القانون الذي أجيز الخميس الماضي وقضى بتفكيك النظام البائد وازالة تمكين حزب المؤتمر الوطني المخلوع بأمر الجماهير قبل القانون، كان من المفترض برأيي الخاص أن يسمى قانون تحرير الدولة بدلا من التسمية التي أجيز بها، وذلك ببساطة لأن النظام البائد قد استعبد الدولة واستعمرها على مدى ثلاثين عاماً حسوما، بل ورهنها لصالحه الخاص ووضع السودان كله من أقصاه الى أقصاه رهينة بين يديه، وجعل ما فيه ومن فيه مثل خادم الفكي المجبورة علي الصلاة كما يقول المثل، يطبق عليهم ما يشاء بالقوة والقهر والجبروت حينا، وبالجزرة والاغراء والرشاوى حينا آخر، ولهذا فان أي حديث عن استعادة الدولة هو بالأحرى حديث عن تحرير مؤسسات الدولة من قبضتهم الخانقة، وتحرير الوظائف من كوادرهم التي ظلت تنتقل دون وجه حق ودون مؤهل كاف بين المواقع المختلفة كما تتنقل الفراشات، كلما امتصت رحيق زهرة انتقلت الى غيرها، وكأني بلسان حالهم قبل مقالهم يقول البلد بلدنا ونحنا أسيادها ويا سودان مافيك الا نحن، والبقية رعية ورعاع وما عليهم الا السمع والطاعة..
وبكلمة واحدة نقول لقد حان أوان حل دولة الحزب واحلال محلها دولة الوطن والمواطنين أجمعين، والقضاء على السلطة المطلقة والنهج الشمولي القابض الذي جعل من الحزب والدولة شيئاً واحدا، تماهت السلطة في الحزب وتمدد الحزب في السلطة، ووضع الدولة في خدمة الحزب، رئيس الدولة هو رئيس الحزب، ومساعد الرئيس في القصر هو نائب الرئيس في الحزب، والوالي هو رئيس الحزب في الولاية، ووزير الوزارة الفلانية هو أمين القطاع العلاني في الحزب وهكذا دواليك، كل الدولة في جوف الحزب بما في ذلك ال... وال... وال... مما تعدون وتعرفون من مؤسسات وهيئات يتشكل منها قوام أي دولة، وباختصار وضع الحزب الحاكم الدولة رهينة له ورهن إشارته من قمة جهازها التنفيذي وإلى أصغر وحدة محلية، وأحكم عليها الخناق تحت إبطه، بينما ترك الآخرين في الصقيعة (أباطهم والنجم)، لا فاصل بين الانتماء السياسي للحزب والانتماء العام للمنصب، ذاك هو هذا، وهذا هو ذاك، فلا تدري ما الذي يفعله من أجل الحزب، وما الذي يفعله من أجل المنصب، فقد اختلط حابل الدولة بنابل الحزب، وبقية خلق الله في أرض السودان مجرد فرّاجة على رأي حداتهم الأرزقية (وروني العدو واقعدوا فرّاجة) كان ذلك وضع مقلوب وصورة شائهة جعلت الحزب الحاكم يكتم على نفس الحياة السياسية ويصيبها ب(الأزمة والاختناق) ويورثها الإملاق من خلال سيطرته على مؤسسات الدولة، ولن تصح مناخات الحكم ولا يمكن إصحاح بيئة السياسة إلا بتحرير الدولة من الحزب وتخليص رقبتها من تحت إبطه وهذا ما قرره قانون تحرير الدولة السودانية يقرأ (قانون تفكيك النظام وازالة التمكين)..
الجريدة