عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تكتسب الإنتخابات في النظم السياسية الحديثة أهمية بالغة لما تمثلة من تعبير عن إرادة الشعب في تشكيل نظام و إسلوب الحكم ، و في تحديد من يمثل الإرادة الجماعية للشعب . و في سبيل ذلك إختلفت النظم الإنتخابية في الدول الديمقراطية ، إلا انه - في ذات الوقت - جميعها سعت الى بيان أكبر درجة من الشفافية و النزاهة ، و ذلك بإتاحة الفرص لكل الأطراف المشاركة في العملية السياسية، لتعقب محاولات التأثير السلبي على العملية الإنتخابية وإدارتها.

تجتهد هذه الورقة في تقديم رؤية علمية لاصلاح قانون الانتخابات القومية لسنة 2008، بما يحقق الاهداف القومية في بناء توافق وطني حول مستقبل العملية السياسية في السودان، و هذا يشمل بالضرورة، ضمن أشياء أخرى، إختيار الوسائل الانجع لتداول السلطة بصورة سلمية و ديمقراطية، وبالتالي تكون التعديلات في القانون الإنتخابات لآزمة بوصفها داعمة للوحدة الوطنية وداعمة للتعايش السلمي و تحقيق التوافق السياسي، متى ما تمت في وفق المعايير العالمية المطلوبة.
و لكن من المهم الاشارة هنا، ان قانون الانتخابات هو جزء من منظومة قوانين تنظم الحق في حرية التعبير و الاعتقاد و الحق في التنظيم و التجمع، و لا يتأتي ان يتم إجراء اي تعديلات في قانون الانتخابات بدون وضع منهجية عامة لاصلاح كل القوانين الماسة بتلك الحقوق، و بمعنى آخر، لابد من إجراء تعديلات قانونية متزامنة، و منسجمة، في قوانين أخرى، شديدة الصلة باستقرار البيئة السياسية، و بالحريات العامة، لا سيما ان تلك القوانين ظلت على الدوام محل إنتقاد فقهاء القانون و مؤسسات و نشطاء حقوق الانسان، و الأحزاب السياسية.

الهدف من هذه الورقة:
تهدف هذه الورقة الى تقديم مقترحات تشريعية، لاصلاح قانون الانتخابات لسنة 2008، بإبتدار مبادئ و أحكام تعمل على المساعدة في إجراء إنتخابات حرة نزيهة، تشرف عليها هيئة مستقلة، في فضاء ديمقراطي تعددي، يساعد في التحول الديمقراطي الشامل. و قد قدمت السلطة السياسية الراهنة في أكثر من مناسبة، الدعوة الى عقد إنتخابات ديمقراطية، و من جهةٍ أخرى يشكك المعارضون في صدق نوايا الحكومة، بزعم أن الفضاء السياسي تكتنفه العديد من القيود و المحددات، التي تقف عائقاً أمام الممارسة السياسية بشكل ديمقراطي.
و مهما يكن الأمر، يظل الاصلاح التشريعي و المؤسسي، أمر ضروري لأي تحول ديمقراطي، بل أن منهجية الإصلاح و الآلية المتبعة في ذلك الاصلاح، تعطي إشارات حول جدية و مصداقية و رغبة الحكومة في إجراء أي تحول سياسي، و إجراء إنتخابات ديمقراطية نزيهة. آخر وثيقة تناولت مسألة الاصلاحات التشريعية و المؤسسية المتصلة بالانتخابات، كانت هي وثيقة مخرجات الحوار الوطني، و التي فيها تعهد الحزب الحاكم مع الاحزاب الاخرى المنخرطة في "الحوار الوطني"، بالقيام باصلاحات جوهرية في قانون الانتخابات و المفوضية القومية للانتخابات.

