لم يقرأ الجمهوريون محمود محمد طه قراءة صحيحة، فركبوا ومن أساء قراءته من السلفيين مركباً واحداً، بل وفي سرج واحد. ويبدو هذا واضحاً في موقفهم من الجدل الدائر بين الناس حول لقاء البرهان بنتنياهو. حيث لم يستوعبوا جوهر القضية التي يتجادل الناس حولها فسارعوا إلى كتاب "مشكلة الشرق الأوسط" ليساهموا بنصوصه في النقاش.‘ فخرجوا للناس ببيان يعلنون فيه تأييدهم للتطبيع مع اسرائيل. فبدت صورتهم كمن يعرضون في غير الساحة، ويرقصون على وقع ايقاع لحن غير المعزوف (مشاترين يعني). وهم بهذه الخفة لا يعكسون عدم فهمهم لجوهر فكر الشهيد فحسب، بل ويعطون أعداء فكرته سلاحاً يحاربون به الفكرة التي أعيتهم مناقشتها، ولم يجدوا غير "قتله" وسيلة يواجهون بها هذه الفكرة غير المسبوقة في كل ما قراؤه وتعلموا من فقهائهم عبر تاريخ الفكر الاسلامي.

لقد كشف الحزب الجمهوري ببيانه هذا "سلفيته" في فهم الرسالة الثانية للإسلام. تلكم السلفية التي لم يكتفي الشهيد بمحاربتها ودحضها، فحسب، بل يألو جهداً في أخذ أيديهم إلى باحة الفهم المتحرر اللاإتباعي للقرآن .. بتأوله.
الناس حول لقاء البرهان لم يكن "التطبيع" من عدمه هو محور الخلاف والجدل بينهم، وإنما كان خرق الوثيقة الدستورية، والتعامل بأسلوب مخابراتي مع الدول الأخرى دون تفويض من الشعب، وبتغييب المؤسسة التنفيذية المناط بها ملف العلاقات الخارجية، وهي جرائم (نعم جرائم) تهدد الثورة التي دفع فيها شباب هذه الأمة السودانية أرواحهم ثمناً لها، من أجل دولة مدنية، تحكمها المؤسسية والشفافية، هذا غير ما رشح عن تدخل دول أخرى تقود السودان، عبر عسكره، إلى المجهول.
هذه هي القضايا التي يتجادل حولها الناس. وهي قضايا جد خطيرة بالفعل.
فأن يتجاوز الحزب الجمهوري هذه القضايا المصيرية ليخرج على الناس ببيان يقتطع من كتاب "مشكلة الشرق الأوسط" الذي أصدره الشهيد عقب حرب يونيو 1967. مقاطعاً لا علاقة لها بالجدال الدائر، فأمر في غاية الغرابة. ولا أدري لماذا يصرون على أن يكونوا حسانية الثورة؟!.
من الواضح أن من يقودون هذا الحزب لم يهضموا جوهر الفكرة الجمهورية، وإنما اكتفوا بحفظ نصوص الشهيد (صم) وترديدها بلغته، وأحياناً في غير المواقع الملائمة والمناسبة لها، مثلما فعلوا في تعاملهم مع لقاء البرهان مع نتنياهو، وما قدمه له (بلا مقابل)، سوى وعود رخيصة، حتى لو تحققت.
- ألم يكونوا يعلمون بأن رهان الشهيد على انتشار فكرته هو السودان البلد الحر المستقل الذي يتمتع بالقوة التي تجعله أهلاً لنشر رسالة الاسلام بعد أن تتجسد في الناس؟.
هل يذكرون يا ترى أنه في عام 1051 وصف السودان والسودانيون بقوله:
"أنا زعيم بأن الإسلام هو قبلة العالم منذ اليوم.. وأن القرآن هو قانونه .. وأن السودان، إذ يقدم ذلك القانون في صورته العملية، المحققة للتوفيق بين حاجة الجماعة إلى الأمن، وحاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة، هو مركز دائرة الوجود على هذا الكوكب..
ولا يهولن أحدا هذا القول، لكون السودان جاهلا، خاملا، صغيرا، فإن عناية الله قد حفظت على أهله من أصايل الطبائع ما سيجعلهم نقطة التقاء أسباب الأرض، بأسباب السماء".
هل يدركون بأن استراتيجية مواقفه ومعاركه السياسية في مجملها كانت مبنية على ايمانه بهذا البعد الرسالي للشعب السوداني وجدارته بأن يصبح "هو مركز دائرة الوجود على هذا الكوكب"، وذلك بما حفظت عناية الله "على أهله من أصايل الطبائع، ما سيجعلهم نقطة التقاء أسباب الأرض، بأسباب السماء"؟. وأنه كان يعمل على أن يحقق الشعب في ذاته هذه القيم؟.
أم ظنوا أن ذلك يتحقق بالخنوع للديكتاتوريات، التي تسلب النساء والرجال حريتهم، وتذلهم؟.
بدولة اللامؤسسات، التي تفتقر للحد الأدنى من مقومات دولنتها، ويحل شخص الرئيس فيها محل القانون؟.
وهذا هو مربط الفرس في الحوار الدائر بين مختلف القوى السياسية والاجتماعية اليوم، وليس أن نطبع علاقاتنا مع اسرائيل أو لا نطبع، أو هكذا ينبغي أن يكون محور النقاش الذي يجب على الحزب الجمهوري أن يعمل على توجيه مختلف الأطياف إليه. وأزعم أن شهيدنا لو كان بيننا الآن ونحن منخرطون في جدل التطبيع العبثي هذا لصرخ فينا أن: توقفوا عن هراء التطبيع هذا، لتقيموا أولاً دولتكم، ثم تجادلوا بعدها داخل دولتكم/ بيتكم حول ذلك!.
وتسألني ما بال الحزب الجمهوري؟.
فأقول لك أن قيادته لم تستبطن جوهر الفكرة التي بذل الشهيد عمره لغرس بذرتها، والتي تهدف أساساً إلى تحرير العقل من الاتباع. في اتجاه يسير من التقليد إلى الأصالة وتحقيق الذات.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.