عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

       

        "سحرتني الجزيرة" هو مطلع الأغنية الشهيرة، التي ترنم بها، قبل عقود عدة، فنان الجزيرة المعروف، الخير عثمان. كُتبت كلمات هذه الأغنية يوم أن كان للجزيرة سحر. وسحر الجزيرة الذي سبى أفئدة الشعراء وحرك اللهاة واللسان لدى أكثر من مغني، إنما هو في أحد جوانبه، سحر التنمية. وسحر التنمية له سلطانٌ كسلطان سحر "هاروت"، الذي جعله الشاعر علي المساح بضعاً من سحر أعين التي فتنته! قال المساح: ((هاروت سحرو مأخوذ من سحر عينانك))! أيضاً، سحر الجزيرة هو السحر الذي أذاب، في تجلي آخرن معارضة الشيخ عبد الباقي، "أزرق طيبة" الكبير، للإنجليز حين جاءوا بمعداتهم لإنشاء المشروع المروي، وشرعوا في تسوية أوضاع أراضي الأهالي. قال الشيخ الملهم بابكر بدري، إن الشيخ عبد الباقي اعترض على قيام المشروع، حين وصل إلى بلدته، جنوب غربي مدني. قال الشيخ الحكيم بابكر بدري أنه أراد أن يجنب الشيخ عبد الباقي مواجهةً مع الإنجليز لن يكسبها، وستكون لها، حسب رأيه، عواقب ضارة. فالشيخ بابكر بدري، الرجل ذو الوجدان الحداثي، كان يعرف أن المشروع سوف يجعل حياة الناس أفضل مما هي عليه، وشتان ما بين الزراعة المطرية، الموسمية، وبين الري الانسيابي الدائم. تمكن الشيخ بابكر بدري من إثناء الشيخ عبدالباقي عن معارضته للمشروع. ونزل الشيخ عبد الباقي عند رأي الشيخ بابكر بدري، ثقةً في حكمة الرجل الذي عركته التجارب. ويحدثنا الشيخ بابكر بدري قائلاً، إن الشيخ عبد الباقي حين رأى الخضرة التي انبسطت حول القرية في غير موسمها، ورأى الحياة التي دبت حولها، ورأى الأنعام ترتع في اللوبيا، سُرَّ سروراً عظيماً. وهكذا كسب الشيخ بابكر بدري، بحكمته المعروفة، وببصيرته النافذة، نصيراً كبيراً للتمنية، هو الشيخ عبد الباقي ود الشيخ حمد النيل، "أزرق طيبة" الكبير، سليل الأكرمين، العابد، المشمِّر، الذاكر، الزاهد، الورع.

 

طريق الخرطوم مدني!

        زرت الجزيرة قبل أسبوعين تقريباً، ورغم أنني زرتها بضع مراتٍ منذ عودتي من غيبةٍ متصلةٍ عن البلاد، امتدت لسبعة عشر عاماً، إلا أن الجديد في هذه الزيارة، هو أنني قمت بقيادة السيارة بنفسي، على ذلك الطريق المسمى "طريق الموت"، ولأول مرةٍ، منذ أكثر من عشرين عاماً. أن تقود السيارة بنفسك يوفر لك من المعلومات، ما لا يوفره لك ذهابك على الطريق، وأنت مقود بواسطة شخصٍ آخر. فتجربة القيادة على طريق الخرطوم مدني، الذي ظل على حاله، لأكثر من أربعين عاما،ً تمثل في حد ذاتها مصدراً مهماً للمعلومات عن التدهور المريع الذي أصاب الُبنى، واضاب مسلك الناس. تدهور الطريق وذهب عنه استواؤه القديم الذي تجلت فيه الهندسة الأمريكية، ممثلة في المعونة الأمريكية، التي نبحتها كلاب العروبيين، واليسار، عقب حرب حزيران 1967م، فخرجت من البلاد طاويةً ذيلها. أصبح الطريق، بعد أربعين عاماً من إنشائه، مليئاً بـ "الكراضيم" و"اللكاديم". و"الكراضيم" هي جمع "كُرْضُمَّة"، و"اللكاديم" هي جمع "لُكْدُمَّة". وكلاهما تعنيان في العامية السودانية، الشيء الناتئ. هذه "الكراضيم"، و"اللكاديم"، تأتيك على غير موعد، وأنت تنهب الطريق. فالمسؤولون عن المرور، وعن سلامة الناس، المشغولون بالجبايات، وتحرير المخالفات المرورية، لا وقت لديهم لوضع لافتات تنبه السائقين لتلك الكراضيم واللكاديم، رغم أنهم يعرفون، أكثر مما يعرفون جوع بطونهم، أن الجهات المسؤولة عن صيانة الطريق، لا نية لديها لإصلاحه، وتسويته وإرجاعه إلى سابق عهده. فالترقيع في السودان لا يمثل إجراء مرحلياً، وإنما إجراءً دائماً، يستمر حتى يستعصي الفتق على الراتق. ومتى رجعت منشأةٌ في السودان إلى سابق عهدها؟! إن لم يتنبه السائق لتلك "الكراضيم" و"اللكاديم"، وأنَّى له أن ينتبه، اللهم إلا إن كان ممن يعلمون الغيب، ثم عبر تلك النتوءات بسرعة ثمانين، إلى مائة كيلومتر في الساعة، فإن سيارته لابد مقذوفة في الهواء بضعة أقدام. هذا هو حال الطريق بالنهار، فكيف به يا ترى في الليلً، حين تواجهك مصابيح السيارات القادمة من الاتجاه المقابل، فتعشي ناظريك، وتصبح القيادة مبنية على الحدس والتقدير، لا على المعلومات البصرية المؤكدة؟! أرجو ألا تضطر الظروف أحداً من الناس للقيادة في هذا الطريق ليلاً. أقول هذا رغم علمي أن الناس مضطرون لفعل ذلك كل يوم.

