(مقال الصادق الرزيقي مرفق أدناه)

*د. شهاب طه*

‫أولاً: في مقالك هذا، وبلغته السائبة، تبطن التهديد والوعيد حين ‬تقول: "أن الشعب يعرف من هم الثوار الحقيقيون الذين إن أرادوا الثورة الحقيقية لخرجوا إلى شوارع الخرطوم بصدورهم الواثقة وتخضبوا بدمائهم وواجهوا صعابها وتحدياتها وقدموا قدوة للشعب ليسير وراءهم" .. صدروهم ودمائهم؟! هل أنت في كامل وعيك يا الصادق الرزيقي؟ فذلك نوع صريح من الإرهاب والترهيب والتهديد والوعيد وبهذا تريد أن تذكر الناس بأن نظامك لازال في غياهب الظلمات والضرب بيد من حديد .. ‫فمن أرادوا الحرية فليخرجوا لإستقبال الرصاص بصدروهم العارية، وأنت تورابها بكلمة الواثقة ... ولإراقة دمائهم وأراك لا تروي بها الأرض الطيبة بل تكتفي بتخضيبهم بها .. هل سيقرأ الصحفيون العرب هذا المقال؟‬

‫ثانياً: بمقالك هذا أراك تسعى لقص أجنحة شعب سوداننا المقهور وإحكام عزلته وتحريضه لكي ينبذ فلذات أكباده المهاجرين وأنت تأكد أنهم قد باعوا وطنهم ليتمرغوا في نعيم المهاجر، بقولك: "‬وهم يدعون من غرف النضال الباردة في دول الصقيع أو في عواصم عربية لزجة شديدة الرطوبة، الشعب للخروج والثورة ضد الكيزان"‫.. و‬بأسلوب يربأ عنه رجل الشارع البسيط تتجنى عليهم حين تتهمهم بأنهم يخرجون من شرنقة العطالة والبطالة التي يعيشونها في المهاجر المختلفة منعمين، مترفين، مسبسبين، منغنغين .. فذلك أسلوب يجافي المهنية والأخلاقية الإعلامية كونك تسعى لتضليل الناس وتصوير هؤلاء بهذا الوصف الساذج الوضيع .. فمن بين هؤلاء رجال ونساء وشباب وشابات تحرقهم الغربة كل لحظة وهم يذوقون الأمرين ما بين مطرقة فراقهم لذويهم والقلق عليهم من غثائك وجور وبطش نظامك، وسندان العمل الشاق الدؤوب من أجل إعاشتهم .. وتقول أنهم يكذبون حيث لا ثورة ولا مظاهرات في الشوراع وهنا في كندا يعيش شاب قد جرح شقيقه في العاصمة يوم الأحد الفائت وآخر قتل إبن عشيرته في مدينة الجنينة

بهذا تحاول أن تقول أن لا ثورة لمن هم في المهاجر .. ‫يا الصادق الرزيقي عليك أن تعي أن الذين يستطيعون القراءة ولا يقرأؤون ليسوا بأفضل حال من الأميين والمعاقين الذي لا يستطيعون .. فلو كنت تقرأ لعرفت أن الهجرة هي سنة الحياة وحكمة الله في أرضه .. فقد هاجر نبي الله محمد، صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة وكان قد وجه بعض من صحابته بالهجرة للحبشة ولم يكن بعسير على الله أن ينصرهم في المبتدأ ويمكنهم دون هجرتهم .. ولكنها حكمة الله لكي تتواصل وتتمازج البشرية .. وقد هاجَر من قبل محمد إبراهيم ونوح ولوط ويونس وموسى بعد أن ضاقت بهم أرض قومهم الذين آذوهم وكفروهم بموجب ما يعتقدون ويدعون وحاربوهم .. بالطبع ستتبحج وتقول أن كل مهاجري بني وطني باحثين عن الرزق .. فرجائي لا تقولها .. {و‬ما يعلم جنود ربك إلا هو} .. السوداني صديقي الدكتور علي التيجاني طبيب نفسي في مدينة شيكاغو .. مكلف بزيارة السجون .. إعتنق الإسلام على يده المئات من المساجين ‫الأمريكان ‬
‫ ‬
مقالك هو محاولة رخيصة لتحييد وبل تجريم المهاجرين ولك أن تعلم لو أن إسرائيل قالت لليهود الذين يعيشون خارجها إخرصوا وتعالوا لتعيشوا معنا ويلات الحروب تحت ضربات المقاومة الفلسطينية، فستختفي إسرائيل من الوجود بين ليلة وضحاها .. فهؤلاء اليهود من الخارج يقدمون لإسرائيل ما لا تستطيع تقديمه حكومتها القابعة في تل أبيب .. فمالذي يجعل يهود الخارج، الذين لم تطأ أقدامهم إسرائيل، حريصون على أرض الميعاد ومهاجري سوداننا، من صلبه، يسعون لخرابه؟

