صحيفة التيار 25 مارس 2020

لربما تاق كثيرون، وأنا واحدٌ منهم، أن تضعنا، هذه الثورة العظيمة، التي وحدت قلوب السودانيين، بصورةٍ غير مسبوقة، على منصةٍ جديدة. وهو ما سبق أن ناديت به، وأسميته: "برادايم جديد"؛ أي، إطارًا مفاهيميًّا، يضع ممارستنا السياسية في مسارٍ منتجٍ، مغايرٍ لمسارها المعوج، الذي سلكته، منذ الاستقلال. غير أن ما لقيته هذه الثورة، وهي تبحث، في يُتمِها الذي شبت به، عن قيادةٍ لها، وعن حكومةٍ تمثلها، جاء دون التطلع، ودون الحاجة الماثلة، بكثير. وعي السودانيون درس الفترتين الانتقاليتين، السابقتين، فقاموا بجعل الفترة الانتقالية، الحالية، ثلاث سنوات. غير أن المتعجِّلين، الذين لا يتوبون، ولا هم يذكَّرون، بشَّروا بفشل الفترة الانتقالية، قبل أن يضع رئيس وزرائها قدمه في مكتبه!

من الجانب الآخر، انفتحت شهية النزوع اليساروي، الفوقي، الجانح للتثوير الفوقي، وللوصاية، لاتخاذ الفترة الانتقالية، أداةً لإضعاف فرص الخصوم السياسيين، المستقبلية. وبدلاً من أن نتخذ، جميعنا، روح هذه الثورة العظيمة، معبرًا لوحدةٍ وطنيةٍ، لمجابهة واقعٍ بالغ التخلف، سقطنا، مرةًّ أخرى، في مستنقع الاستقطابات القديمة، وحالة الانشقاق الرأسي، التي طالما كانت السمة الثابتة، لقوانا السياسية. بل أخذت جهاتٌ تنادي بتمديد الفترة الانتقالية، إلى عشر سنوات. لكن، فيما يبدو، ليس من أجل العمل الفاعل لتغيير الواقع الاقتصادي المتردي، والنهوض بالبنى التحتية، وإعادة تدوير عجلة الانتاج، وإنما لاتخاذ الثورة مطيةً لإضعاف الخصوم السياسيين. فإضعاف الخصم السياسي، فيما هو سائدٌ بيننا، هو الوسيلة لإصلاح البلد. ولقد ظللنا نجني ثمار هذا المفهوم، المرة، لستِّ عقودٍ، ونيف. في هذه الحالة من التنازع، ومن انسداد الأفق السياسي، أخذ الشباب ينفصلون نوعًا ما عن ثورتهم، التي أنجزوها بدماءٍ غالية، وأخذ همهم، ينحصر في مجرد المطالبة، بالقصاص للشهداء.

احتملت القوى التقليدية، من رافعي شعار أسلمة الدولة، وعربنتها، من طائفيين، وإسلاميين، الفترة الانتقالية. غير أن ضيق صدرهم بها لا ينفك يعبر عن نفسه، في تفلُّتات الإسلاميين، وفيما تبثه أقلام صحفيي الانقاذ، المسمومة، وفي الدعوة لانتخاباتٍ مبكرة. تعلم قوى اليمين، وربما طائفة من العسكر، أن صندوق الاقتراع سوف يأتي بهم إلى السلطة، عبر تحالفات، مستقبليةٍ، يجري طبخها حاليًا. أما الباقون، من أهل الأحزاب الصغيرة، وجمهرة الثوار، فهم، في حيرة حول ما سيكون، عقب نهاية الفترة الانتقالية.

الشاهد، أن الاستقطاب، التقليدي/الحداثي، القديم، لا يزال قائمًا، مثلما كان، منذ الاستقلال. والمخرج في تقديري، هو إنهاء هذا الاستقطاب، ورفع راية التفكير الاستراتيجي، بعيد النظر. ولابد، في تقديري، من إعادة النظر في ديمقراطية ويستمينستر، وإيجاد صيغةٍ جديدةٍ، متوافقٍ عليها، بها ننتشل القوى السياسية من خانة المجابهات الضارة، لبعضها، وجرها، في اتحادٍ، إلى خانة مجابهة الواقع المتخلف. مما أرى، هناك حوارٌ معمَّقٌ، مهمٌّ، حول المخرج، لم يبدأ التفكير فيه، بعد، إلا وسط قلِّةٍ، قليلة.
////////////////