 

تردي السلوك المروري!

تدهور سلوك سائقي المركبات، في العقدين المنصرمين، في العاصمة وما حولها تدهوراً مريعاً. والتدهور المريع في أساليب القيادة، واحد من علامات التراجع في المسلك المتمدين. وحين يتراجع السلوك المتمدين، تتقدم، وبالضرورة، الجلافة، لتحل محله. وهكذا، أصبحت الجلافة، والفظاظة، و"الإيدية" هي العملة الوحيدة السائدة، المبرئة للذمة على الطرق. وغني عن القول إن التراجع في الانضباط في أساليب قيادة المركبات، يمثل واحدة من علامات انحلال سلطة الدولة، واضمحلال حكم القانون، وتردي الفهوم والذوق العام لدى الأفراد. ونحن، والحمد لله الذي لا يُحمد على مكره سواه، لم تكن لنا دولة حديثة، منذ أن خرج منا المستعمر، وآلت أمورنا إلى السياسيين، والبيروقراط، الغارقين في تدليل الذات، وفي الاستهانة بشؤون البلاد، والعباد. مسؤولونا لا يرون غير الأوراق في مكاتبهم، و عالم الشاشة البلورية، وعالم المايكرفون، وصفحة الصحيفة، وقاعات المؤتمرات، حيث يدلون بالتصريحات. أما عالم الواقع، فهم عنه عمون!

 

قطعت على هذا الطريق ثمانين كيلومتراً فقط، هي كل المسافة التي تفصل بين الخرطوم وبين منطقة ود الترابي، حيث أقصد. في هذه الثمانين كيلومتراً، أحصيت العديد من السيناريوهات المرورية، التي كان من الممكن جداً أن تتحول، في رمش العينٍ، إلى حوادث مميتة. ما يقلل من نسبة الحوادث، على كثرتها المريعة، أن هناك بقية من فضلاء، وعقلاء، لا يزالون ممسكين بأعنة أنفسهم، ولا يزالون قادرين على أن يتنازلوا عن حقهم في الطريق، للرعناء، والمتهورين، والأجلاف. استمعت إلى واحد من كبار ضباط المرور، وهو يتحدث في واحدة من إذاعات الـ FM قائلاً، إن سبب الفوضى المرورية، هو جهل المواطنين، والسائقين، بالقواعد المرورية!! فقلت: ما شاء الله، تبارك الله، على القدرات التحليلية الرائعة!! من يا ترى منح هؤلاء السائقين رخص القيادة، ما داموا يجهلون القواعد المرورية؟! فهل نسي سعادة الضابط، أن شرط نيل رخصة قيادة يتم بناء على اجتياز امتحان نظري في قواعد المرور؟! وهل علم سعادته أن قواعد المرور يتم تدريسها في المدارس، في بعض الدول، ضمن المنهج المدرسي، وأن المدارس الثانوية الأمريكية، على سبيل المثال، تعد الطلاب لنيل رخص القيادة، إعدادا علمياً أكاديمياً، بل تملك بعض هذه المدارس عددا من سيارات التدريب، لتدريب الطلاب، عملياً، على قيادة السيارات، تحت إشراف متخصصين؟!

 

الريف الأدنى الذي مات!

