قصيرةٌ هي المسافة بين المهزلة والمسخرة، وأقصر منها ربما تلك الواقعة بينهما والمسخ، وإذا كان هناك من يشك في ذلك، فليلق نظرةً على التطورات في السودان وتحديداً تحركات النظام هناك.

لقد زال البشير عن المشهد، ليحل محله رجاله، جلادوه في محاولةٍ للإبقاء على النظام بدون رأسه الساقطة لا محالة، وليعيدوا أداء سيناريو مشابه، إن لم يكن مطابقاً لما حدث في مصر، الأمر الذي لم يغب عن الجماهير العربية والمراقبين، مستدعياً المقارنات والسخرية، مع فارقٍ يتمثل في السرعة واختصار المراحل، إذ يبدو أن الثورة المضادة في بلداننا تبنت نهج «الثورة المضادة الدائمة» في استعارةٍ من الاشتراكية الثورية!

فالشاهد أن الطغمة العسكرية الحاكمة في السودان لم تتحل بالصبر كالمجلس العسكري في مصر، ولم تسع إلى احتواء المتظاهرين والانحناء أمام العاصفة مثلهم، بل كانت أسرع لمحاولة الالتفاف حولهم واستخدام أسلوب التصفية الجسدية للمتظاهرين. بيد أن ذلك لم يأت من فراغ، ولم تمله طبيعة الواقع السوداني الخاص بتعقيداته وتاريخه المتميزين فحسب، إنما أوصلتنا إليه توازنات القوى في المحيط الإقليمي والعالم الأوسع.

أنا على يقين أنه حين يكتب التاريخ فسوف يؤكد على أن أزمة الرأسمالية الغربية، وتراجع الدور الغربي والأمريكي تحديداً، شكلا الخلفية لكل التطورات طيلة العقد الحالي، الذي دشنته تقريباً ثورات الربيع العربي فتوازياً، وربما لا نبالغ إذا قلنا تعبيراً عن الأزمات الاقتصادية التي بدأت في 2008 وتراجع الدور الأمريكي، تقدمت قوى أخرى لتحتل الفراغ الدولي سياسيا واقتصادياً، بريادة الصين وروسيا، وقد أبرزت تلك الحقبة المأزومة أيضاً الإشكالية العميقة، بل شبه الإفلاس في هيكل الديمقراطية التمثيلية الغربية بشكلها وأحزابها وقواها التقليدية على ما هي عليه، ما عبّر عن نفسه بصعود التيارات الشعبوية.

على مسرحٍ مضطربٍ كهذا، وربما فيه وحده دون سواه، يبرز أحمقٌ جهول كترامب، ونرى عدم اكتراثٍ واضحٍ لا يتجشم مشقة التظاهر، بعكس ذلك إزاء مشاكل الشرق الأوسط التقليدية، كالاستبداد وحقوق الإنسان التي اهتمت الولايات المتحدة بها في ما مضى، ودأبت على الادعاء بتقييم الأنظمة عبرها، وفي حقيقة الأمر استخدامها كأوراق ضغطٍ، فالهم الأمريكي أوسع وأبعد وأكثر إلحاحاً، والفترة لا تحتمل رفاهية الادعاء بالاهتمام بالحريات، وآلافٍ يقتلون في دولٍ لا تعني ترامب إلا بمقدار ما يستطيع حلبه من أموالٍ واستثماراتٍ منها، ناهيك بالطبع عن ميلٍ عنصريٍ متأصلٍ وأجوف يرفده جهلٌ عميم.

