جورج أنجليش أمريكي الجنسية كان يعمل في البحرية الامريكية في بداية القرن التاسع عشر في منطقة البحر الابيض وتمكن من خلال عمله في المنطقة من معرفة اللغة العربية باللهجة الشامية وقليل منها باللهجة المصرية وهذا يعني انه قضى فترة طويلة في السواحل السورية واللبنانية قبل ان يستقر به الحال في السواحل المصرية ، والتي انهى فيها خدماته مع البحرية الامريكية في منطقة البحر الابيض ، وفي مصر تعرف على القنصل البريطاني في مصر والذي اعتبره في مثابة والده ، وقد تبدو ان ملامح هذا الامريكي من أصول بريطانية في الأصل لسببين السبب الاول ان أسمه جورج انجليش ، والثانية علاقته الوطيدة بالقنصل البريطاني في مصر ، وجورج انجليش درس القانون وعلم اللاهوت ، وكان شغوفا بالمعرفة ، فهو في بداية حياته قد جمع بين العسكرية من خلال عمله في البحرية الامريكية ودراسته للقانون وعلم اللاهوت ،وهذا يعني الاهتمام بالعلم والتعلم ودراسة لعلم اللاهوت لاتخرج من انه يريد كسب المزيد من المعرفة ،أكثر من إنها مسألة تدين او انه يريد يقود عملية تبشير في المنطقة التي عمل بها سواحل البحر الا بيض وهي في الأصل مناطق مسلمين وقام في فيها حكم للاسلام في عصور مختلفة من عصر الاسلام في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن بعده جاء أمتداد الدولة الاسلامية في عهد الخلفاء الراشدين التي دانت لها تلك المناطق التي عمل فيها جورج انجليش فيما بعد ، وامتد الحكم عبر دولة الامويين والعباسيين والى جاء عهد الدولة العثمانية ومن بعده جاء الاستعمار الاوربي ، وبالتالي لم يكن لدراسة جورج انجليش لعلم اللاهوت اي علاقة بالتبشير وحتى الحكم التركي لمصر والذي تزامن مع وجوده في المنطقة فمعظم الذين تعاقبوا عليه من المسلمين من محمد علي باشا المؤسس وحتى اخر حاكم تركي قبل دخول المملكة البريطانية شراكة في حكم مصر.وحتى في السودان نفسه قامت دولة أسلامية قبل ثلاث قرون من مجيء حملة اسماعيل باشا ، فقد قامت في السودان في العام 1504م تحالف عمار دنقس وعبد الله جماع وقامت دولتهم من جنوب النيل الازرق وحتى شمال الخرطوم ، وهي ذات المنطقة التي استهدفتها حملة اسماعيل باشا تقريبا .
وبعد ان ترك جورج انجليش الخدمة العسكرية في البحرية الامريكية في منطقة المتوسط نصحه القنصل البريطاني بمراقفة اسماعيل باشا الى السودان في العام 1821م والعمل معه كمستشار على خلفية انه ضابط عسكري رغم تخصصه في في البحرية ، وقد لاتوجد علاقة بين الطبيعة الجغرافية للسودان وطبيعة عمل جورج انجليش في القوات البحرية الامريكية ، ولكن شغفه بالعلم والمعرفة جعله يقبل اقتراح القنصل البريطاني والعمل كمستشار لأسماعيل باشا في حملتة لسنار ودنقلا كما وضح من كتابه الذي وثق فيه هذه الرحلة الى السودان ، وهذا دليل الى ان المعرفة هي التي دفعت به لهذه التجربة وقام بتسجيل وقائع الرحلة ، ولم يقدم لاسماعيل باشا اي استشارة عسكرية لاختلاف الطبيعة بين التخصص الذي يعرفه وبين طبيعة المنطقة التي يقصدها اسماعيل باشا ، والذي بدوره تعمد ان لا يستشيره طوال هذه الرحلة ،وظل مهتما بتسجيل الرحلة من البداية الى النهاية ، وأصدر وقائعها في كتاب باللغة الانجليزية وتم طباعة الكتاب في العام 1823م اي بعد عامين من حملة اسماعيل باشا للسودان بحثا عن الرجال والذهب في عام 1821م ، وهذ الكتاب طبع مرتان الاولى في بوسطن في امريكا والثانية في بريطانية ويوجد هذا الكتاب في مكتبة الكونغرس الامريكي ، وتوفي الكاتب عام 1828م بعد سبع سنوات من الحملة وبعد خمس سنوات من تأليف هذا الكتاب .
