صحيفة التيار 10 مايو 2020

تشظَّت "الحركة الإسلامية" في السودان، وتحولت إلى عدة كيانات، مثلما تشظت غيرها من التنظيمات والأحزاب. جند الإسلاميون ضباطًا من الجيش ليستخدموهم في الإمساك بالسلطة، فانتهى الأمر بعد عقدٍ واحدٍ من الحكم، أن تصبح السلطة في يد الضباط، ويصبح الإسلاميون مجرد تابعين مقهورين. ولقد انتهى مشروع الإسلاميين في السودان، نهاية مخزية. فرأس النظام ملقىً في السجن، متهمًا دوليًا، ومحليًا، بجرائم قتلٍ بلغت مئات الآلاف، وبسرقة المال العام، مع عمالة للدول الأجنبية، وتسلم الأعطيات منها، وتخزينها في منزله. ولن يستطيع أي ناقدٍ أن يقدم هجاءً أبرع وأوجع، لتجربة الحركة الإسلامية السودانية، من الهجاء الذي قدمه لها عرابها، الدكتور حسن الترابي، في حلقاته مع أحمد منصور التي بثتها قناة الجزيرة. قاد فشل المشروع إلى أن يتراجع عددٌ من عقلاء الإسلاميين، وينزووا. في حين شرع بعضٌ آخر في تقديم شيءٍ من النقد الخجول، في محاولةٍ للاحتفاظ للتجربة الفاشلة، ببعضٍ من ماء الوجه.

مصير كل تنظيم يتجر بالدين، لكي يفرض فكرًا سياسيًا، أحاديًا شموليًا، يزعم لنفسه صحة مطلقة، وللآخرين بطلانًا مطلقًا، أن ينتحر في نهاية المطاف. ومثلما انتحر الحزب الشيوعي السوداني، بسبب النزعة الشمولية الأحادية، كذلك انتحر الإسلاميون. استخدم الإسلاميون سلاح الإرهاب الديني، وحاولوا الاستقواء بالجهلاء والعوام، على المستنيرين، ليبلغوا السلطة. ويبدو أنهم ظنوا أن الوصول إلى السلطة سيغير الأوضاع، فيتراجع الخطاب الغوغائي. لكن، فات عليهم، أن من المتعذر تمامًا، إدراك الغايات الصحائح، بالوسائل المراض. فالوسيلة طرفٌ من الغاية، وليست سلَّمًا ترمي به بعيدًا، بعد أن تصعد إلى غايتك. التطرف الديني يخلق وحشًا كاسرًا، يتعذر التحكم فيه لاحقا. فهو لا يلبث أن يقلب الطاولة على الذين أطلقوه من عقاله، بادئ الأمر. والآن، ها نحن لا نسمع من عقلاء الإسلاميين، سوى لقلائل يحسبون على أصابع اليد الواحدة. فقد أمسك بالمقود الجهلاء، وأصحاب العلل النفسية، الذين لا يرون الأمور إما بيضاء أو سوداء. أي: إما أن يفرضوا رأيهم على الكل، أو يدمروا الكل.

لم يقرأ الإسلاميون التاريخ بذهن مفتوح، ولو أنهم قرأوه بذهن مفتوح، لما استثمروا في التطرف والغلو. لقد استثمرت الأسرة المالكة السعودية، من أجل حماية سلطانها المطلق، وثرواتها العريضة، في فكر محمد بن عبد الوهاب، فاستخدمت النزعة السلفية من أجل السيطرة على عقول رعيتها. خلقت بن لادن وأمثاله، وبعثت بهم إلى أفغانستان، لكن ما لبث هؤلاء أن تحولوا إلى تهديدٍ للبيت السعودي. كما خرجت منهم داعش فهددت العالم الإسلامي برمته. تحاول السعودية، الآن، فك حبل التطرف الديني الذي ربطته حول عنقها، ولربما تؤدي بها هذه المحاولة، في نهاية المطاف. خلاصة القول، إن الاتجار السياسي بالخطاب الديني المتطرف، وخيم العواقب. فهو يحرق، في نهاية الأمر، الأخضر واليابس، بما في ذلك الذين استثمروا فيه.