1

من أزاميل الزمن- مجموعة قصصية
لم يكُن طارقٌ ضِمن المُودعين، الذين أحتشدوا في دارِنا، و أكملَ بعضُهم الجميل بمرافقتي للمطار، و لكن ذلك لم يكُن الأهم... فقد إفتقدته أكثر في الليلةِ السابقةِ للسفر، تلك الليلة، و ذاك السمر، الذي كنتُ سأُشرِّح فيه خواطري، حوْل كُل شيء: السفر و الغربة و مفارقة الديار.... و أُوصي طارقاً الوصايا الأخيرة: ضَرُورة الإِنضباط في التعامل مع مصاريف الوالد التي أؤمل في إرسالها: أرتالاً، من هناك... علاج أمي... دراسة أحمد... تهدئة الخطيبة و تطمينها على الدوام، و إلى أن أستطع الباءة...فأتزوجها...
و فوقَ كل شيء، كان يهمُني ان تستمر لمَّةُ الأصدقاء: غيظاً للعدُو و مسرّةً للأعزاء...
و لكن طارقاً: لم يأتِ!
و لم يكُن في الأمر لوم، و لكنه كان عشمٌ، و أمنيةٌ، ضاعت بالطريقة نفسها التي تضيعُ بها الأشياءُ، دون حكمةٍ واضحةٍ و مهضُمومة، في بلادِي... سنا الفجر!
و قد كان كل ما استطعت عملهُ، هُو: ترك الرسالة القصيرة الطويلة، التي أرسلت فيها ما يُشبه البرقيات و رؤوس المواضِيع لطارق، تلك الورقة التي حملت الوصايا الأخيرة... تاركاً أيِّاها له مع شقيقي الصغير: أحمد!
و لكني تحدثتُ مع طارق، مرّة أخرى، واحدة في الخيال، عندما طالبوني برسوم المغادرة في المطار... كوميديا أخيرة في بوابة الخُرُوج، لم أكُن مُتحسِّباً لها:
- خمسة و تلاتين جنيه؟
و رآني أحد المسافرين و أنا في تلك الحالة من الإرتباك، و الإنزعاج، فحادث الموظف دون أن يستأذنني:
- دي الرسوم بتاعتي و بتاعة الأستاذ دة!
لم أرد عليه بكلمة، و أنما حملت عيناي نظرةَ إمتنانٍ عميق، بادلها هو بإبتسامةٍ مُشجِّعة، كانت ذادي الأخير من خير بلادي، لزمن.
وجدتني أضحك، و أنا أحادثُ طيفَ طارقٍ عن رسوم المُغادرة، تلك الأضحوكة صنيعة الحكومة الجحمانة! و عن إنسان بلادي، و عن رغبتي أن أعود إلى البيت و الآن...
و ضحك طارق، في خيالي، مليئاً... بحيثُ أنساني ضحكُهُ المُعافى: غيابه الراهن عن وداعي في المطار... و مساحته الخالية ليلة الأمس، تلك الليلة ذات الإمتدادات الودُودة، و اللقاءات الجانبيّة و القفشات على هامش الإحتفال...الثرّة، اللذيذة... أو التي هي: بطعم العسل!
كانت رسالة طارق الأُولى في منفاي، والتي تلاها سيلٌ هطالٌ من الرسائل، تركَّزت على أمرين: الاعتذار عن غيابه في وداعي، والأخبار الخاصَّة بصحة أمِّيْ أو (نقطة ضعفي!)... كما كان يحلو له، و كما كان يُشير لها ساخراً.
وقرأت الرسالة بنهم والتهمتها التهاماً...رغم إني قد مررتُ على الاعتذار، من حيث الجوهَر ، مُرُور الكرام، إلَّا ان التعابير التي صيغ بها اعجبتني... إيهِ......أين أنت يا صديقي؟؟؟
وقرأتُ بتمهُّل ، وأعدتُ، عشرات المرَّات: قراءة فقرات الرسالة التي تحدَّثت عن مرض أُمِّي... ولطفتها، فلم أهدأ... بحيثُ وجدتني أحاول أن أقرأ أمام، و ما بين السطور وظلالها... وعلى العُموم، فقد أصابني هذا الجزءُ بكآبة لازمتني و دامت معي لأيَّام ،وأرتني حجم ما قد ضحيت به و تنازلتُ عنهُ، وانا اترك السُّودان: في رحلة طويلة مع الايام ...
