مقدمة: 

يعتبر التقادم المسقط للدعوى الجنائية من الموضوعات ذات الأثر البالغ على المجتمع بصورة عامة، فترتيب أثر على مرور الوقت بعدم جواز تحريك الدعوي الجنائية هذا يجعل من المهم جداً الاهتمام بعنصر الزمن في فتح الدعوى الجنائية، والاهتمام بالزمن كضرورة من ضرورات الحياة بصورة عامة، وقد اهتم المشرع السوداني بعامل مرور الزمن ورتب عليه نتائج وآثار بالغة الخطورة تتمثل في حرمان الأشخاص من تحريك الدعوي الجنائية إذا مر وقت معين دون أن يقوموا بذلك ، وكان دافع المشرع السوداني في هذا الأمر تغليب مصلحة المجتمع على مصلحة الفرد لأن استقرار المراكز القانونية واجب وضرورة لاستقرار المعاملات إلا أن ذلك لابد أن يتم بصورة متوازنة ومتوافقة مع مباديْ العدالة والإنصاف والوجدان السليم، فمبدأ التقادم المسقط للدعوى الجنائية فرضته الحياة العملية مع ماتتطلبه من استقرار وجدية وعدم اهمال.

التقادم في القانون: -
تقادم الدعوى الجنائية هو مضُي فترة من الزمن يحددها القانون تبدأ من تاريخ ارتكاب الجريمة دون أن يتخذ خلالها المجني عليه أو وليه أو النيابة العامة أو الشرطة أو المجتمع
أي إجراءات لتحريك الدعوي الجنائية ويترتب على ذلك سقوط الدعوى الجنائية.
وعلى الرغم من أن تقادم الدعوى الجنائية نظاماً إجرائياً ينصرف تأثيره إلى الدعوى فينهيها فإنه ترتبط به آثار موضوعيه لازمة، لأن الدعوى هي السبيل الوحيد لتقرير الإدانة والحكم بالعقوبة ومن ثم ينبني على هذا السبيل أن يصبح من المستحيل هدم قرينة البراءة التي يستفيد منها المتهم أي يستحيل تقرير الإدانة والنطق بالعقوبة.
وقد نص قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م السوداني على التقادم المسقط للدعوى الجنائية فى المادة (38) والتي تنص على: -
1. لا يجوز فتح الدعوى الجنائية في الجرائم ذات العقوبات التعزيرية إذا انقضت مدة التقادم بدءً من تاريخ وقوع الجريمة وهي:-
‌أ. عشر سنوات في أي جريمة معاقب على ارتكابها بالإعدام أو بالسجن عشر سنوات فأكثر.
‌ب. خمس سنوات في أي جريمة معاقب على ارتكابها بالسجن أكثر من سنة واحدة.
‌ج. سنتان في أي جريمة أخرى.
2. ينقطع سريان مدة التقادم متى ما فتحت الدعوى الجنائية.
هذه المادة جديدة على القانون السوداني وأدخلت لأول مرة في هذا القانون إذا كان الأمر في السودان يسير وفقاً للقانون الإنجليزي الذي لا يقر مبدأ التقادم في أي جريمة من الجرائم مهما طال العهد على وقوعها باستثناء جرائم استعمال القسوة على الحيوان المنصوص عليها في المادة 241 من قانون العقوبات لسنة 1983م والتي تحدد فترة التقادم بمرور شهر من تاريخ ارتكاب الجريمة .وواضح أن المشرع السوداني أخذ بمبدأ التقادم في جرائم التعازير من المشرع المصري وبذلك يكون المشرع السوداني قد قصد بقصره للتقادم على جرائم التعازير قد انتهج نهجاً وسطاً بين نظامين، النظام الإنجليزي الذي لم يأخذ بالتقادم مطلقاً والنظام المصري الذي يأخذ بالتقادم في جرائم معينة.
والتقادم من النظام العام بمعنى يجوز لأي من الخصوم التمسك به في أي مرحلة تكون عليها الدعوى ويجوز للمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها.
مدة التقادم: -
عندما تقع الجريمة ينشأ حق للمجني عليه أو من ينوب عنه في المطالبة بمعاقبة الجاني فترفع الدعوى الجنائية تحقيقاً لذلك الغرض، بيد أن هذا الحق لا يبقى دوماً سيفاً مسلطاً على رأس الجاني مهما امتد به الزمن فلا بد من تحديد سقفاً محدداً للمطالبة به، وذلك من مقتضيات العدالة واستقرار الأوضاع القانونية، سوف نتعرض في هذا الجزئية من المقال للحكمة التي يتغياها المشرع من النص على التقادم إضافة لمفهومي وقف وانقطاع مدة التقادم.
