تساءل الدكتور زهير السراج، صاحب الرؤية الثاقبة، والمتابع الدقيق، والمحلل العميق، لمجريات الأحداث الأخيرة، في مقاله الأخير بالعنوان أعلاه، سؤالا منطقيا ومشروعا، حيث كتب:

(... لا اجد سببا لتمسك المجلس العسكرى بالسلطة الا لتحقيق مصلحة ذاتية ضيقة او محاولة حماية انفسهم او بعضهم من شئ يخافون منه، لا فرق في ذلك بينهم وبين المخلوع الذى ظل متشبثا بالكرسى ليحمى نفسه من الحساب على الجرائم الكثيرة التى ارتكبها الى ان يحل أجله ويفارق الدنيا وهو على كرسى الحكم، ولكن خاب فأله وتبدد أمله، وصار مخلوعا محبوسا وراء القضبان تلاحقه اللعنات، منتظرا المصير الذى ظل يهرب منه، لم ينفعه مال أو عسس أو أجهزة أمن، ولا حتى الذين منحهم الرتب والمناصب الرفيعة والكنوز والاموال الطائلة وخرق من اجلهم كل القوانين والاعراف، وكان يتغزل فيهم ليل نهار، فكانوا أول من إنقلب عليه، فهل يظن اعضاء المجلس العسكرى أنهم سيكونون افضل حظا منه، فيأتيهم الموت وهم على كراسى الحكم، أم أنهم يعلمون الغيب؟! ...)!
وأنا قد سبقت لي الإجابة على مثل هذا السؤال المحوري، والأساسي، والذي يتعلق بكل مستقبل السودان، وبمصير هذه الثورة التاريخية، التي أذهلت العالم، ولا تزال تذهله كل يوم، وكل ساعة.
وأنا كتبت من قبل:
(... علينا أن نعلم، منذ الآن، بأن لحميدتي حلفاء في معسكر السعودية والإمارات، ولن يتخلى عن مصالحه وتحالفه معهم. فهو قد التزم وتعهد للمملكة السعودية والإمارات بعدم الإنسحاب من اليمن، وعقد صفقات كبيرة جدا معهم، قبض ثمنها، وتم بموجبها تسليح قواته ودعمها دعما قويا، هو الذي جعلها الآن أقوى من الجيش السوداني، وجعلها القادرة على تصفية وتطهير الجيش من الأخوان المسلمين، وفك قبضتهم عليه، وعلى البلد. وتم بموجب تحالفه هذا تمويله ماديا، وبسخاء، جعله الأقدر ماديا ...)! ومعلوم كذلك أن البرهان هو شريك حميدتي في جرائم دارفور وصفقات توريد الجنود السودانيبن في اليمن!
فسبب تعنت البرهان وحميدتي، وبقية الفرقاء الميامين، المرصعين بالدبابير، من أعضاء المجلس العسكري، (الذين منحهم الرتب والمناصب الرفيعة والكنوز والاموال الطائلة وخرق من اجلهم كل القوانين والاعراف، وكان يتغزل فيهم ليل نهار)، كما تفضل بالقول الدكتور الفاضل زهير، هو أن هؤلاء جميعهم مجرمون، وشركاء للبشير في جل، إن لم نقل جميع، جرائمه في حق هذا الشعب المغلوب على أمره. وهم يعلمون علم اليقين، بأنهم لا بد سيحاسبون، وأن سيف العدالة سيطول رقابهم، وستصادر بأمر المحاكم وبتطبيق القانون، جميع أموالهم التي نهبوها منفردين، أو بالشراكة مع نظام المخلوع البشير، إذا هم فقدوا السلطة، وسلموها لحكومة مدنية.
ولهذا فهم لا يستطيعون حماية أنفسهم بغير التشبث بالسلطة، حتى آخر نقطة دم تجري في عروقهم. لأنهم يعلمون أن معنى فقدانهم للسلطة هو الموت المؤكد، بتنفيذ أحكام الإعدام، التي ستصدرها المحاكم، وتعني تجريد ورثتهم وأهلهم من الأموال التي نهبوها، وفقدانهم للنعيم الذي ظلوا يتمرغون فيه لعشرات السنين، ليصبح مصيرهم المؤكد: (ميتة وخراب ديار)! تلاحقهم بعدها، وهم في قبورهم المظلمة، لعنات الجميع، من الأقارب والأباعد!
وأنا أختلف لهذا مع تقرير الدكتور زهير بأنهم (كانوا أول من انقلب عليه)، لأن هذا لم يحدث! فقد صارت خيوط اللعبة تتكشف كل يوم، وتؤكد أنهم لا يزالون، ولن ينفكوا، حلفاء وشركاء، ولن يكون العباس، ولا قوش، ولا كاشا، آخر من تتواتر تقارير هروبهم.
وواهم من يظن أنهم ينوون تسليم السلطة بعد عامين من الحكم الانتقالي، فتجارب الحكومات العسكرية التي تعهدت بمثل هذه الوعود الكاذبة، ولم توف بها، مستفيضة، وواسعة في مدى انتشارها عبر دول العالم. وهم كذلك لن يوفوا حتى بتهديدهم بإجراء الإنتخابات العاجلة، خلال ستة أشهر، إلا إذا تأكدوا من تمام واكتمال استعدادهم لخجها، وطبخ نتائجها، الذي تعودوا عليه، وأتقنوه. فهم ياهم، كما قال القدال! وبإمكانهم تأجيل هذه الانتخابات المزعومة، إلى أجل غير مسمى، تعللا بعدم استتباب الأمن الضروري لإجرائها، وهو نفس الأمن الذي يوترونه بأيديهم، كما شهدنا في جرائم يوم الإثنين الدامي!
ليس أمام الثوار الآن خيار غير مواصلة ثورتهم الظافرة، حتى اكتمال نصرهم العزيز، باقتلاع آخر معاقل هذا النظام البائد. وهي مهمة ستكون شاقة وعسيرة، وقد تبدو مستحيلة، باعتبار حجم التضحيات الكبيرة، المطلوبة، والمتوقعة، من جراء خوض آخر معاركها العنيفة، والتي تشير المعطيات إلى حقيقة أنها ستكون معارك محجفة، بين قتلة ومجرمين مدججين بالسلاح الفتاك، وشباب ثائر عزل، يقابلونهم بصدورهم العارية، وبإيمان عميق بالوطن، ستسفك فيها الكثير من الدماء، بأيدي هؤلاء القتلة والمجرمين.
ولكن الله قد عودنا عنايته بهؤلاء الثوار، الذين اخترقوا كل حدود الممكن، والمنطقي، وقدموا بنماذج بطولاتهم، كل المعجزات، وعودنا رعايته لهذا الشعب، وسيصل عادته، أو كما قال الأستاذ محمود، أكبر شهداء الفكر الحر، وأصدق نماذج من قدموا أنفسهم فداء للسودان.
بدر موسى

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.