ومن خلال تلك الظلال من الكآبة، تراءيت لنفسي: هارباً من أتُون معركة الحياة في بلادي، تاركاً أحبابي يقاسون: ما هُو معرُوف عند جميع خلق الله!
و بخلاف رسائل طارق، المشبَّعة برائحة الأهل، كنتُ أجد مُتنفساً في جلسَات و لمَّـــــات نهاية الأسبوع: المحضُورة من رفاقي المهجَّرين، و قد كانت، تلك الأماسي، تضّجُ بنكهةٍ قريبة من الجلسات (الأصل!) في بلدنا... و تتفوّق عليها من حيثُ زحمة المأكولات و تنوع المشروبات... و رواقة بال و صفاء أذهان الحاضرين في أغلب الأحوال، لا يوتِّرها قطع إمداد الكهرباء... و لا تطوف عليها جيوش البعوض و الناموس!...
و مع ذلك كانت تنقصها ميزة، لا يُمكن تحديدها بالكلمات، و لعل أبلغ ما قيل هنا، أنه تنقُصُها:
- دوامات غُبارِ الخُرطوم، و رائحةُ عرقِ الأصدقاء...
و أضيف أنا: (و تأوهاتُهم من أوجاع الحياة القاحلة و الضغوط العالية، تلك التأوهات التي تشبه تأوهات المصارعين، و هم يتلوُون مِنْ ألمِ السُّقوطِ فوق خشبة حلبة الصراع!).
و بدأت جلسات أماسي المهجرين تفقد بريقها عندي، و حلت محلَّها واجبات، سمجة، في التحضير لأنشطة الأسبوع القادم، و ذلك بعد أن حصلت على عمل... و بات وقتي أغلى من لؤلؤةٍ بضّة!
و صرتُ أُفضلُ القراءةَ... و تدوين الخواطر، أو التسوُّق: بدلاً عن مُشاطرة رفاقي جلساتهم، و لمحتُ في نفسي ميلاً إنطوائيَّاً دخيل... و عززه سَكني القصْي عن الأحباب، و الذي لا يجاورني، من بني لساني، فيه أحد!
مع خطابات طارق، كانت تجيءُ، أحياناً، رسائل من أحمد، بعاطفتها الجيّاشة و قصور رؤيتها و ركاكة اللغة، مدعَّمة بصور من بيتنا و ناس بيتنا... و لم أكن استطع تمالك نفسي إزائها متأرجحاً بين البكاءِ و الضحك... كانت عفويته تقفز من ثنايا الكلمات و من بين السطور... و قد لاحظت أن همته كانت تطرد و إمكاناته في تطورٍ مستمر... و كنت أقهقهه حين يشير لزيارات أصدقائي، حرّاس العقاب، لنا في البيت، إذ كان يكتُب عنهم بنديّه، تشي: بأنه ورث تلك الصداقات، أو ...هُو، على الأقل، في طريقه إلى: وراثتها!
كانت الرسائل إذن، بوتائرِ ورودِها العالي، و محتواها الإخباري الدسم، هي حبل السر بيني و بين أهلي و الديار...
كانت المكالمات التيلفونيّة نادرة و تتم في الضرورات، حينما يكون في الأمر عجالة أو حينما تحتاج المناقشة لأخذ ورد... ما عدا الإتصالات المتقطعة من فينة لأخرى و التي كان يطيبُ لي فيها سماع أهلاً من الوالد و الوالدة... و كانت تلك المكالمات تتم، إمّا بمبادرة مني أو طلب منهم...
