عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

بسم الله الرحمن الرحيم

 

يبدو ان اقرب توصيف لحالة السودان وهو يمر بمخاض الفترة الانتقالية، هو عنوان احد الافلام المصرية هي فوضي. فقبل ان يستفيق السودانيون من صدمة لقاء البرهان نتنياهو المفاجئ والمفارق لكافة الاعراف الدبلوماسية والسياسية وكانه لقاء لحل المشاكل الزوجية. يفاجئنا حمدوك بتقديم طلب للامم المتحدة طالبا منها وضع السودان تحت البند السادس، كما جاء في الاخبار، وايضا من دون مشورة واحتمال علم احد. في مفارقة صارخة، تحكي عن فترة انتقالية من ضمن مهامها الترتيب لمرحلة ديمقراطية ولكنها للاسف تقاد بعقليات غارقة في الاستبداد (عقليات بشيرية). والحال كذلك، اصبح مصير اللادولة السودانية رهين القرار الفردي، الذي يتستر كالمعتاد بغطاء المصالح العليا للبلاد. وهو شعار يبدو انه حل محل شعارات، حماية الدين وهوية الامة واللحمة الوطنية وغيرها من هذيان الدولة الدينية والنظم الاستبدادية. لتمرير مصالح في غاية الفردية او لخدمة دائرة ضيقة، وجدت نفسها في لحظة غفلة ثورية في موقع المسؤولية السلطوية. وقد ساهم التلميع (قد يكون ممنهج) والحاجة لشخصيات متفق عليها (خارج اطر التنظيمات السياسية الموبوءة بالخلافات وصعوبة التوافقات). في افساح المجال امامها لقيادة المرحلة. اي لتقليل اضرار واكلاف المناكفات السياسية التي في غالبها غير موضوعية. ولكن يبدو ان هذا الدعم المجاني عمل علي زيادة الاوهام لدي كل من البرهان وحمدوك. فتصورا انهما لوحدهما قادران علي ما لم تاتِ به الارحام السودانية! ولا يستبعد والحال هذه ان خامرهما طموح البقاء في السلطة. اوليس حكم الفرد في اصله، توهم القدرات الخارقة والمعرفة الشاملة والافضلية المطلقة علي بقية خلق الله، وتاليا السيادة عليهم كحق الهي.

والمؤسف ان ثمن هذه المواقع، كانت دماء غالية دفعت للتخلص من نظام فساد متعفن، في لحظة تاريخية حساسة وخطرة. لا تحتمل هكذا طموحات صغيرة، وجدت ضالتها في دعم خارجي هو قبل كل شئ يبحث عن مصالحه حصريا. ولا يعلم هؤلاء المسؤولين الذين لا يُعرف لهم مواقف نضالية او وطنية مشهودة، تشفع لهم تحمل بعض الاخطاء علي محمل حسن النوايا. ان تسوية موازين القوي التي فرضتهم علي المشهد، ليس المقصود منها تصفية شعارات الثورة بالالتفاف عليها. ولكن الغرض منها الوصول لشعارات الثورة عبر النهج السلمي الذي ارتضاه الثوار. والذي تجسد في آليات الحوار والتفاوض وصولا للشراكة مع العسكر، لانجاز شعارات الثورة كهدف استراتيجي. كما ان التسوية لا تعني التسليم الكامل لشركاء الفترة الانتقالية، سواء من جانب العسكر الذين يملكون ادوات العنف ولا يستنكفون عن استخدامها حتي في حرمهم (فض الاعتصام)! ولا لحكومة حمدوك التي ارتضاها الجميع كحل وسط! ولكن علي اعتبار ان الظروف استوجبت هذه الشراكة كاقل السنياروهات شرا. شريطة ان تلتزم بنصوص الشراكة والمحافظة علي شعارات الثورة ومستحقات الفترة الانتقالية. وهي كما هو معلوم امانة عظيمة، تتطلب ان من يتولاها يكون علي حجمها او يترك المجال لغيره. وهذا بالطبع اذا كانت المصالح العليا هي الغاية كما يتشدقون.
