علقت فى مقالى بعنوان: ( حول مآلات مدرسة التمكين) على حديث النائب الأول لرئيس الجمهورية و رئيس مجلس الوزراء الفريق أول ركن بكرى حسن صالح و قوله إن المدرسة لإقتصادية التى كانت تدير الإقتصاد السودانى منذ يوليو 1989 و حتى اليوم قد فشلت و هناك حاجة لمدرسة جديدة بديلة لها. و قلت إن المدرسة القديمة هى مدرسة التمكين التى لاتنتمى لأى من المدارس الإقتصادية الثلاث المعروفة وهى أولاً مدرسة الحرية الإقتصادية laissez-faire حيث يتمتع كل الناس بحرية تملك و سائل إنتاج و تبادل السلع و الخدمات و الحصول على المنافع التى تنتج عن عملهم. و ثانياً المدرسة التحكمية أو الإشتراكية حيث تملك الحكومة وسائل الإنتاج و التبادل وتقوم بتوزيع المنافع بالطريقة التى تريدها هى( بحبحة و ترف للحكام و الزبانية و التنابل الذين يحرسون الكراسى والفتات لبقية الشعب) و المدرسة الثالثة خليط من الحرية و التحكم.و لكن مدرسة التمكين تقوم على الهيمنة الحزبية الكاملة على إنتاج و تبادل السلع و الخدمات و توزيع المنافع لأن العقيدة السياسية ( الأفكار و التصورات المتعلقة بإدارة الدولة) للحركة الإسلامية التى كان يقودها الدكتور حسن عبدالله الترابى الرجل الذى يجب أن نعترف له بالتمتع بفضيلة أساسية فى نظر كل السودانيين وهى الشجاعة ( فقد كان شجاعاً و جريئاً فى إتخاذ المواقف و القرارات و فى مواجهة المخاطر و لكنه للاسف الشديد وظف تلك الفضيلة لتمكين الباطل) ؛ تقوم العقيدة السياسية للحركة الإسلامية التى كانت تعرف بإسم الأخوان المسلمين ثم جبهة الميثاق الإسلامى ثم الجبهة القومية الإسلامية ثم الحركة الإسلامية؛ تقوم العقيدة السياسية للحركة على أفكار و تصورات مستمدة من كتابات الأخوين قطب و خاصة كتاب محمد قطب بعنوان(جاهلية القرن العشرين) و كتاب سيد قطب بعنوان (معالم فى الطريق) . وفى مقدمة تلك الأفكار و التصورات إن الناس يعيشون فى جاهلية. و هناك حاجة لطليعة إسلامية لتخرج الناس من ظلام الجاهلية إلى نور الإسلام. وسوف تقوم الطليعة بذلك عن طريق التمكين. و صارت تلك الافكار و التصورات عقيدة دينية لرموز و أعضاء الحركة الإسلامية حشوا بها عقولهم و قلوبهم حتى نسوا تماماً الأوامر و النواهى الواردة فى كتاب الله حول الحرية و الشورى و العدل و الرحمة و الأمانة و الصدق و إطعام الناس من الجوع و تأمينهم من الخوف الخ . و وصل بهم التلبس درجة الإعتقاد أن الإسلام قد تجسد فيهم هم و إنهم وحدهم على حق و كل من عداهم على باطل. و عند إستيلاء الحركة الإسلامية على السلطة فى الثلاثين من يونيو 1989 طبقوا فكرة التمكين على اساس إنها تعنى الهيمنة الكاملة على كل مناحى الحياة السياسية و الإقتصادية و الثقافية. قاموا بحل الأحزاب و صادروا حرية التعبير و التنظيم و ابعدوا بدون رحمة كل من ليس عضواً فى حزبهم من المواقع المؤثرة فى الجيش و الشرطة والإستخبارات و الخدمة المدنية. وعملوا على محاربة ما سموه بالنفوذ الإقتصادى للطائفية و دمروا بدون رحمة الأسر والبيوت التجارية المعروفة بولائها لحزب الأمة و للحزب الإتحادى الديمقراطى عن طريق تقديرات الضرائب المجحفة و الحرمان من التمويل و الرخص و العطاءات الحكومية و إحتكروا الإعفاء من الضرائب و التمويل و الرخص و العطاءات الحكومية للشركات التى تملكها الحركة الإسلامية و رموزها. إحتكروا كل شئ. و لكن لأن الله رحيم بعباده عجزوا عن إحتكار الهواء و الماء الذى ينزل من السماء. و لكن الله يمهل و لا يهمل. و سرعان من أرتد عليهم كيدهم.


