في المرحلة الثانوية كان هناك منشط الكديت ، والكديت هو عبارة عن نشاط عسكري اي يتم تدريب الطلاب على الحركات العسكرية والوقوف صفا وانتباه وخلافه من خزعبلات الجيش ، ومن الطرافة ان بعض الطلاب كانوا يشعرون بالفخر حين يرتدوا منذ الصباح الباكر البوت وفوق البوت هناك شيء ايضا لونه ابيض يتم ربطه ولا اعرف اسمه ، ويتم وضع البوري او القبعة العسكرية بشكل منحني فوق الرأس بحيث يكون قريب من الحاجب الايسر ، ويذهب هؤلاء الطلاب بفخر الى الكديت صباحا ومساء ويضربوا الارض ويصرخوا ، ثم ينبطحوا ارضا ويقوموا بأرنب نط .. وقليل من تمارين الضغط ثم يحملوا السلاح ويديرونه في الهواء كالمروحة وهم متجهموا الوجوه بصرامة شديدة تعكس الرجولة العسكرية. 

كنت اجد كل هذا مضحكا ولا زلت.. اعتقد أن هناك اختلاف في عقول البشر بحيث ينزع العقل نحو دفعهم الى وجهات مختلفة فبعضهم يتجه الى البحث عن العلم وآخرون الى البحث عن الاموال وحمقى يتفاخرون بالسلاح وبصفا وانتباه وان يأتي تعلمجي لا يفقه شيئا ويدرشك اي يقوم بضربك بحذائه العسكري في قدمك فتسقط كدليل على الرجولة والشجاعة وانت صامت ومتحمل للألم لأن التعلمجي هو قائدك .
هؤلاء الطلبة اغلبهم فهم الحياة متأخرا حين تبين له ان الكديت ليس هو حقيقة الرجولة وانما الصبر على الحياة واحتمال مأساتها هو الارادة الحقيقية المطلوبة. أغلب من كانوا ينخرطون في الكديت كانوا من ابناء الطبقة الكادحة ، أما ابناء الطبقة الوسطى والبرجوازية العليا فلم يهتموا كثيرا بالكديت ولا بالعسكرية ، والغريب ان اغلب من اعرفهم لم ينضموا للجيش بعد ذلك.. في ذلك الوقت كانت حرب الجنوب مشتعلة وكان النظام قد حول حرب الجنوب من حرب سياسية الى حرب دينية واعلن الجهاد وبدأت عمليات قبض الطلاب من الشوارع والقائهم في الادخال بالقوة مما خلق حالة من الفزع للأسر ، وحتى اولئك الذين كانوا يفتخرون بانخراطهم في الكديت فروا وهم يعضون على اطراف عباءاتهم خوفا من القبض عليهم وارسالهم للجهاد الذي اعلنته الحكومة ، وتم خلق معسكرات تدريب لالحاق الطلبة المقبوض عليهم بها . الكثير من الشباب انخدع باعلان الجهاد والشريعة فذهبوا صادقين لملاقاة الحور العين ، وتم قتلهم ، ثم قام الترابي بتزويجهم للحور العين حيث كانت قيادات من الحركة الاسلامية تذهب الى بيت القتيل وهي تهلل وتكبر ثم يقوم الشيخ بتزويج القتيل من حورية في الجنة.. (صدق او لا تصدق ان الشعب كان يصدق ذلك حقا) .
لم ير الشباب السوداني الذي ولد في التسعينات او الالفية الثانية مشاهد كما رأيناها نحن ، ولم يعاني من عمليات الاختفاء القسري والتعذيب في بيوت الاشباع والقاء الطلاب صغار السن في الادغال ليقاتلوا دون ان يفهم احدهم كيف يطلق رصاصة نتيجة التدريب المتسرع ، وقد تم قتل العديد من الذين حاولوا الفرار وهذه حوادث معروفة لا تحتاج لتفصيل.
الان التقيت ببعض الزملاء في الثانوي من الطبقة الكادحة ووجدت اوضاعهم سيئة جدا ، وتلك الصرامة التي كانوا يظهرونها في الكديت اختفت تماما وحلت محلها نظرة بائسة حزينة ومتشائمة ، نعم لم اكن احب العسكرية ولا زلت حتى اليوم اكرهها ، لكنهم هم من صاروا يكرهونها كرها شديدا. كل مفاهيمنا تتغير عندما نكبر ، لأن الحياة تعلمنا أن حمل السلاح ليس شيئا مهما حينما تكون انت مجرد حجر في رقعة شطرنج ... وأنك تخضع للاستغلال من قبل الكبار ، وأنك في الوقت الذي تطلق فيه رصاصة على سوداني آخر لتقتله من اجل النظام يكون ابن احد المسؤولين يعقد صفقة بملايين الدولارات تحت حماية بندقيتك انت الجائع الهائم بلا مستقبل...
انتهت ايام الكديت ودخلنا في عالم الفيس بوك والتويتر والبرمجيات والموبايلات الاندرويد ، الذي شغل الشباب بالحداثة بدلا عن الموت .. واغلب من يحاربون الان ومن هم على شفا القتال هم ابناء القرى البعيدة التي لم تدخلها المياه ولا الكهرباء حتى اليوم ، لازالوا يزهقون ارواحهم من أجل لا شيء .. سوى الشعور بالفخر الذي كان ينتاب الطلاب في الكديت زمان...

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.