وصحيح ان تركة الكيزان من الدمار بما لا يقاس. ولكن لهذا السبب تحديدا، يفترض ان من يتصدي للسلطة يكون علي قدر المسؤولية، سواء من حيث الكفاءة والمؤهلات او الجدية والقدرة علي اتخاذ القرارات. وابسط مقومات هذه الاهلية او متطلبات الجدارة، هي الشفافية في طرح كافة القضايا وطريقة الدفع بالقرارات. وذلك لانهم ليس اوصياء علي الشعب ولكنهم مكلفين من قبله. وهذا غير ان الفترة الانتقالية في واحدة من مرتكزاتها، هي فترة تدريب علي الممارسة الديمقراطية. اي قدرة السلطة والجمهور علي تحمل مسؤولية خياراتهم. وبكلام واضح، هي فترة القطيعة مع ثقافة اطلاق يد السلطة للتصرف علي هواها، واستكانة الشعب لتلك التصرفات. ومن ثم الانفتاح علي المشاركة الجماعية في تحديد وانجاز الاهداف المشتركة، وهو ما يعبر عنه بدولة المؤسسات.
ولكن للاسف وبسبب ان الفترة الانتقالية كلٌ يراها من منظوره الخاص، وعمق ذلك انعدام الارضية المشتركة (تباين الوعي والخبرات السابقة والعلاقة مع نظام الانقاذ)، التي قادت بدورها لضعف الثقة المتبادل. والحال كذلك، اصبحت الفترة الانتقالية مجال خصب للشد والجذب بين الشركاء، وتنافس علي الانفراد بالقرارات، وزيادة مساحة السيطرة علي حساب الشريك الآخر، باستغلال كافة الفرص. خصوصا من جانب المكون العسكري الذي يستقوي بالخارج، ويستفيد من تناقضات القوي السياسية فيما بينها من جانب، وبينها والحركات المسلحة من جانب آخر. كما يصر علي السير في نفس خط البشير الذي مكنه من الاقتصاد. اما حكومة حمدوك فقد تميزت بالبطء في الاداء، والفشل في حل اخطر الملفات (الاقتصاد ) او مجرد تقديم رؤية مغايرة للاساليب التي اتبعتها الانقاذ، وهذا ناهيك عن العجز في اتخاذ قرارات ثورية تنفذ الي قلب شعارات الثورة! وكذلك مواجهة الازمات بالهروب الي الامام، لدرجة عدم القدرة علي مواجهة المواطنين بحقائق الاوضاع. والاغرب من ذلك اتخاذ الاسلامويين كشماعة تعلق عليهم كافة الازمات، وفي ذات الوقت تركهم يمرحون في الاسواق والشركات ومؤسسات الدولة كما يحلو لهم! بل الاسوأ من ذلك، نجد ان حمدوك الذي يمثل راس رمح الحكومة، يلتقي بغازي صلاح الدين، كواحد من متطرفي الاسلامويين واكثرهم تعصب وغرور (ترابي صغير)! وكذلك نجد البدوي وزير المالية والاقتصاد، وهي الوزارة التي يقع عليها عبء ازالة تشوهات الاقتصاد واعادة الولاية علي المال العام. يجلس مع قادة شركة زادنا ويشيد بالشركة واعمالها! مع العلم ان هذه الشركة واحدة من اكبر خوازيق التجنيب، كما انها تستحوذ علي جل موارد البلاد، وهذا غير انها احد اذرع الاسلامويين والعسكريين في السيطرة علي الاقتصاد. اي اصبح الحال وكأن حكومة حمدوك ووزرائه بدلا من مواجهة المشكلات التي زرعها الكيزان وتسببت في كل الكوارث الماثلة، فضلوا الاستسلام لهذا الواقع وكفي حكومتهم شر المواجهة.