من الملاحظ في هذا السياق، ذلك الاتفاق بين الصين وروسيا من ناحية، وأمريكا من ناحيةٍ أخرى، على تثبيت الأوضاع على ما هي عليه، بالطبع بدرجاتٍ متفاوتة من الصراحة، فالثورة والحريات يتيمة في هذا الزمن، وليس من قوى عظمى تقف وراءها أو تتعاطف معها، أو حتى تكفيها شرها وتتركها في حالها. في ظل عدم الاكتراث الأمريكي ذاك وانشغاله، ترسخ محوران إقليميان شغلا الفراغ بصورةٍ شبه تامة، يتصديان لكل المشاكل، محور السعودية – مصر- الإمارات من ناحية وتركيا – قطر من ناحيةٍ أخرى، مع تفاوتٍ أحياناً بحسب البلد. الأكيد والثابت أن محور السعودية رجعيٌ بامتياز، ولا يحاول إخفاء ذلك، فهو ضد التغيير وتثبيت الأوضاع والديمقراطية أياً كان مسمى الحاكم، وقد يفضلون الضباط. الأكيد أيضاً أن لديهم تصوراً بأنهم قد تعلموا الدرس جيداً، فهموا المعادلة وعرفوا الدواء الناجع لكل تمردٍ أو ثورة، فالطريق دشنها بشار ومهدها مع السيسي بمذبحة رابعة، وما أعقب ذلك من قمعٍ واعتقالٍ وتصفياتٍ ومصادرةٍ للمجال العام: الضرب، الضرب بدون هوادة، الضرب غير المتناسب مع حجم الكلام أو الفعل، خاصةً ما هدد النظام أو ارتفع الصوت مطالبا بالتغيير. فللسعودية والإمارات ودولٍ خليجيةٍ أخرى مصالح كبرى، لا في تثبيت الأوضاع بصفةٍ عامة وإنما في السودان بصفةٍ خاصة، فهم يستصلحون مساحاتٍ شاسعة من الأراضي لتلبية احتياجاتهم للغذاء، وثمة قوةٌ ضخمة من الجنود السودانيين يخوضون حرب السعودية العدوانية الهمجية في اليمن، وعلى ذلك فلهم أزلامهم ورجالهم في الرتب العليا في المؤسسة العسكرية والنظام.

زال البشير عن المشهد، ليحل محله رجاله، جلادوه في محاولةٍ للإبقاء على النظام بدون رأسه الساقطة لا محالة

يتعين علينا أن نعترف بأن المال الخليجي، أو»البترودولار» كما سماه جيل كيبيل، ذهب بعيداً وعميقاً في بنى أنظمة المنطقة ومجتمعاتها، ما منحهم قدم سبقٍ وموقعاً متقدماً، مكنهم من التدخل السريع لدى سقوط البشير، إذ لم يتأخروا في تقديم الدعم المادي في صورة 3 مليارات دولار للبلد الذي شكل ارتفاع سعر الخبز والاحتياجات الأساسية شرارة الثورة، بعد ثلاثة عقودٍ من الحروب الأهلية والفشل الاقتصادي والعام، وعقب زيارة البرهان القصيرة للإمارات وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو الشهير بحميدتي للسعودية، تم تصعيد العنف وقتل ما يفوق المئة من المعتصمين.

لا بد لنا من وقفةٍ هنا لتقرير ملاحظةٍ مهمةٍ في نظري في ما يخص الخبرات والدروس المكتسبة في حقبة الثورات العربية: لقد تعلم ثوار السودان من هزائم وانتكاسات جيرانهم، خاصةً مصر الأقرب لاعتباراتٍ عديدة، ربما ارتكبوا أخطاءً في التحليل وربما اندحروا نتيجة هذه الأخطاء في النهاية، إلا أن مصير مصر لم يردعهم ولم يفقدهم الإيمان بحتمية الثورة وقيمتها، كمخرجٍ وحيد وتعلموا عدم تصديق الضباط؛ الأهم من ذلك فقد طورا أدواتهم أو نقبوا في كتاب الثورة وأسفارها عن أسلحةٍ يستطيعون اللجوء إليها، وخرجوا بالإضراب والعصيان المدني.

في مقابل ذلك نجد أن محور السعودية – الإمارات – مصر قد وقف عند رابعة، وهزيمة الثورة المصرية، ولم يلتفت إلى ما ذكرناه تواً من تعلم ثوار السودان الدرس وتراكم الخبرة لديهم ما يؤذن، بل يبشر بأننا قد نُمنى بالهزائم، نندحر، نتراجع إلا أننا في النهاية سننتصر، أن غداً لنا.

تبقى كلمة أخيرة في ما يخص ذلك العرض الثاني للثورة المضادة، فهو يذكرني بتعريب أو بالأدق تمصير الأفلام الأمريكية، إذ في الأغلب الأعم (إن لم يكن دائماً) تأتي النسخة الثانية أردأ وأرذل وأسخف لا محالة، وعلى ذلك فحين نقب المحور السعودي التعيس عن بيدقٍ يلعب به أو ضابطٍ آخر يراهن عليه لم يجد أفضل من حميدتي مجرم الحرب، قائد ميليشيات الجنجويد المضطلعة بتصفيات جماعية في دارفور، الذي بدأ حياته تاجر إبل ولم يزل بالكاد يستطيع القراءة والكتابة، فهل هناك ما هو أدل على إفلاس أنظمة الثورة المضادة، وهل هناك من لم يزل لديه من حسن النية (أو السذاجة في حقيقة الأمر) ما يجعله يتصور أن تفاوضاً معها أو إصلاحاً ما يزال ممكناً؟

نقلا عن القدس العربي