في آخر انتخابات ديمقراطية وبرلمانية في الديمقراطية الثالثة ، كنا شبابا يفتخر بما أنجزه في اسقاط حكم النميري ونتطلع لديمقراطية تخرج بالبلاد من مستنقع الديكتاتورية المقيت .
كانت تطلعات الناس وخاصة الشباب يومذاك أكبر من أن تحدها حدود ، وكم قضينا من ليال ونحن نجوب تجمعات الأحزاب ونحضر لقاءاتها بحماس كبير .
كان أن قادتني قدماي بصحبة صديق للدائرة التي ترشح فيها الدكتور أبي حريرة رحمه الله ، كان ذلك في آخر ليلة قبل بدء الانتخاب .
لم تكن صدفة أن أختار التطوع لخدمة مرشح الدائرة وابنها الدكتور أبي حريرة ، فقد كان يمثل الوجه الشبابي المستنير الذي نريده .
وقد كان فوزه عظيما ، قابله الشباب بفرحة لم تعادلها إلا فرحتهم بإختياره وزيرا للتجارة .
إلى هنا ويبدو أن الأمور تسير سيرها الطبيعي ، وقد كان الدكتور أبو حريرة عند حسن الظن به ، أنجز في فترة قصيرة انجازات مهمة ولعل ابرزها معاركه من أجل توفير مستلزمات المواطن اليومية . ولن ينسى الناس موقفه من تجار المواشي في عيد الاضحى واستيراده للكباش الاسترالية مما أوقف جشع التجار ومكن قطاعات واسعة من القيام بهذه الشعيرة بسهولة ويسر .
معلوم أن أبي حريرة كان وزيرا من كتلة الاتحاد الديمقراطي شريك حزب الأمة الذي كانت له الإغلبية في البرلمان وبالتالي فالصادق المهدي هو رئيس الوزراء .
لم يكن النهج الذي انتهجه ابو حريرة ليرضى عنه الكثيرون ممن تضررت مصالحهم التي لا تنتعش إلا بإمتصاص دماء الناس ، وما كان يخالجنا أدنى شك في أن حزبه الاتحاد الدينقراطي سيقف معه وكذلك رئيس الوزراء فقد كان أبو حريرة " نوارة " الحكومة الذي كسب الرأي العام في الشارع السوداني ودخل قلوب الناس بإنحيازه ووقوفه مع الناس البسطاء لرفع مستواهم المعيشي .
ولكن في تلك الليلة ونحن مجتمعون حول التلفاز نترقب ما سيقرره الصادق المهدي في شأن الوزير المحبوب الدكتور أبي حريرة ، إذا بالصاعقة تنزل على الجميع ، وببساطة شديدة ينحاز الصادق المهدي ضد رغبات الناس ويعزل الدكتور أبي حريرة .
لن أكلمكم عن مدى الاحباط والاحساس بالخزلان الذي سيطر على الناس إذ كما قلت كان المتوقع عكس ذلك تماما .
ومن هنا شعر الناس بأن الصادق المهدي لا يهمه شيء سوى اللعبة السياسية وليته يجيدها ، فكل أدواره السياسية لا تكلل إلا بالفشل .
ما ذكرته ما هو إلا موقف صغير فقط يبين لنا بجلاء ووضوح أن هذا هو ديدن الصادق المهدي الذي لم يتعلم منه .
يتخذ من الموقف المضاد خطا يسير عليه ، على اعتبار أنها المنطقة المنسية التي يستطيع منها أن يأتي بما لم يستطعه الأوائل .
ولا أظن أن أمثال الصادق المهدي والميرغني ممن يؤمنون بالديمقراطية والدولة المدنية إلا في حدود خدمة مصالحهم الضيقة والمحصورة أصلا في بيوتاتهم .
فالذي يعرفه الخاصة والعامة أن فشل كل تجارب الديمقراطية السابقة سببها هذه البيوتات الدينية التي استغلت الناس البسطاء زمانا طويلا .
فهولاء هم صنيعة الانجليز والمصريين قبل خروجهم من البلاد ، وللاسف استطاعوا طى التخبة المتعلمة تحت جناحهم . وهذا وإن نجح في الماضي فإنه لن ينجح في السودان الحاضر ، ما لم تغير هذه الزعامات من طريقتها وأسلوبها . ولا يبدو أنها ستفعل .
فالسودان عام 2020 م ليس السودان الذي يعرفونه ، فقد تغير الواقع كثيرا جدا وإن لم يبلغ الحد الذي يرضى عنه العقل الواعى ، فلا يزال هناك قطاع من الناس على ضلالهم وجهلهم القديم ولكن موجة الوعى قوية جدا والشباب الذي رأيناه بالالوف في الشوارع صانعا لأكبر تغيير وأعظم ثورة ليس من السهل أن ينقاد كالأعمى مؤيدا لزعامة كل تأريخها خزلان وضعف واحباط .
ولعمري أن من لا يستطيع إقامة الديمقراطية في حزبه ، لن يستطيع أن يقدمها للآخرين .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.