية كبيرة لنقطة ضعف واضحة في التمثيل النسوي القيادي لتجمع المهنيين خصوصاً و قوى إعلان الحرية عموماً .
ولأن الأمور تسير دوما في السودان عكس المخطط و المأمول له ، فأن المراقب الطبيعي لتسلسل الأحداث السياسية لهذه الثورة كان سيتوقع بداهة أن تكون جماعة مثل ( الفيمينست ) هي إحدى لوبيات الضغط التي يمتلكها تجمع المهنيين على قوى الثورة المضادة والتي كانت سبباً في أنتهاك حقوقها في السابق .
لكن أن تجأر هذه الجماعة بالشكوى وتمارس ضغطها الآن على قوى الثورة الحقيقية التي أستأمنتها على إستعادة حقوقها ، و تُبدي أحباطها من المسار الأداري لتجمع المهنيين و الذي همش المرأة في التمثيل القيادي ... هذا ما يثير بالفعل التعجب و السخرية و الطرفة .
لا يختلف أثنان أن هذا الفعل الأحتجاجي مشروع ، ويتسق تماما مع الحقوق التي تكفلها الدولة المدنية الحضارية لمواطنها ، ولكنها تبقى خطوة في المنظور السياسي و الأستراتيجي بتوقيت خاطئ يخدم بشكل غير مباشر قوى الثورة المضادة ( الكيزان ) في الضغط على تجمع المهنيين ، أو تشويه صورته أمام الرأي العام على أقل تقدير .
هذه الجماعة لم تقتنع بالظهور الدائم و المميز لدكتورة مريم الصادق المهدي و المسنود قطعا بحزب جماهيري كحزب الأمة القومي و رعاية أبوية كارزمية ممثلة في السيد الصادق المهدي .
ولم تقتنع أيضا بالظهور المتقطع والخجول لميرفت حمدالنيل في بعض جلسات المفاوضات مع المجلس العسكري أوبعض المؤتمرات الصحفية لتجمع المهنيين ، لذلك لم تراعي أي ظروف سياسية أو توقيت مناسب لهذه الوقفة الأحتجاجية ، فقررت في هذا المنعطف الخطير من مسار الثورة أن تقرع جرس الأنذار علناً وبالواضح ما بالدس أمام بوابة مقر تجمع المهنيين .
كان من المهم مراعاة المناصفة شكلا و مضمونا لمشاركة المرأة في التمثيل القيادي في تجمع المهنيين أو قوى إعلان الحرية و التغيير حتى لا تخسر قوى الثورة يوما بعد يوما أطرافه التي ساهمت بقوة في تصدره للمشهد السياسي .
أعتقد أن هذه التهم ربما كانت لتختفي من الواجهة المطالبية لهذه الجماعة، و كانت ربما ستظهر بدلا عنها قضايا و مطالب أهم للمرأة السودانية من مسألة الظهور الأعلامي أو التمثيل القوي في المفاوضات مع المجلس العسكري ، لو أن قوى الحرية و التغيير دفعت بالفعل الى الواجهة الأعلامية وحتى في غرف التفاوض عدد مقدر من قياداتها من الجنس اللطيف ، وهذا لعمري حق أصيل لهن لأن الثورة السودانية لولا مشاركتهن المميزة فيها بأتفاق الجميع لما نجحت ولما أستمر زخمها و حضورها بقوة حتى لحظة خلع البشير .
نعم تقدمنا كثيرا على عديد من الأمم في المشاركة النوعية للمرأة السودانية في مختلف القطاعات المهنية و الأنتاجية ، نذكر منها على سبيل المثال و ليس الحصر :
( أ ) وصول المرأة السودانية لقبة البرلمان قبل نظيراتها العربية و الأفريقية ، ثم رفع الكوتة النسائية في البرلمان من 10 % عام 1991م الى 30 % في آخر تعديل قانوني .
( ب ) وصول المرأة السودانية لمنصب القاضي قبل أكثر من عقدين من الزمان في الوقت الذي كانت فيه هذه الوظيفة حكرا للرجال في الجارة القريبة مصر .
( ج ) تقلد عدد مقدر من النساء عمادة الجامعات و الكليات ، دون أن ننسى ذكر الأخت و الصديقة حاجة عثمان التي ولجت مؤخرا كأول سودانية عالم الطيران و أصبحت فيه أول كابتن سودانية تقتحم هذا المجال وسط الرجال .
ولكن كل ذلك الزخم و الماضي المشرق لا ينفي ولا يلغي تماما أن وضع المرأة السودانية اليوم متأخر و متأزم ، وأن هنالك معوقات كثيرة تقف سدا منيعا لتصحيح هذه الأوضاع الشائهة لنصرة قضايا المرأة السودانية ... نذكر منها على سبيل المثال :
( أ ) التركة السياسية و الأيدلوجية السلبية الثقيلة التي تركها لنا نظام الأنقاذ في قمع و إذلال المرأة من قبل الدولة و مؤسساتها الأمنية و النظامية .
( ب ) مجتمع يخلط دوما بين الدين و تعاليمه السمحة والتي منحت المرأة مساحة كبيرة للفعل العام ، وبين الأعراف و التقاليد المتوارثة .
( ج ) العشوائية و التخبط الواضح و الكبير للناشطين في هذا المجال في مسألة وزن الخطاب العام الموجه للمجتمع تجاه معالجة هذه القضايا الحساسة ، وضرورة ترتيب الأجندة و الأولويات التي تَهُم و تخدم حلحلة المشاكل و الهموم الكبيرة التي تعاني منها المرأة ، خصوصا فئة النازحين و المتأثرين بالنزاع المسلح في مناطق الحروب .
( د ) نظرة تقليدية متخلفة من النخب السياسية تجاه الدور الذي يمكن أن تلعبه المرأة في العمل العام السياسي ، في ظل إختزال نمطي لأدوراها في مناصب محددة في الدولة ( الرعاية الأجتماعية ، و الأمومة و الطفولة ، و التعليم ) .
ختاما ما يمكن قوله أن الجديد الذي يُمكِن أن تقدمه لنا قوى الثورة في هذه القضية القديمة و المتجددة هو ضرورة الدفع سريعا بعدد مقدر من النساء في المناصب القيادية خصوصا إذا ذكرنا أنهن لا تعوزهن الكفاءة لتلك المناصب .
كما يجب أن تُعلي قوى الحرية و التغيير عموما و تجمع المهنيين تحديدا من صوتهما إعلاميا في معركة الدفاع عن قضايا و حقوق المرأة ومخاطبة مظالمها و إنصافها عاجلا غير آجلا .
كما يجب أن تمنح هذه القوى الثورية ولو مرحليا هذه الهموم النسوية أهمية قصوى و تخرجها من عباءة الجماعات و المنظمات المتخصصة فيها مثل ( الفمينيست و لا لقهر النساء و الأتحاد النسائي السوداني ) لتنصب نفسها موضع الفاعل وليس نائب الفاعل في الجملة السياسية لهذه القضية .
هذا الأمر ليس تقليلا من شأن و دور هذه الجماعات و المنظمات و الأتحادات ، ولكن لكي نقول لهم وفي إطار الخطة الأسعافية الوطنية الشاملة التي سوف تنتظم كل الدولة ، أننا جميعا معكن صفا واحد لدعم و أنصاف حقوق المرأة السودانية ، وعودتها لتلعب أكبر الأدوار الفيصلية في المجتمع و لتتبوء أهم المناصب الحساسة في الدولة .