المهم، اذا استمرت حكومة حمدوك في هذا الاداء المحبط والوعود المجانية والاختباء خلف اسطوانة الاسلامويين والعقوبات الخارجية المشروخة، علما بان معالجة هذه الملفات هي جزء من مبرر وجودهم او ترشيحهم لهذه المناصب! سيكون ذلك اول خطوة في فشل الفترة الانتقالية والدخول في نفق مظلم. ويساعدهم علي ذلك تعنت الحركات المسلحة التي تضع العصي في دولاب الفترة الانتقالية، بمطالبها التعجيزية ودونما مراعاة لطبيعة الفترة وهشاشة تماسكها، ظنا منها انها تعاقب قوي التغيير التي لم تقاسمها الكعكعة. وهذا غير ضبابية مواقف ووظيفة قوي التغيير نفسها وصلتها بالحكومة، خاصة ان ظهرها سيكشف عندما تثور الجماهير عليها كواحدة من مكونات هذه الفوضي المسمي فترة انتقالية.
وعموما، يبدو ان اكثر مخرج آمن من هذه الفوضي، هي تواضع قوي التغيير والحركات المسلحة، لتشكيل جبهة عريضة، تؤكد علي اكمال نقص هياكل السلطة الانتقالية كاولوية. وتاليا تتبني برنامج واضح يعبر بالفترة الانتقالية الي بر الامان ويؤسس للدولة المدنية المطلوبة. وفي ذات الوقت علي الثوار مراعاة هشاشة وصعوبات هذه الفترة، ومن ثم ترشيد الضغط علي الحكومة في الحدود المطلوبة. لان الافراط في التظاهر يعقد المشاكل وقد يدخلنا في مرحلة يصعب السيطرة عليها، في ظل مهددات الانهيار الاقتصادي الماثلة، وتربص قوي الخارج باجندتها المعادية للديمقراطية، وحقد الاسلامويين في الداخل، الذين يسعون للاستفادة من كل الثغرات وتاجيج كل الفتن. وهم كما علمتنا تجربتهم المريرة، لا تنقصهم سوء النية والممارسات الرديئة والمكر السيئ. وبتعبير آخر، هذه الفترة بتعقيداتها واخطاءها هي اكبر اختبار للثورة وحقيقة الثوار. اي ما اذا كانت ثورة وعي تبحث عن الحرية والكرامة، وتاليا تصبر علي صعوبات الفترة الانتقالية وتقوًم اعوجاجها بالحسني؟ ام هى ثورة جياع تستهدف ملء البطون، وتاليا ليس لها صبر علي اكراهات مخاض الفترة الانتقالية، ومن ثم معاملة حكومتها كحكومة البشير الاجرامية؟ مما ينذر بالخطر ليس علي ضياع الحرية والكرامة فقط ،ولكن ايضا عودة الجوع الكافر المحمي بالسلاح. ولنا في تجربة الطاغية السيسي العظة والاعتبار.
واخيرا يبدو كما يري البعض ان المصلحة العليا في وعي العقلية العسكرية المتحكمة في البرهان، تدفعه للاستعانة بمحور الشر لمقارعة حمدوك. وذات المصلحة في وعي عقلية حمدوك البيرواقراطية الاممية، تبرر له الاستعانة بالامم المتحدة للحد من تغول البرهان وحميدتي. اي البرهان تسيطر عليه عقدة الحكم العسكري، اما حمدوك فهو رهين تضخيم اثر الخارج، واحتقار امكانات الداخل كثروات وشخوص ومنظومة عمل. والحال هذه، اذا صح ان المصلحة العامة بهذه الكيفية، فالسؤال عندها ما ضرر الارتهان للخارج وتمكينه من البلاد؟ والاهم لماذا تناضل الشعوب وتقدم تضحيات بالجملة من اجل الاستقلال؟! والابعد من ذلك، ما معني الثورة اصلا، اذا لم تعنِ رد الحرية المسلوبة والكرامة واحترام الذات؟! ودمتم في رعاية الله.