وكان للاستاذ الباحث و الكاتب والمترجم عبد الله حميدة الأمين شرف أول ترجمة لهذا الكتاب باللغة العربية ، وللاستاذ عبد الله العديد من الكتب المترجمة ومن ابرزها كتاب هجرة النوبيين لحسن دفع الله وهو يوثق لفترة مهمة من تاريخ السودان من خلال توثيقة لهذا الحدث المهم وهو افراغ منطقة وادي حلفا من اجل قيام خزان السد العالي لصالح مصر وتهجير سكانها لمنطقة حلفا الجديدة التي تتبع الآن اداريا لولاية كسلا .
وقدم الاستاذ عبد الله حميدة الأمين بترجمته للنسخة المصورة من الكتاب والتي منحها له البروفسيور محمد ابراهيم أبو سليم وهو مدير لدار الوثائق السودانية والذي عمل فيها قبل خروج الاستعمار من السودان وحتى مجيء ثورة الانقاذ الوطني في العام 1989م وخلفه في دار الوثائق الدكتور على صالح كرار، فقد قدم عبد الله حميدة بترجمته لهذه الكتاب خدمة كبيرة للباحثين والمتهمين بتاريخ السودان في ظل تنامي كبير للجامعات السودانية التي بلغت حوالي 30 جامعة ، وايضا مع تزايد مراكز الدراسات المستقلة و المراكز الاخرى التي تتبع لعدد من الجامعات ، بان هذا الكتاب وفر مادة دسمة كانت غائبة لكثير من الباحثين ، بالرغم من وجود نسخة اخرى مصورة من باللغة الانجليزية موجودة في مكتبة جامعة الخرطوم ، ورغم ذلك لم يجرؤ احدا من هؤلاء الذين أطلعوا عليها في ذلك الوقت واخذوا منها بعضا من المعلومات والنصوص دعموا بها دراساتهم في تلك الفترة ، لم يجرؤ احدا من هؤلاء من ترجمة هذا الكتاب القيم في تسجيل الوقائع والشخوص والرموز والأمكنة في ذلك الوقت الذي يشكل جزءا مهما في تاريخ السودان .
وواضح جدا ان هنالك نسختان مصورتان من هذا الكتاب الاولى في دار الوثائق القومية وهي التي قدمها بروفسيور محمد ابراهيم ابوسليم لعبد الله حميدة الأمين لترجتمها قبل أكثر من 17 عاما ، والنسخة الثانية موجودة في مكتبة جامعة الخرطوم ، وهي كانت المصدر الوحيد للدارسين والباحثين في تلك الفترة من تاريخ السودان ، وهذا يعني ان هنالك منسوخات او مخطوطات تختفي في مثل هذه الاماكن وغيرها وتحمل جزءا كبيرا من تاريخ السودان ، مجهول ،وبعيد من عيون الباحثين و المترجمين ، فيجب البحث عنه حتى حينما نعيد كتابة التاريخ تكون جزءا من الشواهد و الحقائق في تلمس هذا الطريق الشائك ، والجهد الكبير الذي يقوم به الدكتور بدر الدين حامد الهاشمي في ترجمة الكثير من الكتب التي خطها بريطانيون عن السودان في فترات الاستعمار وكتب التوثيق بالاضافة الى ترجماته الى العديد من الكتب التي تحدثت عن الدولة السنارية وماقبلها وكتب المذكرات والتي تناولت الحديث عن السودان ، فهذا جهد كبير يقدم للسودان للباحثين والدارسين والمؤسسات الاكاديمية ويمكن للدكتور الهاشمي حصيلة ترجماته بعد تصينفها وقف الترتيب الوضوعي او الزمني او الجغرافي او غيره من انواع التصنيف حتى يسهل على الباحث الاستفادة من الكم الهائل من المعلومات والذي هو بالتأكيد غي متاح لعدد كبير من المتهمين .
، واحسب ان البروفسيور ابو سليم قدم خدمة كبيرة بهذه المبادرة وكان يمكن ان يكون كتاب الحملة على دنقلا وسنار لجورج انجليش في غياهب المجهول ، وتغيب تلك الصورة القلمية التي سطرها انجليش في الكتاب خاصة مشهد مقرن النيلين الازرق والابيض واحتواءهما لجزيرة تؤتي ، وقد عبر في وصفه اعجابه بالنيل الابيض في شكل مائه وهدوئه على عكس النيل الازرق في فورانه وسرعته ، وهذا فيه تعبير عن الشخصية الامريكية منذ ذلك الوقت ،وهي تنتهج سياسة ( النفس الطويل ) وهي سمة من لسمات السياسة الامريكية في تعاملها مع التطورات والاحداث الاقليمية والدولية .
والكتاب يحتاج لمزيد من الأضاءات وان كانت مبادرة فضائية سودانية 24 من خلال برنامج الوراق الذي يقدمه غسان علي عثمان قد استضاف المترجم وتحدث عن الكتاب ، فهي قيدومة لكشف المزيد عنه وتفاصيله عبر المنتديات والفضائيات والجهات المهتمة بالتاريخ والدراسات السودانية .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.