و في الليالي التي كانت تعقب تلك المكالمات، كنتُ أحرصُ أن أنتعش بحمّامٍ دافيء و أحلق ذقني و أتعطَّر... لأسمع موسيقى و أغنيات من بلادي... أو في أحوالٍ نادرة ألوذ بالإنضمام إلى أماسي نظرائي المهجرين... و كنت أجيدُ، و لا أزال، التغني بأغنيّة الموسيقار (مصطفى سيد أحمد)، سفر العمر:
ما بان عليك سفر العمر
لسة الربيع يا دابو زار
لسة الضفاف المترعة
بتفيض ندى وتطرح ثمار !
و درج، جميع المهجّرين، على أن يطلبوا مني الترنم بالأغنيّة، في ختام الأماسي التي أحضرها معهم... و كنت بدوري أنتظر نصف طلب أو مجرّد تلميح، لأجأر بالغناء!
و في الصباح، عندما أفُوق، و ينقشع عنِّي ضبابُ السهر، تراني أبدأ الأستعداد للذهابِ إلى العمل!... و لكِن، بتكاسُلٍ شديد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سَفَرُ العُمُرْ.............2

من أزاميل الزمن- مجموعة قصصية
لقد عنت لي فُرصي الأولى في العمل: إهانة و تبخيس ليس بعدهما هوان، لأن المِهن التي أُتيحت لي في السنتين و الخمسة أشهر الأُولى من الهِجْرَة، كانت مِهن هامشيّة (عامل نظافة)، و كنتُ بخلاف الشُّعورِ بالإهانة، أشعر بالتعب في أقصى درجات تأثيره في نهاية كلِّ يوم... و ذلك لطبيعته البدنيّة، و التي لا تُلائم طريقة حياتي السابقة، الرخوة: بأكملها!...
و لكِن، يبدو أن ذلك الإنهاك كان أفضل... و فيه خير، لأن انهماكي في العمل قلَّل، من حيثُ لا أدري، و بشكلٍ كبير، فُرص التفكير و التهويم، الذي لا بُد و أن يكون سوداوياً في بلاد الجليد الأبيض، و البرد المتناثر هبوطاً من السماء...
أما شهاداتى الجامعيّة، و فوق الجامعيّة...الموثّقة، فقد كانت مدخُورة لليوم الذي أستطيع فيهِ التغلغل بها في عالمٍ قاسٍ، يضج بالمُنافسة الشرسة و تسوده القيم الربحيّة التي تستبطن فيما تستطبن: عُنصريّة بغيضة أيضاً، و قد عملت بجهدٍ خرافي في السنتين أولائي، و بولاء كامل للهدف النهائي لعملي: ألا وهو: نظافةُ المرافق العامـــــَّة!... و لكن رغم ذلك كانت المغايص تكاد أن تشطُر فُؤادي لنِصفين!
و كانت هُنالك بعض الأخبار التي تعمل على المزيد من الجز و التقطيع لنصفي فؤادي المُنشطِر، ترد في طيّات الرسائل و تتخلل المكالمات، و كان طارق يحرص أن تكون تلك الأخبار و ما شاكلها ضمن رسائل أحمد، و ليس في متون خطاباته هو... و كان أقسى تلك الأخبار على نفسي: موت الشباب من أصدقائي و معارفي و الأهل... التي كانت تنزل عليَّ نزول الصاعقة و تجعلني، لزمن طويل يلي نزولها، تجعلني كالمجنون. و قد كان أسوأ تلك الأخبار، فعلاً، رحيل أسرة بروف سيد أحمد عبد القادر، في حادث حركة، قبايل عيد، في طريق شريان الشمال... و حادث وفاة إبن عمتي خالد الذي ابتلعه النيل في رمضان... و مع أني لم أعلم بوفاة (خالدٍ) إلا بعد أكثر من شهرين من وقوعها... إلا أن وقع الخبر عليَّ كان استثنائيّا...
و بخلاف أخبار الموت و المرض، فقد أنهت محادثة تلفونيّة علاقتي بسوسن، كان ذلك ما توقعته و أنا أجرجر خطاي نحو صالة المُغادرة، و عملت على عدم حدوثه... و لكن، يبدو أن:
- البعيد عن العين، بعيد عن القلب... فعلاً!