وقف التقادم: -
إن لطريقة حساب مدة التقادم أثراً هاماً في التقادم وآثاره، ولذا نجد أن التشريعات التي أخذت بهذا المبدأ ونصت عليه في قوانينها نظمت مدة التقادم وكيفية حسابها وأغلب القوانين تنص على أن يبدأ حساب المدة التي تنقضي بها الدعوى الجنائية من يوم وقوع الجريمة بصريح النص وهذا ما سلكه المشرع السوداني في قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م، فلا يهم وفق هذه المدرسة تاريخ اكتشاف الجريمة أو العلم بها إلا أن حساب هذه المدة قد يتوقف بسبب ما يمنع سريان هذه المدة فوقف مدة التقادم معناه قيام سبب من شأنه أن يمنع من سريان المدة بحيث إذا زال أضيفت المدة السابقة على الوقف إلى المدة الجديدة في حساب التقادم.
لم ينص المشرع السوداني على مفهوم وقف التقادم وإن كان هناك فقرة في المادة (38) من قانون الإجراءات الجنائية السوداني 1991 تتحدث عن انقطاع التقادم ولا شك أن انقطاع التقادم يختلف عن وقف التقادم، لذلك اختلف الفقهاء فيما إذا كانت الدعوى الجنائية تسقط بمضي المدة بعدم رفعها رغم وجود موانع من رفعها، سواءً أكانت موانع فعليه كتعطيل المحاكم بسبب وجود ثورة أم بسبب غزو البلاد أو حصارها بجيوش أجنبية أم كانت أسباباً قانونية نص القانون فيها على عدم جواز رفع الدعوى أو عدم السير فيها حتى يزول المانع كحالة العته أو حالة توقف الفصل في الدعوى الجنائية على الفصل في مسألة أخرى من اختصاص المحاكم المدنية كالملكية أو المحاكم الشرعية كالبنوة والزوجية، فذهب فريق إلى أن المدة يجب ايقافها ما دام هناك مانع من رفع الدعوى، لأنه من التعارض أن يمنع القانون رفع الدعوى أو السير فيها ثم يتخذ هذا المنع سبباً لسقوطها، وليس من العدل أن تسري المدة ضد المجني عليه أو من ينوب عنه أو النيابة العامة وهم عاجزين عن رفع الدعوى، وأنا أميل لهذا الرأي لأنه يتماشى مع العدالة، وبتطبيق هذا المفهوم على جريمة تقويض النظام الدستوري في السودان التي يتهم فيها نظام الإنقاذ نصل إلى أن تقادم هذه الجريمة توقف ولم ينقضي وذلك لاستحالة فتح الدعوي الجنائية في ظل وجود هذا النظام في الحكم ويمكن في هذه الحالة أن يبدأ التقادم من تاريخ سقوط هذا النظام في أبريل 2019م

ورأي الفريق الآخر أن العلة في سقوط الدعوى في المسائل المدنية يبنى على قرينة تنازل صاحب الحق عن حقه لعدم مطالبته به طول المدة، لذلك قرر القانون المدني أنه من لا يمكنه المطالبة لا تسري ضده المدة لانتفاء تلك القرينة أما في المسائل الجنائية فسقوط الحق في الدعوى ليس مبنياً على قرينة تنازل المجني عليه أو من ينوب عنه أو النيابة العامة عن رفع الدعوى بسكوتهما عن رفعها فإن النيابة العامة لا تملك التنازل عن الدعوى بأي حال بل مبني على نسيان الواقعة من الجمهور بمضي المدة وهذا النسيان يحصل سواءً أكان سببه الاهمال أو العذر.