تقول: "يتعالى صراخهم المزيف؟" فمنذا الذي منحك الحقيقة المطلقة لتعرف وتجزم أنه صراخ مزيف؟ فهؤلاء أصحاب وجعة ووطن شردوا من أحضانه .. وفي تناقض غريب تقول أنهم يتصورون أن ثورات الربيع العربي كانت عبر هذه الآليات، أي وسوائل التواصل الإجتماعي، لتحريض الناس على الخروج ثم تبرر جدواه في سقوط مريع بأن تتدعي أن أصحاب الدعوات في مصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا هم أول من ينزل إلى الساحات والطرقات ويقود الثورة .. وبذلك تسعى لإقصائهم بحجة أنهم فاقدي الأهلية بحكم غربتهم عن الوطن وأن ليس لهم الحق في الدعوة للثورة طالما ليس بمقدورهم النزول للشارع لقيادتها

تتسآءل وتقول : "ماذا كان سيكون مصيرهم لو لم يؤسس الأمريكان الفيسبوك؟" ودعني أسألك ما كنت ستكون لو لم يخترع جوهانز جوتنبيرغ ماكينة الطباعة؟ وماذا ستفعل لو أوقفت كندا تصدير ورق الجرائد لسوداننا؟ وأوقفت ألمانيا ماكينات وحبر الطباعة؟ .. فقد كان من الأفضل أن تشغل قلمك وتستغل وقتك في كتابة ما يخرج وطننا السودان من تلك الكارثة الماحقة وأن لا تلاحق هؤلاء الذين تنال منهم دون وجه حق .. دعك من هؤلاء الذين تستنكر حقهم في حرية التعبير وأنت في حماية نظام توالية فيطلق لك العنان لتعتدي على مناضلين لن يستغنى عنهم شعبهم .. وبذلك يا الصادق الرزيقي أنت تضرب قلمك في مقتل .. وتضرب مفاهيم وروح الصحافة وحرية التعبير في مقتل وتقول للناس ودون أن تدري: "فليسكت الناس وأتكلم أنا فقط" فهل سيقرأ الصحفيون العرب هذا المقال؟