فقد كان منطقها قويّا و لهيجها مُهذباً، و هي تتلُو القرار التقريري، القاضي: بفض الخطوبة كتحصيل حاصل... و أعلان حالة باتت معلومة للجميع، على مسامعي.
و شربتُ في تلك الليلة و لأول مرّة: لوحدي، نادمتُ نفسي! ...
و بدأتُ منذ تلك المُحادثة أمّيل إلى الشراب منفرداً... و لا أملُّه... و أمتلأت منذ ذلك اليوم ثلاجتي بصنوفٍ من الخُمُور، كانت تعزيني: نعم!... و لكنَّها كانت، على المدى الطوِيل، تتأبط بي شرّاً!
و تأخَّر زواجي، في بلادٍ لا تكتسي فيها المؤسسة الزوجيّة بنفس القدسيّة و المكانة السامقة عندنا... بلادٌ يُضاجِع فيها كلُّ شيءٍ كلَّ شيءْ!... و ذلك رغم إلحاح أُمِّي في المُكالمات أو عبر رسائل أحمد و طارق، ذلك الإلحاح الذي لامس التوسُّل و الإستجداء:
- إن شاء الله: خواجيَّة، أحضر جديدك و أشوف وليدك! يا جناي...
بيد أنَّها فارقت الحياة، دون أن يتحقَّق لها ذلك، و دون أن يتسنى لي الإعتذار و توضيح الأمُور لها: وجهاً لوجه.
و تشظي قلبي، هذه المرّة، و تفتَّت الى أجزاءٍ صغيرة... لا يحتمِل إي جُزءٍ منها : مُرُور النسيم!
و أحسستُ بحاجةٍ ماسّةٍ لمعانقةِ تُرابِ الوَطَنْ، التراب الذي إحتضن جسد أمي و سيأويه إلى يوم يبعثون، و مقابلة الأهل، إذ لم يكن كافياً لتعزيتي و تعزيتهم سيل الكلام الذي قلناهُ و كل الحُرُوف التي سطرناها، و المشاعر المبثُوثة عبر ذلك الكلام، و تلك الحُرُوف،للتخفيف من مُصاب الفقد المشترك: العظيم!
و لكن، لم يتسنى لي لأسباب ماليّة و إداريّة تخص بلد المهجر: العودة للسودان!...
و لا حتّى لأربعٍ و عشرين ثانية!...
و في السنة التي تلت وفاتَها، و بتاريخ مُقارب لذكراها السنويَّة، انتقل أبي، هو الآخر، للدار الآخرة، و هو في موفُور صحته و كامل عافيته، انتقل بلا مقدمات و استجاب لنداء القدر: فمات!...
و حزنتُ... و تفجَّرتْ، بعقلي، عشراتُ الأسئلة، عن: جدوَى الحياة، و مغزاها؟
و كُنه الموت!؟...
الموتُ، ذلك: الحاضِر الغائِب، الذي: (لا قانُون لهُ)... و هدأت موجه تلك الأسئلة الكونيّة و برد غليل المشاعر و أنا أحتضن أفراد الأسرة، من: أخواتي و شقيقي أحمد، و بعضُ الأهل و الأصدقاء يتقدَّمهم طارقٌ، باكياً قلباً و جفنا!... في باحة المطار، مقابل صالة وصول الرحلات الدوليّة.
و تبادل الرجال الفاتحة، بينما أجهشت أخواتي بالبُكاء، هُناك في العراء، و فاضت دموعُهن ثخينةٌ، و حذت حذوهن المرافقاتُ من نساءِ الأهل و الأقارب و أسر الأصدقاء، بعضهن بدموعٍ حقيقيّةٍ مالحةٍ، و الأخريات بدموعِ تماسيحٍ: وجب ذرفها، على سبيل المُجاملة، مع بعض النويح المُصطنع!
و لكن قالت أحدى أخواتي لي بيقين:
- تصدِّق يا ياسر! ... يمكنني تصنيفُ الحقيقي من الزائف، لبكاءِ: ألفُ إمرأة!
