باعلان الاستقلال كان الشعب السوداني داخلا تحت احد ثلاثة اصناف .. اما تحت لواء الختمية وهذا صنف ، او لواء الانصار وهذا صنف ثاني ، واما الصنف الثالث فهو كل من خرج من التصنيفين السابقين ، ونتيجة لفرصة التعليم التي وفرها الاستعمار الانجليزي فقد قفز البعض من البروليتاريا الى انتلجنسيا البروليتاريا ، او البروجينسيا ، طبقة من المتعلمين الذين يعتزون ويفخرون بتعليمهم وثقافتهم في ظل اسر فقيرة جاهلة ، وهؤلاء من شكلوا وكانوا مؤثرين على الصنف الثالث ، هذه البروجينسيا كانت ترفض تماما ان تسحق هويتها وكبرياءها بالخضوع للبيتين وكانت تبحث عن هويات جديدة تستطيع ان تنافس غلبة آلة البيتين على السياسية ، ولذلك لجأت هذه البروجينسيا الى افكار خارجة عن السياق العام للمجتمع الذي كان يميل الى التصوف وتقديس الشيوخ ، فخرج تياران كبيران وهما التيار الشيوعي والاسلام السياسي ، وكان ذلك المخرج مهما جدا ومتنفسا كبيرا للبروجينسيا ليعبروا عن رفضهم للاحتكار الطائفي للسلطة والثروة ... وعندما اطلق على هذه الطبقة الجديدة طبقة البروجينسيا فذلك لأن هذه الطبقة ارتفعت ثقافيا لكنها لم تستطع ان تتجاهل ثقافتها التي نشأت فيها وهي ثقافة الفقر ... لقد كان ماو تسي تونغ ابن الطبقة الكادحة ، ورغم انه ونتيجة توفر فرصة التعليم العالي له الا انه لم يستطع ان يتخلص من ثقافة البروليتاريا ، وكانت الثورة الثقافية التي اعلنها وبالا على الطبقة الوسطى الراسخة، فقد كان يلقي بالمهندسين والاطباء والمحامين في اعمال الفلاحة والمناجم معتقدا انه بذلك يخلق مساواة بين الطبقات ، ولولا الاصلاحات اللاحقة لحقبته لانهارت الصين تماما ، فالبروجنسيا طبقة تحمل ثقافة البروليتاريا وحظا من علم البرجوازية ، وهي طبقة تتعصب للايدولوجية التي تتبناها لأنها تعتبرها هويتها وسلاحها في مواجهة البرجوازية الراسخة الكلاسيكية ، فلنلاحظ ان الاسلاميين ما ان جاءوا للسلطة حتى اتخذوا قرارات خطيرة جدا وكارثية مستقاة من ثقافة البروليتاريا ، كرفع شعار امريكا روسيا قد دنا عذابها ، وكمعاداة دول الخليج وكاستقطاب المجموعات والتنظيمات المتطرفة ، ناهيك عن عمليات التعذيب والقتل بدم بارد للمعارضين ، رغم ان اغلب كبار الاسلاميين كانوا من المتعلمين والمثقفين لكنهم في الواقع كانوا من البروجينسيا ، انتقلوا من قاع المجتمع الى السلطة ، وكان هذا الانتقال صدمة كبيرة اكبر من سقف وعيهم ، فالادارة الرشيدة للدولة تحتاج للطبقة البرجوازية الراسخة بدون ادنى شك لتتجاوز رواسب البروليتاريا و سذاجتها ونرجسية البرجوازية العليا وخفتها ... ولذلك فسنجد ان وصول البروجينسيا الى السلطة دمر خط السير التقدمي الذي بدأه الاستعمار البريطاني ثم هجمت البروجنسيا على الخزينة العامة فنهبتها ولم تبق منها شيئا ... في الواقع ان البروجنسيا اقل من ان تكون فئة مفكرة ، ففي الاتجاهين النقيضين اليميني واليساري لم تتمكن هذه الفئة من تطوير ايدولجيتها ، بحيث تتجانس مع خصائص الدولة والمجتمع والثقافة العامة والامكانيات الاقتصادية للدولة ، عندما وصل الشيوعيون الى السلطة في عهد نميري عاثوا في الدولة افسادا دون فهم واع للفكر الشيوعي ولما انقلب عليهم نميري حاولوا الانقلاب عليه وحدث ما حدث من مجازر ، وذات الامر حدث من الاسلاميين الذين تفسخوا بعد صدامهم مع البشير ، وهاهم اليوم منقسمين الى اجزاء فاقدة لأي محتوى فكري يمنحها القدرة على الاستقطاب الجماهيري بعد فشل تجربتهم... انتهت شعارات البروجينسيا الاسلامية والتي عبرت عن امكانيات ضعيفة وعقليات فقيرة فكريا ، وهاهو البشير اليوم يحاول اصلاح ما افسدته البروجنسيا الاسلامية . ما فعلته فئة البروجنسيا هي انها فرغت الدولة من الطبقة الوسطى الكلاسيكية التي تحمل لواء الاستنارة ، والتي بامكانها وحدها مقاومة الانهيار ، وايقاف كرة الثلج ... والطبقة الوسطى هي وحدها التي كان بامكانها ان تشكل ضمان حقيقي للتحول السياسي الآمن ، بما لها من خبرات طويلة في ضمان اضطراد وانتظام حركة مؤسسية الدولة ، ولنلاحظ ان البدائل المطروحة على الساحة هي ايضا من البروجنسيا كقيادات الحركات المسلحة ، او قيادات أشباه الاحزاب الكثيرة الموجودة ، وخرجت الارستقراطية الطائفية من اللعبة تماما بعد قرارات غير مدروسة حاولت فيها الحفاظ على مصالحها ومستواها الاقتصادي على حساب مستواها السياسي... ان المطروح على الساحة كبديل هم ايضا بروجنسيا ، وهذا يعني ان التاريخ سيعيد نفسه اذا سقط هذا النظام ... قد تختلف مقاسات الأحذية لكنها ستبقى في النهاية أحذية...=

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.