وقد أشرنا سابقاً أن القانون السوداني لم ينص على وقف التقادم إلا أن القانون المصري قد نص على وقف التقادم في القانون رقم (69) لسنة 1953 في باب اختلاس الأموال الأميرية وتنص المادة بأن: (لا تبدأ المدة المسقطة للدعوى العمومية في الجرائم المذكورة في هذا الباب إلا من تاريخ انتهاء الوظيفة ما لم يبدأ التحقيق فيها قبل ذلك)، فمدة التقادم توقف حتى ينتهي الموظف من أعمال وظيفته لأي سبب كان، إذ في مقدوره قبل ذلك أن يخفي جريمته بحكم منصبه إلا إذا كُشف الأمر وأُجري التحقيق فحينئذ تنتفي حكمة الايقاف وتسري القاعدة العامة.

انقطاع التقادم: -
على الرغم من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991 السوداني لم ينص على وقف مدة التقادم إلا أنه قد نص على انقطاعها وانقطاع مدة التقادم يعني أن يحدث سبب أثناء سريان مدة الانقضاء يجعل ما مضى منها كأن لم يكن، ويبدأ حساب المدة من جديد وقد ورد انقطاع مدة التقادم في قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991 في المادة (38/2) والتي تنص على: -
(ينقطع سريان مدة التقادم متى ما فتحت الدعوى الجنائية) فنجد أن المشرع السوداني قد ربط بين انقطاع مدة التقادم وفتح الدعوى الجنائية وقرر أن فتح الدعوي الجنائية يقطع سريان مدة التقادم، وفتح الدعوى الجنائية يقصد به تدوين الدعوى الجنائية والشروع في التحري فيها).
وقد قيل في تبرير انقطاع مدة التقادم أن الأفعال القاطعة له تنبه الأذهان إلى الجريمة التي وقعت، ومن ثم يستلزم مدة أخرى لنسيانها من جديد، ونرى أن الحكمة التي من أجلها نص المشرع على تقادم الدعوي الجنائية وهي نسيان الجريمة وفقدان أهميتها وهي تتوافر في حالة انقطاع المدة، لأن طول الوقت الذي يمر من وقوع الجريمة إلى نهاية المدة المقررة لانقضاء الدعوى الجنائية يجعلها فاقدة الأهمية وأقرب إلى النسيان، ولا يقال أن النسيان ينتهي وتتجدد ذكرى الجريمة إذا ما حدث سبب من أسباب الانقطاع فالواقع والمشاهد عملاً أنه كلما مضى وقت طويل منذ ارتكاب الجريمة أصبح من الخير السكوت عنها ولم تعد تثير الاهتمام الذي أوجدته وقت ارتكابها.
وينقطع التقادم كما نص على ذلك في قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991 متى ما فتحت الدعوى الجنائية "فجميع إجراءات التحقيق تقطع التقادم حتى ولو جاءت عرضاً أثناء تحقيق جريمة أخرى كطلب الحضور أو أوامر الضبط والاحضار والحبس الاحتياطي وسماع الشهود وما إلى ذلك.
ويشترط في الإجراءات التي تقطع المدة أن تكون صحيحة مستوفية للشكل القانوني وصادرة من سلطة مختصة بإصدارها لأنها إن كانت باطلة عدت معدومة ولا يترتب على المعدوم أثر.
والجدير بالذكر أن أثر التقادم لا ينحصر في مواجهة الفاعل الأصلي فقط بل يشمل من معه من الشركاء والمساهمين كما أن انقطاع التقادم له ذات الأثر بالنسبة للمشتركين في الفعل المجرم فلو اتخذ إجراءً قاطعاً للتقادم في مواجهة أحد المتهمين فإنه يقطع التقادم أيضاً في مواجهة غيره من المتهمين من شركاء، ومساهمين ولو لم يكونوا معنيين بهذا الإجراء.
أما في حالة ارتباط الجرائم يقتصر أثر انقطاع التقادم على الجريمة التي بوشر الإجراء بشأنها دون غيرها من الجرائم، فإن اتخاذ إجراء في أحد هذه الجرائم يقطع التقادم بالنسبة للدعوى الناشئة عن هذه الجريمة فقط دون ما غيرها من الجرائم، ولكن إذا كان هذا الارتباط غير قابل للتجزئة فإن أثر الانقطاع يمتد ليشمل كافة الجرائم المرتبطة فيما بينها ارتباطاً من هذا النوع.
وفي تقديري أن انقطاع المدة يعني بدأ مدة التقادم من جديد فاذا لم تحرك الدعوي الجنائية من التاريخ الذي حُرك به الإجراء القاطع لمدة التقادم إلى أن بلغت المدة التي لم تحرك فيها الدعوي الجنائية مدة التقادم من جديد تسقط الدعوي الجنائية بالتقادم وهذا التفسير ينسجم مع فلسفة المشرع لمبدأ التقادم نفسه بمضي مدة طويلة على ارتكاب الجريمة.
