”كانوا كلهم مجتمعين من أجل الخديعة نفسها، ينادون بالوحدة ضد الطغيان حتى يتمكنوا بعد ذلك من الاشتراك معاً في تقسيم غنيمة وفاته، غارقين في أعماق الإدانة بحيث لم يلمح أحد ظهور الرئيس بلا تابوت. ” -غارسيا ماركيز 

رشح ضمن ما رشح إن أحد اطروحات االترتيبات القانونية الجديدة للفترة القادمة تدعو الِي منع السودانيين حاملي جوازات السفر الأجنبية من شغل مناصب عليا في الدولة مثل تولي الوزارة أو رئاسة الوزراء أو عضوية مجلس السيادة.
رغم ان التفاصيل ليست واضحة ويعلن عنها حتى الآن ، لكن الحجة التي استخدمها دعاة الحظر تدعي أن سبب المنع هو انه إذا ما ارتكب حامل جواز سفر أجنبي جريمة ، فإن الحكومة السودانية لن تكون قادرة على محاكمته واخضاعه لمجري العدالة . بالطبع هذه حجة سخيفة, عرجاء لا تمسك ماء. من المعروف انه من الممكن جدا محاكمة أي شخص يحمل جنسية مزدوجة لأنه في بلده الأصلي يخضع كاملا لقانون بلده الأصلي ولا يوفر له جوازه الاخر حماية في حال ارتكابه لجريمة. اما إذا هرب الِي بلده الثاني أو أي مكان اخر ، فيمكن إعادته للمحاسبة بواسطة الإنتربول. يتضح سخف الحجة اكثر بملاحظة أن الأشخاص الذين لا يحملون جنسية ثانية يمكنهم ارتكاب جريمة والهروب إلى الخارج الِي امن وامان ولكم عبرة في اخوان البشير الذين هم الان في مصر وقطر وتركيا .

لاحظ أيضًا أن منطق اطروحة هذا الحظر مفرط في النفاق لانه يستهدف فقط المناصب العليا - الوزارة أو رئاسة الوزراء أو عضوية مجلس السيادة. إذا كانت الحجة المقدمة أعلاه جادة ، فيجب أن يكون الحظر شاملاً ، أي يجب منع جميع حاملي جوازات السفر الأجنبية ليس فقط من المناصب العليا بـل أيضًا من جميع الوظائف الحكومية ، اضافة الِي بعض وظائف القطاع الخاص التي تعتبر حساسة من وجهة نظر الأمن القومي.

يبدو ان الهدف المرجح من اطروحة حظر حاملي جوازات السفر الأجنبية حماية الطامحون في وراثة النظام وامتيازات السلطة بـاستبعاد منافسة خبرات الشتات بغض النظر عما إذا كانوا الأكثر تأهيلا أم غيره. غني عن القول ان هذه الأطروحة تصدر عن عقلية انانية تكويشية تعطي الاولوية لمصالح خاصة علي حساب مصالح السودان ومبدا المساواة بين جميع المواطنين.

لن يخسر المرشحون المحتملون لشغل المنصب العليا الكثير في حالة المنع لأن الكثير منهم ، بالتعريف ، يعملون في مناصبـ جيدة بالفعل خارج البلد في مؤسسات مالية أو علمية أو دولية ويتمتعون بـعوائد أعلي بكثير من أي شيء يمكن أن تقدمه لهم وظيفة الحكومة السودانية في اعلي مستوياتها. في هذا السيناريو من النرجسية السياسية الخاسر الحقيقي هو الشعب السوداني الذي سيُحرم من الاستفادة من خبرات متميزة ونادرة هو في أمس الحاجة إليها.

من الحقائق الثابتة والمعروفة انه حين اعتلت الانقاذ السلطة أجبرت أفواج من السودانيين على الخروج من البلاد كما تم فصل الكثير من هؤلاء الأشخاص من وظائفهم وتم سجنهم وتعذيبهم. عانى الكثير من هؤلاء أيضًا من مصادرة جوازات سفرهم السودانية من قبل حكومة الاخوان. ولكنهم طوال فترة بقائهم خارج البلاد ، ظلوا مشاركين وداعمين بقوة للنضال من أجل استعادة الديمقراطية بطرق متعددة وخلاقة. ولا يمكن محو مساهمة هؤلاء التي تمت من الخارج وتغييب نضالهم من أجل الحرية وحقوق الإنسان عن طريق العمل المباشر, وتسخير معارفهم وخبراتهم وشبكات علاقاتهم الدولية وعن طريق توفير المال الذي اتاح صمود العمل المعارض في داخل السودان , وعزز تماسك الاسر وتزييت عجلة الاقتصاد.

