بسم الله الرحمن الرحيم

 

من أحسن الي الجنوب، ومن أساء اليه، ومن فرط فيه، ومن تسبب في انفصاله ؟!!

د. فتح الرحمن القاضي

يوافق أول أمس التاسع من يوليو الذكري السنوية لانفصال جنوب السودان ، أو علي الاصح انشطار الي دولتين شمال السودان وجنوبه، بعد أن ظل السودان بلداً موحداً في الوجدان الثقافي والاجتماعي لاهل السودان. ذكري مرور حدث جلل كهذا ما كان لها أن تمضي هكذا وغالب الناس، بجماعاتهم وفصائلهم واحزابهم، غافلون عن دلالات الانفصال، دون أن يكلفوا أنفسهم مئونة الوقوف عند دراسة الأسباب الجذرية التي أفضت اليه ، او النظر في المآلات الجسيمة المترتبة عليه علي مستوي الشعوب في شمال البلاد وجنوبها، أو التفكر في الخسائر التي حاقت بالسودان جراء الانفصال، أو التعرف علي الافراد والجهات المسئولين عن وقوع الانفصال ؟!!.
وفيما يبدو أن الاسئلة الحرجة حول ماذا خسرت الأمة السودانية بانفصال الجنوب ؟!، وماهية الافراد الذين تسببوا في انفصال جنوب السودان ؟!! ومن فرطوا في السودان الواحد الموحد ؟!! لم تحظ باجابات حاسمة بعد سيما وان المجتمع الفكري والوسط السياسي لم يتسن له الجلوس منذ وقوع الانفصال حتي يومنا هذا لاجراء دراسات وابحاث معمقة تعني بتقويم الاحداث والملابسات التي واكبت انفصال الجنوب . وباستثناء الكتاب الذي اصدرته السيدة هيلدا جونسون وزيرة التعاون الدولي النرويجية التي لعبت دورا ما في مفاوضات نيقاشا في اطار ما اصطلح علي تسميته انذاك ب (اصدقاء الايقاد) فيندر أن نلتقي بمبحث أو دراسة تميط اللثام عن الغموض الذي واكب تلك الحقبة الحاسمة من تاريخ البلاد.
وفيما كان متوقعاً أن تلقي ذكري انفصال جنوب السودان حيزاً واسعاً من الاهتمام والتامل من قبل المفكرين والكتاب والساسة، الا ان الذكري تكاد تفلت من ايدينا دون ان يلقي لها الكثيرون بالاً مع انشغال الشعوب في شمال السودان وجنوبه بهموم العيش، وقضايا ومشكلات التعايش السلمي بين الفصائل والنحل والقبائل المتناحرة . ولولا التصريح اليتيم الذي تفضل به السيد محمد ابراهيم الفكي عضو مجلس السيادة في سياق استحضاره لذكري الانفصال لما انتبهت السلطة الرسمية ولا الراي العام لهذا الحدث الجلل في تاريخ البلاد، فيما كان يتحتم علي حكومة الثورة تنكيس الأعلام حزناً واسفاً علي افدح الاخطاء المرتكبة في عهد الانقاذ الا وهي انشطار السودان بعد اذ زعمت سلطة الانقاذ انها انما جاءت لتامين وحدة السودان ؟!!.
كان مأمولاً أن تتباري أحزاب علي شاكلة المؤتمر الشعبي ، والامة القومي، والاصلاح الان وما سواها من التنظيمات في استحضار ذكري الانفصال، كما كان مامولا ان يتباري الساسة والكتاب في استعراض وقائع انفصال الجنوب ومآلاته من امثال غازي صلاح الدين العتباني، واحمد ابراهيم الطاهر، وامين حسن عمر، ونافع علي نافع ، ومطرف صديق، والدرديري محمد احمد ، وابراهيم عبد الحفيظ، وما سواهم بالوقوف عند الحدث والاتعاظ بدلالاته الكبري ؟!!، سيما وأن هؤلاء لم يكونوا معنيين فقط بملف الجنوب وانما كانوا من اهم الفاعين فيه سلباً أو إيجاباً مما يحتم عليهم الادلاء بشهادتهم للتاريخ حول حدث جلل ما زال يلقي بتداعياته واثاره علي امة السودان حتي يومنا هذا.
ومما يؤسف له ان الذين واكبوا ملف السلام منذ بداياته قد ارتحلوا مبكرا عن دنيانا الفانية قبل أن يتسني لهم الادلاء بشهادتهم للتاريخ، وهنا لا بد من وقفة شكر وعرفان للتنويه بالادوار العظيمة التي بذلها كل من محمد الامين خليفة، وفضل السيد ابو قصيصة ، والزبير محمد صالح ، ومبارك قسم الله زايد، واحمد الرضي جابر، وموسي علي سليمان، وموسي سيد احمد، وعبد الرحمن سوار الذهب في خدمة قضايا السلام وتحقيق التعايش السلمي، كما أن الشكر موصول في حق الدكتور الامين محمد عثمان، وسراج الدين عبد البارئ، وجابر الانصاري لدورهم البارز في ذات الاتجاه راجين لهم التوفيق والقبول وطول العمر.
ثم انه لا ينبغي النظر الي الاسباب التي افضت الي انفصال الجنوب في اعقاب اتفاقية نيفاشا بمعزل عن جملة الاحداث والخروقات التي اكتنفت ملف السلام، ذلك ان ملف الحرب والسلام شهد عثرات وعراقيل كبري افضت الي الانفصال وذلك رغماً عن الجهود المخلصة المضنية التي بذلت فيه في عهد الانقاذ من قبل أخيار كانوا يسعون جاهدين لتحقيق هدف اسمي يتمثل في ارساء السلام.