إجتهادات من أجل تعديل قانون الانتخابات لسنة 2008:
جاء قانون الانتخابات الحالي لسنة 2008 بعد ان تم الغاء قانون الانتخابات لسنة 1998، و اول تعديل شهده القانون الحالي، كان في عام 2014، قبل انعقاد الانتخابات الرئاسية و الانتخابات العامة في عام 2015، و شملت التعديلات 16 مادة من مجمل مواد القانون البالغ عددها47 مادة.
إلا أن التعديلات واجهت انتقادات واسعة من الاحزاب السياسية و نشطاء حقوق الانسان. و لاغراض هذه الورقة، من المهم الاشارة الى بعض الملاحظات، بخصوص تلك التعديلات، و التي بمقدورها أن تساعد في تفعيل العصف الذهني بإتجاه انتاج قانون أكثر فاعلية في سياق تجربة تشريعية ناجحة:
• أن التعديلات شملت إلغاء عبارة القائمة الحزبية والاستعاضة عنها بالقائمة الحزبية العامة التي تحوي20% من جملة أعضاء أي مجلس تشريعي للمرشحين من حزب سياسي، وتكون على أساس قومي بالنسبة للبرلمان وعلى أساس ولائي للمجالس التشريعية الولائية بما يمكن الحزب من خوض الانتخابات في كافة أرجاء البلاد بقائمة موحدة.
• هناك تعديلات أخرى تتعلق باستثناء الرحل والقوات النظامية من شرط الإقامة ثلاثة أشهر في الدائرة أو المنطقة المعينة، وهو تعديل يبدو في ظاهره منح الناخبين فرصاً في المشاركة دون قيود وهو أمر إذا اردنا تحليله سنجد انه ينطوي على مخاطر كثيرة و تفتح الباب واسعاً امام القوى السياسية الحاكمة في إساءة إستخدام موارد البلاد، و القيام بترحيل الجنود و العرب الرحل مستغلة سيادة الدولة و قدراتها في تغيير الطبقة السكانية لأي دائرة جغرافية بين ليلة و ضحاها.
• وفيما يخص التعديلات بزيادة نسبة تمثيل المرأة والتي أقرتها التعديلات بما لا يجاوز 5% من 25% الى 30% ، فهي تبدو ظاهرياً منسجمة مع تطلعات المرأة في المشاركة الواسعة في الحكم و الادارة. بيد أنه، ثبت من خلال التجربة السياسية المستمرة منذ توقيع إتفاقية السلام في 2005، و حتى اليوم، و هي الفترة التي تم فيها إعتماد العمل بنظرية الكوتة او التمييز الإيجابي لصالح المرأة السودانية، أنه لا يمكن إعتماد نظام الكوته بشكل منعزل عن العديد من التدابير المعززة لهذا المبدأ.
• و شملت التعديلات كذلك على تقليص مقاعد البرلمان من 354 إلى 326 مقعداً.
• و كان مهما بالضرورة، أن يشمل تعديل قانون الانتخابات 2008، كل المواد و الإحكام المتعلقة بجنوب السودان، الذي بعد يوليو 2011 أصبح دولة مستقلة عن السودان.
أما التعديل الثاني لقانون الإنتخابات القومية لسنة 2008م فكان بعد إنتهاء جولات الحوار الوطني، و التي قضت بإضافة عدد من الاعضاء للهيئة التشريعية القومية والمجالس التشريعية الولائية عن طريق التعيين بواسطة رئيس الجمهورية وذلك إنفاذا للتعديلات الدستورية التي اوصت بها وثيقة الحوار الوطني.
تلك التعديلات، تعكس مستوى الارادة السياسية في التحول نحو الديمقراطية، فتارة تعطي الحكومة إشارات سياسية برغبتها في تحقيق الانفتاح نحو الديمقراطية، و تتارة تأتي ممارستها للسلطة على نحو مغاير لتلك الاشارات، و يتمظهر هذا في الاضطراب السياسي الواضح الذي تعكسه تلك التعديلات في قانون الانتخابات و في تبني مبادئ الديمقراطية التي من المفترض ان تسود في تلك التعديلات. و بشكل عام، من الواضح ان كل الفعاليات السياسية التي تحاورت مع الحكومة، قد أبدت تحفظها على قانون الانتخابات ضمن أشياء أخرى، بوصفه لا يلبي شروط العملية الديمقراطية، و لا طموحات الراغبين في ممارسة المشاركة السياسية الديمقراطية، لذا جاءت التوصية في مخرجات الحوار بالغاء القانون الحالي و ايجاد قانون آخر للانتخابات - التوصية رقم 61 – لجنة قضايا الحكم - .