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

————————————————————
إسقاط النظام من ساحة الفيسبوك
اما قبل
‏‏‏‏الصادق الرزيقي

‏‏‏‏
< ليس هناك ما هو أجلب للسخرية والضحك لدى أوساط الشعب السوداني، من تلك الثورة الظافرة المتوقعة التي ينتظرها أصحابها من خلال التسجيلات الحية المصورة والظهور المباشر )لايف( على صفحاتهم في الفيسبوك وبعض شبكات التواصل الاجتماعي،
فقد امتلأ الموقع الأكثر شهرة حتى أذنيه وبلغت به التخمة حداً لا يوصف، بعدد من الثورنجية الافتراضيين الذين يدفقون أحلامهم وتطلعاتهم وأمنياتهم السراب بسقوط الحكم في الخرطوم، وهم يدعون من غرف النضال الباردة في دول الصقيع أو في عواصم عربية لزجة شديدة الرطوبة، الشعب للخروج والثورة ضد )الكيزان(، وعباراتهم السمجة الرقراقة في لمعان الثورة المفترضة وهم يتوسلون شارات الإعجاب والتعليقات لزيادة عدد الزائرين للصفحات الجدباء والجرباء لإيهام أنفسهم والآخرين بأن الثورة انطلقت وأنها ثورة حتى النصر!!
< ومن المتع الكبرى أن تشاهد حالة التيه والوهم عند المقاتلين المناضلين الفيسبوكيين العظماء، وهم يخرجون من شرنقة العطالة والبطالة التي يعيشونها في المهاجر المختلفة منعمين .. مترفين.. )مسبسبين .. منغنغين( غرقى في الفراديس المتخيلة وهم يمتشقون سيوف الثورة الافتراضية الحادة الشفرات.. يتعالى صراخهم المزيف وخطبهم المرتجلة البكماء الراعدة، يحرضون الناس على الخروج إلى الشوارع وألسنتهم اللاهثة تصطخب بالأكاذيب القصيرة الحبل بأن المدينة الفلانية اشتعلت ورجت، والمدينة العلانية باتت خارج السيطرة وصارت أيقونة الثورة.
< ومن فرط خوف هؤلاء المناضلين الأشاوس أنهم يتحدثون من وراء الأبواب الموصدة في الدول التي يعيشون فيها، وبعضهم يتحدث وهو مغطى بأغطية الشتاء في ليالي الشتاء الطويلة، وهو يحلم بالثورة التي تقرع الأبواب ولا بد دونها من إبر النحل.. وهو يتصورون أن ثورات الربيع العربي التي استخدم فيها شباب تلك الثورات في مصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا شبكات التواصل الاجتماعي كانت عبر هذه الآليات، إنها فقط كانت لدعوة الجماهير للنزوح للشوارع وتحديد ميقات الخروج،
< لقد عاشت الإنقاذ والحكومة أبهى أيامها وهي تصارع وتقاتل أيام الحرب في كل الجبهات من دارفور غرباً إلى الشرق أيام المؤامرة الكبرى بشد أطراف السودان، ويومها كانت كل أحزاب المعارضة فتية وقادرة ومعها الحركة الشعبية وجيشها، فما بالك بها الآن ولم يبق من مقاتليها إلا حفنة من المتسكعين على أزقة الفيسبوك الضيقة وطرقات الإنترنت التي تداخل فيها السيلكون بالأيونات الكهربائية والرقاقات المشعة التي ستحملهم عبر أنسجة الفايبر والشعيرات السلكية الدقيقة والرقيقة وكيبيل الإنترنت البحري والألياف الضوئية، إلى كراسي الحكم التي تنتظرهم عندما يسقطون الحكومة ويسحلون أتباعها في الطرقات، ويحررون منهم البلاد كأنهم في حرب استقلال مقدسة!!
< ما بال هؤلاء المناضلين الشرفاء وأهل الجسارة السياسية، يقاتلون الحكومة من وراء حجاب الجغرافيا الشاسعة وغرف الدردشة والشات؟ ماذا كان سيكون مصيرهم لو لم يؤسس )مارك زوكربيرغ وداستين موسكوفيتز وكريس هيوز( شركتهم التي اطلقوا عليها فيس بوك ) facebook( ، لتكون بقدرة قادر هي المنصة الصاروخية للثورة السودانية المفترضة في نهاية العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين؟
< نسمع الآن داخل هذا العالم الافتراضي الفسيح صهيل الخيل الالكترونية لمناضلي اليسار السوداني وقعقعة السيوف الضوئية الهيفاء لمقاتلي الحركة المتمردة وبعض المتبطلين في قارعة الشارع السياسي، وهم يحلمون بسقوط الحكومة والنظام بضربة لازب من هواتفهم الذكية والحواسيب اللوحية وأجهزة كمبيوتر محمولة تنوء بحملها الثقيل من شعارات الثورة القادمة وأدبياتها المعلبة وشعاراتها القطنية الخفيفة.
< دعونا هنا نحن شعب السودان المقيم في أرضه المكتوي بلظى الحياة والأسعار، نتسلى بهذه المخلوقات الإسفيرية الواهمة والحالمة، فهي أفضل أدوات الترفيه والتسلية الحديثة، يرسمون لنا واقعاً لا نحسه، ويحدثوننا عن تظاهرات ومسيرات غضب واشتعال نار للثورة لا نراها ولا نجدها لا في شوارعنا ولا في ساحاتنا، لم نجد ثورتهم التي تغلق الساحات والشوارع وتتوقف بها الحياة وتغلق فيها الأسواق والمتاجر وتمتد فيها الحرائق لتقضي على الأخضر واليابس، ثورة هذه تشبه ذلك العصيان الذي أعلنوه من قبل فاستعصى عليهم أن يولدوه من رحم الأحلام التي حبلوا بها وحملوها في خيالاتهم الرقطاء ..
< ومن يدخل الفيسبوك وبقية وسائل التواصل الاجتماعي، سيجد بالفعل أنواعاً من هذه الجوقة الثورية ترتدي زي البهلوانات في حلبات السيرك وهم يلوكون شعارات الثورة الطيفية المستحلبة من ضروع التخاطر عن بعد والتنويم المغناطيسي الالكتروني لشعب كامل يعرف من هم الثوار الحقيقيون الذين إن أرادوا الثورة الحقيقية لخرجوا إلى شوارع الخرطوم بصدورهم الواثقة وتخضبوا بدمائهم وواجهوا صعابها وتحدياتها وقدموا قدوة للشعب ليسير وراءهم.. أما هؤلاء الراكبون أحصنة الخيال والخبال على سروج من دخان، فليسوا من نسل الثورات ولن تخرج من أصلاب هواتفهم الذكية ثورة يتعبدون في محرابها!!


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.