فايروسات كورونا هي عائلة من الفيروسات التي يعتقد انها ظهرت مع بقية الميكروبات في الارض قبل الانسان. والفيروسات هي جزيئات غير حية تتكون من حمض نووي مغلف ببروتين وتفتقر لغالب جزيئات الخلية الحية. ولهذا تحتاج للدخول في خلايا حية للتكاثر ثم تدمرها و تخرج لمواصلة دورة حياتها في الخلايا المجاورة وذلك لضمان سلالتها من الانقراض. لهذا ينتقل الفيروس من شخص لاخر حتي اذا مات الأول يضمن الفيروس الحياة في الثاني. هذه الحاجة في الاستمرار للحفاظ علي النسل تنطبق علي كل الميكروبات وكل المخلوقات وفي بعض الاحيان يكون الصراع شرس وقاتل بينهما. بهذا الفهم العام بدأت مهنتي كباحث في العلاقة بين الميكروبات والانسان، التي قادتني لدراسة الجزيئات والبروتينات والشفرات الوراثية (الجينات) الجرثومية وعلاقتها بامراض الخلايا البشرية. وشجعني الاقبال علي البوست الذي نشرته علي الفيس بوك في التوسع وكتابة هذا المقال بطريقة سهلة للفهم.

عائلة فيروسات كورونا (كوف) الاصيلة القديمة تتكون من عدة فروع يربطها التشابه في الشفرة الجينية. مثلما تستخدم الشفرة الجنينية لتحديد أبوة أو امومة الطفل بنسب التشابه كذلك تستخدم لمعرفة آباء وأجداد الفيروس المكتشف حديثاً كحال كوفيد 19. عائلة كوف تتكون من اربعة آباء: ألفا وبيتا وقاما ودلتا. الاب الثاني بيتا، هو أب لستة اطفال واتضح الآن كوفيد 19 هو ابنه السابع.

كيف استنتج العلماء الصينين وغيرهم ذلك؟ ببساطة بحل الشفرة الجينية لكوفيد 19 من مرضي ووهان بالصين ثم بدأ البحث عن نسب هذا الفيروس بمقارنة بصمتة الجينية من قاعدة بيانات جينات الفيروسات التي عرفها الانسان. خلال العقد الماضي اكتشف العلماء اثنين من اخوة كوفيد 19، الاول في كهوف بالصين عام 2003 والثاني في كهوف بمصر و السعودية عام 2013. الصيني هو كوف سارس الذي تسبب في امراض الجهاز التنفسي في جنوب الصين وانتشر في 26 دولة. الثاني هو كوف ميرس الذي تسبب في امراض الجهاز التنفسي في السعودية ودول الخليج.

الحامل الرئيس لفيروس كوف سارس هو الخفاش، لكنه قفز من الخفاش الي وسيط من القطط المتوحشة التي ياكلها الصينيون، ومن ثم قفز للبشر. وبنفس القدر الحامل الأصيل لفيروس كوف ميرس السعودي الخفاش والوسيط الابل، ومن ثم قفز للانسان. بعد مقارنة الشفرات وضح ان الشفرة الجينية لكوفيد 19 تشابه سارس وميرس بنسب 50 الي 80% وهذا أعطي فكرة عن الحامل الرئيسي للفيروس. لكنه طرح السؤال الأول: هل أصل كوفيد 19 الخفاش؟ للاجابة علي هذا السؤال بدأ الصينيون مقارنة الشفرة الجينية لكوفيد 19 بمجموعة من فيروسات الحيوانات. اظهرت نتائج البحث ان كوفيد 19 يشبه فيروسات كورونا من الخفافيش بنسبة 94% وهذا أكد ان أصله الخفاش مثل اخوته سارس بالصين وميرس بالسعودية.

السؤال الثاني هل احتاج كوفيد ١٩ لناقل وسيط مثل أخوته؟ نعم، لقد اكد الصينيون بان الشفرة الجينية لكوفيد 19 تشبه فيروس كورونا بنسبة 97 الي 99% من حيوان وسيط اسمه بانقولين. يباع ويقدم حيوان بانقولين كوجبة شهية في مطاعم اسواق الحيوان في مدينة ووهان بالصين. هذا التشابه بين الأخوة أبناء كوف بيتا في القفز من الخفافيش اولاً ثم حيوان وسيط ثانياً، ومن ثم القفز للإنسان طرق معروفة لانتقال الجراثيم من حيوانات الغابة للإنسان. ولا ننسي ان أقرباء كوفيد 19 هي فيروسات أنفلونزا الطيور والخنازير والتي أخذت نفس الطريق وقفزت من الحيوان للانسان، لكن طبيعة المرض وحدة انتشاره تختلف من فيروس لآخر.

لدي العلماء الان سلاح الشفرة الجينية الذي يمكنهم من تتبع الفيروس وتحديد المريض رقم صفر في ووهان، واكتشاف المصدر الأساسي حتي لو مر الفيروس عبر وسائط متعددة. الزيادة في أعداد البشر ونظم الغذاء المختلفة زادت من الاحتكاك المباشر بين الانسان وحيوانات الغابات المتوحشة والبعيدة غالباً من الاختلاط المباشر بالانسان. هذه الفيروسات المتوحشة لا تنتقل في اغلب الحالات بسهولة للبشر لاختلاف البيئة الداخلية للانسان مع الخفافيش مثلاً، ولهذا تحتاج لحيوان وسيط تتشابه اعضاءه مع الانسان. خلال هذا الانتقال من المصدر للوسيط ثم الانسان، يغير الفيروس بعض شفراته الجينية لتواكب البيئة الجديدة. لهذا راينا أن كوفيد 19 المعزول من الأنسان يشبه أخوته بنسبة 50-80% لأن الناقل الوسيط مختلف بينهم، لكنه يشبه الفيروس الأصل من الخفاش بنسبة 94 والناقل الوسيط بانقولين بنسبة 99% وهذا التعديل الجيني مكنه من القفز بسهولة للانسان.

وفي الختام، الذين يتمسكون بنظرية المؤامرة لا يفهمون تعقيدات العلاقة الأبدية بين الانسان والميكروبات واستمرار كل في التكاثر والحياة في بيئات متشابهة او مختلفة. ويحرص الانسان والميكروبات علي حد سواء في خلافة سلالالتهم للارض لدرجة ان يقتل بعضهم البعض بالآلاف او الملايين. ويصبح البقاء للاقوي في معادلة وسنة الحياة في هذا الكوكب الأزرق.
د. أحمد هاشم/ باحث واكاديمي مهتم بقضايا التنمية الريفية وفكر المستقبل
www.drahmedhashim.com
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.