سألوا تلاميذ في مرحلة الدراسة الأولية (في بلد يشبهنا): ما هو عمل الوزير؟ فكانت أغلبية الإجابات التي تمّ تجميعها تقول إنه شخص كثير الكلام يتحدث طول الوقت، يلبس ملابس لامعة ويمتطي سيارات فاخرة ويعيش في منازل الحكومة ويأكل من الفنادق مجاناً وله مرتب كبير من غير أن يقوم بعمل معلوم! وقد يرى كثيرون للوهلة الأولى سذاجة هذا الإنطباع الذي يعود إلى تلاميذ صغار السن عبر صورة ذهنية ربما إستولدوها من القنوات التلفزيونية أو الميديا الحديثة أو مما يسمعون من معلميهم وآبائهم وأمهاتهم.. ولكن ماذا يقول واقع التجربة عن الوزراء هنا في السودان وفي بعض الدول التي حالها مثل (حالنا المائل)؟ هل هذه الصورة الذهنية بعيدة عن تلك التي وصفها التلاميذ! بل ربما هي ذات الصورة عند الوزراء أنفسهم واصحاب المناصب العامة في الدولة!

فالتصّور الغالب أن معظم طالبي الوزارة يرون أنها تعني تحقيق مصلحة ذواتهم (بأعجل ما تيسّر) وحصد ريع الدولة قبل أن يترجّلوا! وقد تسرّب هذا التصوّر للناس من مشاهدات الواقع (وتبدّل الأحوال!) حتى أن البعض لرسوخ إعتقادهم بأن مناصب الدولة أضحت مطيّة للمصلحة الذاتية، تجدهم يقولون أحياناً إن الأفضل عدم تغيير الوزراء؛ لأن من مكثوا طويلاً (شبعوا) وحتى إذا إذا لم يشبعوا بالكامل، فسيكون أكلهم (أكل تخمة)! و(تقريض الشبعان) لا يكون مثل أكل (الجديد الشديد النَهِم) الذي يريد أن يبدأ (رحلة المليون) من أول وجديد! طبعاً مع ملاحظة (فرق العملة) و(درجة الطمع) و(قوة العين)! ثم ليت أن أصحاب المناصب العامة يعملون عملاً ملموساً من أجل الناس، أو يملكون التأهيل الذي يتطلّبه المنصب:وعلى سبيل المثال: لو سألك سائل وقال لك نريد تعيينك للعمل في (مجلس الولايات) فماذا يكون جوابك وأنت لاتعرف ولم تسمع يوماً واحداً عن عمل يقوم به هذا المجلس! كيف يعود الناس إلى الحقيقة التي تقول أن الوظيفة العامة هي أمانة تنوء بثقلها الجبال، وأنها مَهْلكَة إذا لم تؤخذ بحقها، وأنها يوم القيامة (خذي وندامة) إذا تحوّلت إلى (مأكلة) لصاحب المنصب ولأهل بيته وإذا انتزع بها اللقمة من مستحقيها وإذا أخذ مال الله إلى خزانته الخاصة..أو إلى (دبي وماليزيا)!

الوظيفة العامة عمل شريف وينبغي أن تكون وظيفة شريفة، ولكن (التلويث) الذي حدث لها جعل اللاهثين خلفها موضع سخرية في المخيلة الشعبية؛ ومما يُروى في هذا السياق أن رئيس وزراء بريطانيا الأسبق الشهير (إدوارد هيث) نشأ في أسرة فقيرة وكان والده يعمل نجاراً (مثل إبراهيم الكاشف) وفي مقابلة تلفزيونية سأله المذيع: كيف تمكّنت من تقلُد أعلى منصب في بريطانيا وأنت من عائلة فقيرة؟ فقال: بعد الحرب العالمية الثانية لم يكن في بيتنا كهرباء فكنت أذاكر دروسي على ضوء شمعة، وكان أبي يقول لي: لماذا لا تترك هذا الهراء وتبحث عن عمل شريف؟ وهنا ضحك المذيع وقال لهيث: وماذا قال لك أبوك بعد أن أصبحت رئيسا لوزراء بريطانيا؟ رد هيث: قال لي: لا فائدة..ألم أنصحك دائماً بالبحث عن عمل شريف؟!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.