والله نحن مشفقون على وزير التجارة وهو يقول إن "السوق أوشك على الوصول لمرحلة الفوضى"..وكأنه لا يرى (مركز الفوضى) الذي تنبعث منه كل هذه التفاصيل التي يشكو منها! وزير التجارة هو رجل فاضل من الإتحادي الديموقراطي ولا يجادل أحد في ذلك! ولكن مثل هذا الكلام يجعله للأسف يدور في فراغ لا خروج منه، وقد إعتادت الجماعة أن تحوّل الإخفاقات إلى أحاديث مكرورة عن (جشع التجّار) وعن (هلع المواطنين) وإسراف المستهلكين و(سوء عادات الشعب)! ومن هو المسؤول عن فوضى الأسواق ياسيدي؟! وللغرابة (التي ليست غريبة ولا عجيبة) أنه في نفس اليوم ورد في ذات الصحف أن وزير المالية قال أن "أجانب يتلاعبون في صناديق الاسثمار"!! أرأيت هذه (الدمغة) التي يجري دحرجتها بعيداً عن قصور الحكومة وإلصاقها (في كل زنقة) بجهات أخرى؟ والمشكلة الآن في التجّار الجشعين وفي الأجانب الذين يتلاعبون بتصاديق الإستثمار.. ولنقل يا أخي أن من طبيعة المستثمرين الأجانب وغير الأجانب التلاعب بالتصديق وأن التجار جميعهم جشعون؛ فمن هو المسؤول عن السماح لهؤلاء بالتلاعب ولاؤلئك بالجشع!

هكذا يراد لوزير التجارة المسكين أن يكون مغلوباً على أمره وهو يتحرّك في دائرة متّسعة لا أول لها ولا آخر؛ تتعدّد وتتنوّع فيها أسباب غلاء الأسعار نتيجة (لسياسات كلية) وممارسات أعلى من طاقة وزارته، ولكن كأنه لا يدرى بهذه الحلقات والتصرّفات والممارسات التي تخيّم على مجمل مناخ التجارة والنقد والقيمة الشرائية والعملة المحلية والصادر والوارد والتضخم وتحجيم الكتلة النقدية والارتفاع المهول في سعر صرف الدولار (في السوقين) والإرتفاع الثلاثيني المئوى في الدولار الجمركي!

ما أسهل أن يُقال أن هناك فوضى في الأسواق ولكن ما أصعب على المرء الوزير (في سرب غريب غير سربه) أن يستبصر مسؤوليته عن مجمل السياسات الإقتصادية للدولة حتى يعرف أين يكون مكانه ومسؤوليته المباشرة في وزارته، بل ومسؤوليته حتى عن القرارات السياسية العامة؛ ولا تقل لي أن القرارات السياسية للبلاد في الشؤون العامة لا تأثير لها على المعيشة وتكلفتها! فالسياسات المحلية والإقليمية والدولية لا يمكن فصلها عن حركة السوق الداخلي وأعمال وزارات التجارة والاستثمار والمالية..إلخ

هل مشكلة الاسعار وفوضى الأسواق يمكن معالجتها بما اقترحه الوزير من (ديباجات) يكتبها التجّار وأصحاب الحوانيت على بضاعتهم من سكر وشاي و(صابون وظهره) وزيت وعرديب ومحريب وبتخصيص الوزارة أرقام تلفونات لتلقي شكاوي الجمهور؟! ومَنْ يا ترى سيمر على (كناتين السودان) وحوانيت الأحياء في (القرى والمدائن) ليتأكد أن الديباجات ملصوقة على ظهر كل سلعة تمام التمام! ثم هل يا ترى يكون الحل في تلفونات الشكاوي؟ وماذا بعد تقديم آلاف الشكاوى؟ هل يتم استدعاء التجّار للمحاكم؟ وما هي الحلقة التي يمثلها تجّار التجزية هؤلاء في حركة السلع، وما هي حصة تجّار الجملة من المسؤولية في مقابل المورِّدين؟ وما دور الدولار والتضخم؟ وماذا فعلت الدولة قبل ذلك في محاكمة ضياع المليارات حتى تتحسّر على (قريشات) أصحاب الكناتين؟!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////