وتسري مدة التقادم كمانصت المادة (38/1) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م السوداني من تاريخ وقوع الجريمة. وقد ثار جدل كثيف حول هذا الموضوع، فكانت هناك آراء ترى بأن تبدأ مدة التقادم من تاريخ اكتشاف الجريمة لا من تاريخ وقوعها وقد تغلب هذا الرأي وعدلت المادة ضمن تعديلات كثيرة وكان التعديل وفقاً لمرسوم مؤقت صدر في 22/1/2012 وجاء فيه: (عاشراً: في المادة (38) تعدل كلمة (وقوع) إلى كلمة اكتشاف، ولكن عندما عرض المرسوم المؤقت عل المجلس الوطني لم يجز هذا التعديل وسقط وبقيت المادة كما كانت ومازالت، ،ورغم أن المادة 38 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م لم تفرق بين الجريمة الوقتية والمستمرة في حساب مدة التقادم نجد أن كثيراً من فقهاء القانون الجنائي يميزون بين النوعين من عدة مناحي ومن بينها المدة التي تنقضي بها التقادم أي بداية هذه المدة وذك لأنه في رأيهم بأن الجريمة المستمرة تتصف باستمرار الفعل الإجرامي أي امتداده وتكراره طيلة فترة من الزمن وغالباً ما تكون طويلة ، فإذا أقدم شخص و استولي على أرض الغير فإن جريمته تكون مستمرة ما استمر في وضع يده على الأرض وكذلك من يخفي أشياء مسروقة ويظل محتفظاً بها أيضاً تظل جريمته مستمرة وتبدأ مدة التقادم في هذه الحالة من تاريخ زوال وضع اليد على الأرض ومن تاريخ التخلي عن المسروقات .وفي تقديري جريمة تقويض النظام الدستوري التي يدور حولها الجدل هذه الأيام في السودان تعتبر من ضمن الجرائم المستمرة وذلك لأن فعلها الإجرامي مستمر طوال فترة حكم الإنقاذ حتي سقوطه في أبريل 2019م فالتقادم بالنسبة لهذه الجريمة يبدأ من تاريخ نهاية حالة الاستمرار وليس قبل ذلك.

نطاق التقادم: -
يلاحظ أن المشرع السوداني لم يأخذ بمبدأ التقادم المسقط للدعوى الجنائية على إطلاقها كما في النظام المصري الذي هو مصدر هذه المادة إذ استثنى المشرع السوداني جرائم الحدود باعتبارها حقاً لله وكذلك جرائم القصاص إذ أنها حق خاص بالمجني عليه وأوليائه، وقصر التقادم على جرائم التعازير فقط فكأنما توسط المشرع السوداني بين نظامين نظام يأخذ بالتقادم مطلقاً ونظام يقيد التقادم. وحسناً فعل المشرع السوداني أن حصر تقادم الدعوى الجنائية في الجرائم ذات العقوبات التعزيرية وذلك لأن الأصل هو عدم سقوط الحق بالتقادم وفكرة مبدأ التقادم هو استثناء على هذا الأصل، وكما هو معلوم فإن الاستثناء لا يتوسع فيه ويطبق في أضيق نطاق، كما أن مبدأ التقادم يعتبر ضرورة فرضتها الحياة العملية واستقرار المعاملات. وبالتالي يجب أن تقدر الضرورة بقدرها وحتى لا يكون التقادم هو الثغرة التي يستغلها المجرم للإفلات من العقاب.
خلاصة القول نجد أنه فيما يتعلق بنطاق التقادم المسقط للدعوى الجنائية في قانون الإجراءات الجنائية السوداني انحصر في الجرائم ذات العقوبات التعزيرية دون غيرها من جرائم الحدود والقصاص.
هذا المقال مستل من ورقة علمية قمت بتقديمها ونشرها بمجلة الدراسات العليا جامعة النيلين، بتاريخ فبراير 2019م بالعدد الواحد والخمسون، لمن يريد الرجوع للمجلة وذلك قبل الجدل الدائر حول جريمة تقويض النظام الدستوري أمام النيابة العامة المتهم فيها نظام الإنقاذ.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

////////////////////