و أنتهت مراسم إستقبالي الحزينة في ثلاثة يوم، كان عليَّ، بعدها، أن أفي ببعضِ الواجباتِ الإجتماعيّة، على رأسها: الفواتح، و التهاني بالأعراس... و الأفراح، التي تمَّت في سنوات غيابي...
و بعدها تلبية دعوات الأهل على وجبات ترآت لي كالحلم من حيثُ الطعم و كثرة الأيادي...أمّا لمّات من تبقى من الأصدقاء، فقد كانت تتم بالأماسي، و تغنيتُ فيها، أنا، مُتمنِّعاً، بعد تحانيس: أُغنية سَفرِ العُمُرْ...
و رأيتني أغتسل من أحزاني رويداً... رويداً، و أمتليءُ بنفحاتٍ طيبة من الأنس الأصيل، و الرفقة البهيجة!
و دعاني طارق لحفل زواج عند أقاربه، و لبيت الدعوة، و رأيت الناس الفرحين يرقصُون و يغنُّون و يضحكُون و يتسامرُون، كما كنتُ أراهم في الزمان الغابر، دائماً، و أنتشيتُ، و من بين حنايا النشوة، لمحتها: لميس! كما أفادنِي طارقٌ: لاحقاً...
و لم يتح لي أن ألتقيها قبل السفر، إذ كان عليَّ أن أغادر الوطن بعد يومين من ذلك الحفل، هذه المرّة دون توجس من السفر و دون خوف من فقد والديّ، و دون أن تكون هناك رسوم مُغادرة، و دون أن يتخلّف طارقٌ عن وداعِي!
وظيفتي الحاليّة تُتيحُ لي الإقتراضَ المصرفِي لشراء منزل، وسط المدينة ، و لكن، هل أخطُو باتجاه الإستقرار النهائي بالمهجر؟ لا سيما و إني أحملُ، الآن، جواز سفر البلد المضيف... أم أشرع في التأسيس للعودة متى ما انصلح الحال في السودان؟ بشراء قطعة أرض في الأطراف، مثلاً!
و ضبطتُ نفسي: منتظراً صلاح الأحوال!... غير مُقدِمٍ على التضحيّة في سبيل ذلك الصلاح، كأبطال الداخل الشجعان، العاملين على التغيير، و تقديم ما يتطلبهُ من تضحِيات و تنازُلات، كأن لسانَ حالِي يقُول:
- أبعد عن الشــــر، و غنِّيلُو!
و رجَّحت موافقة (لميس) على طلبي الزواج منها، رجَّحت كفّة التخطيطِ، طويل الأمـــــــد، للإستقرارِ هُنا، في الغربة، حيثُ المشاركة تجعلنا نشعر بإنسانيتنا... أو كما قيل!
كما إن رأي طارق كان موافقاً للإستقرار خارج السودان، طالما كنت هانئاً هناك، لأنه:
- لا بشائر تلوُح في الأفق لتحدِّث عن تحسن، قريب، في الحالة عموم... و علي بالطلاق، لميس ذاتها ما دارتك إلا لأنَّك ستتيح لها مغادرة البلد...
و أختتم الرسالة بتعليقٍ ساخرٍ، يُفهم على غير المقصد، أورد فيه مقطعاً من أُغنية خالدة للموسيقار ( أحمد الجابري)، أظنها أغنية (حِكْمَة) :
- حدي يشعُر بالسعادة... يمشِي يختار البُعاد؟؟؟
و ما انصرم العام ، إلا و دخلت لميس البيت المشترى بالأقساط البنكيّة المريحة... ملكةً متوجةً على قلبي، و سيِّدةً، مطلقة الصلاحيات، له... كنت قد أستقبلتها، مع والدتها و إحدى أخواتِها، في المطار... و برفقتي أفراد شلة أنس الأمسيات...
و لفتنا نظر الخواجات، أنا بالعمة و الجلابية ناصعتي البياض، و هي بتوب بألوان القرمصيص، و انتشرت روائحنا العربيدة في انحاء صالة المطار، مزيج مذهل من رائحة البخُور و الدلكة و الخُمرة... و هَجَّجْنا في الصالة، و في الطريق، إلى الدار... ثمّ في الدار نفسها و غنينا، و مَرحنا، حتَّى: الساعاتِ الأُولى من الفجر...