لا جدال علي حقيقة انه تم إسقاط دكتاتورية الإخوان من خلال وحدة الجهود التي بذلها الشعب من داخل السودان ومن خارجه . الذين يسعون الان لتقسيم السودانيين والتمييز بينهم بذريعة جواز السفر في الحقيقة يسممون العلاقة بين السودان وشتاته الذي لم يكن يوما ما اقل التزاما بالقضايا الوطنية من مكان تواجده خارج الحدود. وهذا نوع من الخيانة العظمى الذي يوجه طعنة حادة في خاصرة وحدة وتضامن الشعب ولا يحقق شي اكثر من التمهيد لااحتكار امتيازات السلطة بعقلية تتعامل مع المنصب العام كغنيمة وليس كواجب ومسؤولية وطنية . الضحية الاكبر لمثل هذه العقلية هو الشعب السوداني ومستقبل التنمية والديموراطية, أما حملة الجوازات الاجنبية فلن يخسروا شيئا سوي الصداع وبواسير السياسة والقنطرة لفحص انسابهم وانساب جداتهم وعماتهم في خطاب السياسة الوعر.

وغني عن القول إن سؤال ما إذا كان الشخص مناسبًا للمنصب العام أم لا لا يعتمد على مكان وجوده. من المؤكد ان تواجد أحد خارج السودان أو عمله في جهة رنانة الاسم لا يعني تلقائيًا أنه لائق أو احق بالمنصب العام. فالساحة السياسية السودانية الان تمتليء بالكذابين والمحتالين والمروجين لأنفسهم الذين يتحرقون شوقا لتولي المناصب العليا باسم خبرات أجنبية هي في كثير من الاحيان منتحلة أو مبالغ فيها أو خضعت سيرتها لعمليات تجميل كثيفة. هؤلاء المحتالون يجب التخلص منهم وكشفهم. كما ان هناك الاف الشباب الذين لم يسافروا خارج السودان يوما واحدا ولكنهم قادرون علي العطاء في اعلي مستويات السلطة . ولكن من الصحيح أيضًا أن هناك الكثير من الأشخاص المؤهلين تأهيلا عاليا يعيشون في الخارج يحملون جوازات سفر اجنبية ويتمتعون بمهارات سياسية ودبلوماسية وعلمية نادرة, يصعب توفرها, و تحتاج اليها البلاد بشدة. لذا ، فإن الحكمة تتمثل في عدم الاحتفال بـأي شخص فقط بسبب جواز سفره أو مؤهلاته الأجنبية ولكن نفس هذه الحكمة تستدعي ان لا يتم استبعاده بهذه الأسباب.

يتضح ان استبعاد حملة الجوازات الاجنبية اطروحة تدعو للرثاء لانها تعني ببساطة ان شاب سوداني ثلاثيني ولد وترعرع في القصيم وتشرب فقه بن باز والشيخ العثيمين ثم درس شريعة بن عبدالوهاب في جامعة عرعر يحق له تولي الوزارة وعضوية مجلس السيادة حتى لو ولد وعاش كل حياته خارج السودان ببساطة لانه لا يملك غير جواز السفر السوداني . وبالمقابل فان هذا المنطق التعيس يمنع المنصب العام عن شخص ربما عاش كل طفولته وشبابه داخل السودان ودرس فيه , ومارس العمل السياسي وربما ضحي وتم استهدافه الشخصي من قبل دكتاتورية الاخوان , ثم اضطر للنزوح الِي الخارج , حيث اهتم بمراكمة العلوم المهارات علي مستوي عالمي و في اكبر واهم مراكز العلم والعمل وطوال وجوده في الخارج لم يتخاذل يوما عن نصرة النضال من اجل الديمقرطية وحقوق الانسان ولم تضعف سودانيته قطرة . لماذا يدعو البعض الاستبعاد شخص كهذا لمجرد انه يحمل جوازا اجنبيا رغم ان قلبه معلق بالسودان ولا خيار له في ذلك؟

هذه البلاد مليئة بالجراح وتجلس علي حقل من الالغام لذا فهي تحتاج الِي مجهود ابناءها وبناتها ولن تنهض بأعلاء أي معيارسوي النزاهة والوطنية والمقدرة علي العطاء وهذا يعني ان جواز السفر والمكان والجنس والعمرمفارز لا يعول عليها اذا كان البناء هو الهدف. أما أذا كان التكويش وتقليص المنافسة هو الهدف , فكل الضرب تحت الحزام يجوز.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.