الخروج من الخرطوم إلى الريف يؤكد للمرء أن الإنقاذ قد حولت السودان إلى دولةٍ أضحت منحصرةً في مدينة city state. ما أن تعبر نقطة التفتيش الأولى جنوبي مستشفى سوبا، وتختفي عن ناظريك المجمعات السكنية الحديثة، وسقوف القرميد الأحمر، ويضمحل رويداً، رويداً، حراك أطراف المدينة المترهلة، حتى تحس بنفسك كمن سقط من حالقٍ في جوف هاويةٍ. فجأةً يذبل المشهد الحضري، على بؤسه الذي هو عليه، ويضمحل الأنس، على ضآلته، ويتبدى الخراب، وتتعاظم الوحشة، ويسيطر السكون، ويدهمك الخواء. يحس الخارج من الخرطوم إحساس من يضرب في تيهٍ عظيم. وردني حين جاوزت نقطة التفتيش "السبهللية" القبيحة، وأوغلت في "البشتنة"، بيت الشاعر، عوض الكريم موسى، الذي يقول فيه: ((مخرنا العيلم المسجور، ولجنا غيهب الديجور)). القرى حول الطريق هي ذات القرى القديمة، التي كانت هناك منذ عقود. لا جديد يذكر!! الجديد أن الطريق لم يعد طريقاً للمرور السريع. فقد نشأت أسواق عشوائية على أطرافه، جعلت الناس والمركبات، والدواب تقترب من حافته اقتراباً مخلاً بكل قواعد السلامة. إذ لا تبقى هناك مسافة تذكر بين هذه الأسواق وبين الشارع، المفترض فيه أنه شارع مرور سريع! كثير من أهل هذه القرى يعمل في الخرطوم، في وظائف بسيطة، لا يكاد عائدها يسد الرمق، وإما في زراعة على شاطي النيل، وهي زراعة لم تخرج بعد عما يسميه الاقتصاديون بالـ subsistence farming، أي الزراعة التي لا يتعدى مردودها مجرد الإبقاء على المهج، أو قل، مجرد الإبقاء على النفس الطالع والنازل. هناك بيوت قليلة أصبحت لها أسطح، مثل بيوت المدن. لقد دخل استخدام الخرسانة المسلحة، بشكل محدود، إلى الريف، وأصبحت هناك بيوت قليلة مكونة من طابقين، خاصة في مناطق قرى الجديد، والمسعودية، والنوبة. هذا النوع من البيوت، لم يكن في الماضي جزءاً من المشهد القروي، المحيط بهذا الطريق. وغالب ظني أن تلك النقلة الضئيلة، ليست سوى واحدة من تأثيرات أموال المغتربين. ولولا أن في كل قرية من قرى الجزيرة، مئات المغتربين، المشتتين في الخارج من أستراليا، مروراً بالشرق الأوسط، وأوروبا، وصولاً إلى أمريكا الشمالية، لهلك أهل الجزيرة مرضاً، وجوعاً. وكما قال الطيب صالح، وهو يصف مسار السيارة من منحنى النيل إلى أمدرمان: ((لا شيء هنا يمتع العين)). المزارع التي قامت حول الطريق منذ إنشائه قبل أربعة عقود، شاخت هي الأخرى، وشحبت أشجارها. كل شيء حول الطريق يدل على الفقر، وعلى العجز، وعلى ضمور القدرات، وعلى غياب السلطات. المزراع المسوَّرة، والأراضي البور المحيطة بالطريق، التي كانت نظيفة، قبل ثلاثة عقود، أصبحت ممسكات لأكياس البلاستيك المتطايرة. هذه الأكياس العالقة بكل جسم قائم، تبقى هي الشيء الأبرز في المشهد كله. فهي لا تخفى عن ناظريك طيلة سيرك على هذا الطريق. قيل أن حاكماً، حكم هذا الإقليم في سالف العصر والأوان، وكان يعبر على هذا الطريق كثيراً، جيئة وذهاباً، في موكبٍ من السيارات المطهمة، التي ترفرف عليها الأعلام. فقد كان ذلك الحاكم مغرماً بمباريات كرة القدم، التي لا تنفك تدور رحاها في العاصمة. ورغم مروره الكثير، على هذا الطريق، لم يحرك ساكناً، تجاه أكياس البلاستيك العالقة بكل شيء. لعله لم يكن يراها! وأظن أن حكامنا الذين يمرون بالطريق، ومعتمدينا، المجوقلين، هم أيضاً مصابون بذلك النوع من "العشى البلاستيكي". حين يتواءم الناس مع مظاهر التردي، وتتسع آنيتهم لمزيد من التواؤم معها، يعني أن نهايتهم قد أضحت وشيكة! ولا فرق! إن كان هؤلاء الناس هم الحكومة، أم عامة المواطنين: ((من يهن، يسهل الهوان عليه، ما لجرح بميت إيلام!)).