و اندهشت لميسٌ و هي تستمع لغنائي: (سفر العمر!)... و طلبت مِنِّي أن أُعيد ترديدها على مسامعِها، و أُغنيها لها، لوحدِها، بعد أن إختلينا... و أنصرف الجمع إلى حالِ سبيله!
و تماهيتُ مع حياتِي، هنا، و ملأت عليَّ لميسٌ، و من بعدها طفليها الملائكيين حياتي، و لم أشعر بوقع حوافر الزمن، و دقّات ساعاته... إلا عندما صارت لميس، تطرق و بشدة، موضوع العوْدة إلى أرضِ النيلين، و بعد أن أكملَ طفلُنا الثاني: عامَهُ الأوَّل من العُمــــــــر!
و مع أن عملي كان رتيباً، و ساعاته طويلة، إلا أن لميساً أستطاعت أن تملأ نهارات الإجازات و الأماسي الباكرة من أيّام العمل، بزيارات و برامج مشتركة مع أسر روّاد الأماسي... و ملتُ، أنا، لتلك البرامج العائليّة أكثر، على عكس أغلب أصدقاء الغُربة، الذين كانوا يفضِّلُون أن يتنادمُوا و يبتهجُوا حتى الساعاتِ الأُولى من الفجر!
و صارت وجباتنا، و أغراضنا، و مشترياتنا كلها، تحملُ: نفحةً من رائحة طمي النيلين و عبيرها... و هدَّأ ذلك من روعي، و جعل إحساسي بالتغرُّب و الضيم يخفُت...
و لكن لميساً كانت تحمل همّا من نوع خاص: هم نشأة و ترعرع الطفلين!...
كان إحتمال أن يتنصرا، أو على الأقل ينتميا للعالم الأول، يُخيفها... و كانت كلمّا تطرَّقت أُمهات البنات اللائي ولجلن، أو سيلجن: سن المراهقة لتناقُضهِنَّ و توجسهِنَّ من مُجتمع المِهجر و مفاهيمه تُخيفها، لا سيما موقف المُجتمع من الجنس... و من الإسلام، و كانت تبثُّني لواعجَها و هُمومها بطريقةٍ ساخرةٍ و صريحة:
- هسَّة، بتَّك دي، بعد عشرة و لا خمستاشر سنة: تجيب ليك صاحبا في البيت؟
و لم أكن أملك إجابات و تطمينات: واضحة، و يقينيّة، عن: مدى إحتمالاتِ نجاة بنتي الكُبرى (لَمَــــا) من تأثير المجتمع و سطوة مفاهيمه، فيما بعد؟... عليها و على أخوانها و رفِيقاتِها... لا سيما و أن حريتها و استقلالها، عنّا أنا و أمها، حق دستوري يكفله لها القانون، و يرعاهُ المجتمع...
و لكني كنت على سبيل المخارجة و قفل باب الحوار السابق لزمانِهِ بسُدُس قرنٍ من الزمان، كنتُ أُشير إلى ما نسمع عنه، من: فساد طال نواحٍ شتى من الحياة في أرض الوطن، و ظواهر، قايمة بروس، مثل داعِش و ما يَدْعشُون‘!؟
و قد كنتُ أعلمُ، إن موقفها من استمتاع إبنائها الذكور بالحريات و الميزات الإنفتاحية للمجتمع المضيف، مقبولٌ عندها، و لا غُبار عليه، مهما أظهرت خلاف ذلك، و مهما اَّعت مساواةً بين فَلذاتِ كبِدِها!
و لكنَّها لو كانت تعلم، إنفرادي، أنا، ببعض البراحات التي تُتاح هناك و استمتاعي بها، سِرّاً، وفق أهواء النفس الأمّارة، لطلبت مني المُغادرة، اليوم قبل غدٍ، إلى أرض الوطن الحبيب!


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////////