لا يلد الباطل إلا أباطيلاً أكبر منه:
يصف سبحانه و تعالى فى كتابه الكريم الناس بحب الشهوات( آل عمران14) و حب المال حباً جماً ( الفجر20 والعاديات8) و إيثار العاجلة وهى الدنيا على الآجلة وهى الآخرة ( الأعلى16) والطمع و الظلم(ص 23و24) و ضعف الإيمان(يوسف 103و 104) و الضعف (النساء28) و أن نفوسهم أمارة بالسوء(يوسف 53) وغيرها من صفات الطمع و الهلع و حب المال.ولم يستثن الله أحد من عباده من تلك الصفات . فهى تنطبق على كل الناس بما فيهم انا كاتب هذا المقال و عليك أنت أيها القارئ الكريم . و قال الله تعالى إنه لولا دفعه للناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض( البقرة 251 ) وهدمت البيوت التى يعبد فيها الله ( الحج 40) و أمر الله الناس بأن يأمروا بالمعروف و ينهوا عن المنكر( المساءلة و المحاسبة على قصور الأداء و سوء التصرف و الفساد بلغة اليوم).و يقول الشيخ الشعراوى رحمه الله إن الله قد حبب الشهوات و المال للناس ليكون ذلك حافزاً و دافعاً لهم لعمارة الأرض و يكون فى نفس الوقت إمتحاناً لقدرتهم على تقوى الله فى سعيهم لنيل الشهوات.و على الرغم من وضوح كلام الله حول التدافع و الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر فقد آثر رموز الحركة الإسلامية العاجلة و نيل الشهوات عن طريق الباطل و اقاموا نظام حكمهم على الإستبداد المطلق . فقد كمموا الأفواه و دجنوا النقابات و كسروا رؤوس الأحزاب السياسية بالترهيب و الترغيب وجعلوا الإنتخابات و ما ينتج عنها مسخرة وحققوا بذلك الطلقة المطلقة absolute impunity أو الفلتان الكامل من المساءلة و المحاسبة على قصور الأداء وعلى سوء التصرف و على الفساد.و نتج عن ذلك أن ولد الباطل أباطيلاً اكبر منه.


الجرى بدون كابح أو قيد وراء الشهوات الشخصية:
كان الإبن البكر للإستبداد المطلق و الطلقة المطلقة هو الظلم الذى وقع على أغلبية الشعب السودانى و الإبن الثانى هو الجرى بدون كابح أو قيد وراء المطامع الشخصية فى السلطة و المال. فسرعان ما بدأ الصراع بين رموز الحركة الإسلامية و قبل نهاية السنة الأولى من عمر نظامهم؛ بدأ الصراع على السلطة و المال بالحفر و الحفر المضاد و الإستقواء بالقبائل و زرع الأقارب فى المواقع المؤثرة و الضرب تحت الحزام . و قد وجدت قطاعات الشعب السودانى المظلومة و المقهورة سلوى و تسلية فى التفرج على دواس الكباش و الشماتة فى الذين يسقطون صرعى. ويقول السودانيون فى الأمثال:( الله ما بضرب بعصا ).


التجاهل الكامل لهموم وتطلعات المواطنين العاديين:
فى نظم الحكم التى تقوم على الإستبداد المطلق و الطلقة المطلقة يندر وجود مساءلة و محاسبة للمسؤولين الحكوميين على قصور الأداء و سوء التصرف و الفساد و لايملك المواطن العادى أية نفوذ على الحكومة مثل النفوذ الذى يتمتع به المواطن فى النظم الديمقراطية حيث يستطيع أن يمارس حقه فى التصويت لإرسال رسالة قوية للنائب الذى يمثله و للحكومة نفسها . و لأن المواطن السودانى العادى لا يملك أية نفوذ على حكومات الحركة الإسلامية فى عهد الإنقاذ فإن كل تلك الحكومات قد تجاهلت تماماً هموم المعيشة و تطلعات المواطن العادى و كأنها لم تسمع بإرتفاع الأسعار الفاحش و لم تسمع بإنهيار خدمات التعليم و العلاج و لم تسمع بإرتفاع معدلات البطالة بل عملت على رفعها بحظر تمويل القطاع العقارى بواسطة المصارف و لم تسمع بوجود أكثر من ثلاثة مليون طفل لا يجدون أماكن للدراسة فى مرحلة الأساس . و كانت ثالثة الأثافى الإنحطاط الأخلاقى.


فشو الكذب والنفاق:
فشا فى ظل حكم الحركة الإسلامية الكذب و النفاق لإتقاء شرور المتمكنين أو لنيل مكاسب من تحت أيديهم.و نرى ذلك فى هجرة أعداد كبيرة من كوادر حزبى الأمة و الإتحادى الديمقراطى و إنضمامها لواجهة الحركة الإسلامية المسماه بالمؤتمر الوطنى. كما فشت السرقة و الإعتداء على حقوق الآخرين نتيجة الإقتداء بسلوك الملوك و نتيجة الإنهيار أمام ضغوط الفقر و الجوع الكافر. و فشت الدعارة و بيع الأجساد من أجل لقمة العيش.و تطول قائمة الإنحطاط .و سكت رموز و أعضاء الحركة الإسلامية سكوتاً كاملاً عن الحديث عن الأخلاق و هم الذين كانوا يدعون إنهم حراس الأخلاق فى السودان.


الرئيس البشير و تحطيم ترسانة التمكين الإقتصادى الحزبى:
قلت فى مقالى المشار إليه أعلاه إن المدرسة الجديدة لإدارة الإقتصاد السودانى يجب أن تقوم على إطلاق طاقات كل السودانيين لكى يستثمروا و يعملوا و يتبادلون السلع و الخدمات فى مساواة تامة و أكرر فى مساواة تامة بدون محاباة أو مضاداة على أساس الإنتماء الحزبى أو القبلى أو الدينى أو الجهوى. و لايتوقع حدوث ذلك طالما يحتل رموز الحركة الإسلامية كل المواقع المؤثرة فى إدارة الإقتصاد. و المحاباة و المضاداة على أساس الإنتماء الحزبى هى الفكرة المركزية فى عقيدتهم السياسية. ولذلك نطالب الرئيس عمر البشير الذى قال بعضمة لسانه فى وقت سابق (لا تمكين بعد اليوم)؛ نطالبه بتحطيم ترسانة التمكين الإقتصادى الحزبى عن طريق إبعاد رموز الحركة الإسلامية من المواقع المؤثرة التى يشغلونها فى إدارة الإقتصاد السودانى و تصفية الشركات الرمادية التى صفوا و شربوا من خلالها دم المواطن السودانى.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.