 

أين جزيرة الطفولة؟

تركت الطريق العام عند قرية الكسنبر، ودلفت في اتجاه الجنوب الغربي إلى داخل مشروع الجزيرة، ميمما صوب قريتي، "حلة حمد الترابي"، التي تبعد حوالي العشر كيلومترات من الطريق العام. واجهني منظر الغيط الذي لم أنسه طيلة فترة الغياب، وجعلني أردد بلا سابق تدبير: ((كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى، وحنينه، أبداً، لأولِ منزل)). غير أن المنزل تبدل، ولم يعد هو المنزل القديم. ساءت الطرق، التي كان "الموتورقريدرات" تسويها، في الماضي، كل بضعة أسابيع. كانت الجزيرة برمتها، تعمل مثل ساعة سويسرية. ذهب الانضباط الإداري، وذوى عود التحم في الأمور! توالت انكسارات الحواجز الترابية، وأصبحت مياه الري تغمر الطرق الموازية للترع. تمر الجرارات والشاحنات على الطين اللين، فتشكل أخاديد على الطريق، وتغشاه المياه مرة أخرى فيصبح مشكلة حقيقية. توالى غمر الطرق بالماء، حتى لم يعد لتلك الطرق المستوية الجافة المسواة وجود. أضحى الانتقال من قرية إلى قرية أخرى مشكلة يومية! لم تعد للمشروع إدارة، ولم تعد المحليات تهتم، فهي محليات مسيسة تعرف الجعجعة، ولا تعرف الطحن. إنها نفس المشكلة السودانية المزمنة، المتمثلة في الارتداد المستمر من الهيكلة structure إلى اللاهيكلة؛ من النظام، إلى العشوائية.

 

عبرت الترعة عند القنطرة المسماة "قنطرة مكي"، نسبةً لخفير الري الأول الذي أقام بها ردحاً من الزمان. ذهبت خفارة الري، وذهب العم مكي، وذهبت معه القنطرة نفسها: ((أضحت خلاءً وأضحى أهلها ارتحلوا، أخنى عليها الذي أخنى على لبد!)). حين كنا أطفالاً، كنا نسير لكيلومترين، حتى نصل إلى هذه القنطرة البديعة، ونكحل بمرآها ناظرينا. في تلكم الأيام البعيدة، كان كباري القناطر مرتبةً، مقشوشةً، وترابها مرشوش، موضوعة عليه حجارة مطلية باللون الأبيض. تفصل بين تلك الحجارة مسافات محسوبة. كان الغرض من تلك الحجارة هو تحديد المسار للسيارات العابرة. فقد كانت للسلامة ضوابط، حتى على كبري لقنطرة معزولة في وسط الغيط! الآن اختفت الحجارة، وانزاح عن الكبري التراب حتى انكشف العظم الخرساني من تحت التراب، ولا أحد يهتم!! رفع الجميع أيديهم، واكتفوا بالفرجة. كان هناك صف من أشجار الحناء يحيط بمباني القنطرة، وكان أريجه المسكر يطال أنوفنا الغضة، ونحن على بعد مئات الأمتار منها. أما الآن، فلا حناء، ولا نظام، ولا نأمة حياة. أمسك الموت بخناق كل شيء. شجرة السنط الفارعة التي كانت تظلل المكان، والتي كانت تربض تحتها مباني القنطرة، وادعةً، هانئةً، في بحبوحةٍ من الأمن والنعيم، تم اجتثاثها. أصبحت القنطرة التي كانت وسط الغيط، كالمقطع البارز في السيمفونية العذبة، مجرد سكنٍ عشوائي، للعمال الزراعيين، أشبه ما يكون بالدمل على وجه الغادة الحسناء. أوقفتُ السيارة، وصعدت على جسر الترعة الذي أصبح مرتفعا جداً نتيجة لتراكم الطمي، الذي كانت تتم إزاحته، كل حين وآخر، حتى لا يسد بوابات القنطرة. وقفت على تلك التلة الغرينية، وأجلت بصري في الغيط الممتد، وبدا لي، جلياً، أن العَدْوَ لم يعد عَدْوَ البلقاء، وأن الطعنَ لم يعد طعن أبي محجن! شبح الموت يخيم على المشهد. لقد مات المكان بالفعل، والأمكنة تموت!!

 (يتواصل).