ولا يمكن تقويم اتفاقية نيفاشا بغير النظر في ظاهرة نقض العهود والمواثيق في الاتفاقيات التي سبقتها ، ومن ضمن اشنع الانتكاسات التي حدثت انهيار اتفاقية الخرطوم للسلام التي افلحت الي احداث اختراق غير منكور بيد أن سوء التعامل مع الفصائل الجنوبية التي ارتضت خيار السلام جعل قادة من امثال ريال مشار، وتعبان دينق، وكاربينو كوانين وما سواهم يقلبون ظهر المجن لخيار السلام محبذين العودة لخيار التمرد تارة أخري وما دفعهم لذلك سوي اعراض القائمين علي ملف السلام وتعنتهم وغرورهم . وما حدث في اتفاقية الخرطوم للسلام ال الي نسخة مكررة من ظاهرة نقض العهود والمواثيق بحيث لم تسلم منه بقية الفصائل في دارفور وكردفان والنيل الازرق ، ليس ذلك فحسب لا بل أن طوائف المعارضة التي ارتضت القدوم الي الخرطوم مصالحة ومسالة لم تنج هي الاخري من هذا المصير ، وهكذا شهدنا ما يمكن وصفه بالهجرة العكسية حيث هرعت الفصائل المسلحة والتنظيمات السياسية المسالمة الي مقارعة نظام الانقاذ بعد ان يمموا وجوههم خارج البلاد والامثلة كثيرة وما لجوء مني اركو مناوي الي المعارضة المسلحة تارة اخري الا احد أبرز الامثلة علي هذه الظاهرة التي املاها عدم جدية الانقاذ في تسوية المشاكل سلمياً ومراوغتها في دفع استحقاقات السسلام مما افضي لاطالة امد الحرب والنزاعات المسلحة مما ادي لسقوط الانقاذ ، ولو كانت الانقاذ صادقة في احترام العهود والمواثيق مع المعارضة السلمية والمسلحة لوجدت مخرجا لازمات البلاد التي اودت بها في نهاية المطاف.
انعدام التشخيص الاستراتيجي حول انفصال الجنوب لن يحجبنا في هذه العجالة عن التنويه بالادوار البارزة التي لعبها كل من فضل السيد ابوقصيصة ومبارك قسم الله عبر مؤسسة السلام والتنمية التي انشئت خصيصاً لمخاطبة قضايا التنمية غير المتوازنة حيث كان يتجسد شعار المؤسسة في (تحقيق السلام عبر التنمية الشاملة) ، ولا ننسي جهود عبد السلام سليمان ، وعبد الله سليمان العوض اللذين انتقلا الي رحاب العناية الالهية ورفيقهما الامين محمد عثمان اطال الله عمره، حيث كانت جهودهم منصبة علي الارتقاء بالجنوب واهله عبر منظمتي الدعوة الاسلامية والوكالة الاسلامية الافريقية للاغاثة اللتين استهدفتا تقديم الخدمات الاساسية في ربوع الجنوب من تعليم وصحة وتنمية اجتماعية وارساء التعايش السلمي بين قبايل الجنوب فيما بين بعضها البعض ، وبين شعوب الشمال والجنوب.
كما انه لا بد لنا من وقفة مستحقة للشكر والعرفان لشخص الدكتور علي الحاج الذي بذل جهودا مقدرة في تامين السلام ببعدية الامني والسياسي حيث كان علي الحاج من ابرز الداعين الي ايقاف الحرب والتعجيل بابرام تسوية سلمية خاصة وان القوات المسلحة بلغت تخوم نمولي غير ان رؤيته هذه لم تلق حظها من الاعتبار والنفاذ مع اصرار فريق اخر في المؤتمر الوطني علي حسم القضية عسكرياً ليتم اقصاء علي الحاج من ملف السلام علي ايدي ذات الفريق الذي انحاز فيما بعد الي معسكر القصر في اعقاب المفاصلة الشهيرة التي افضت الي انشطار المؤتمر الوطني الي مؤتمرين وطني وشعبي. ثم أن جهود علي الحاج لم تقف عند هذا الحد بل كان جاهداً في فتح شفرة السلام المغلقة الا وهي اتاحة النظر في مبدأ (تقرير المصير) في مفاوضات فرانكفورت الشهيرة بالمانيا حيث جعلت هذه الخطوة الباب ممهدا للسلام رغم عدم استيعاب المتنطعين لاسبابها ودواعيها ، ذلك أنه لا يجوز النظر لمسالة تقرير المصير بمعزل عن الايقاف الفوري للحرب والتوصل لتسوية سلمية مع توفير كل العوامل الممكنة التي تجعل من الوحدة خياراً جاذباً ومحبذاً لدي شعب جنوب السودان . واقع الامر انني لم اجد من هو اكثر حزنا واسفا من علي الحاج علي المال الذي صار اليه جنوب السودان فيما تولي بعض قادة التيارات الانفصالية للاسف، وهم معروفونـ كبر الدعوة والترويج لانفصال الجنوب لدرجة ذبح الذبائح احتفاءا بانشطار السودان. وفي تقديري المتواضع انه لو قدر خطة علي الحاج ان تجد حظها من العناية والتطبيق منذ بواكير الانقاذ لوجدت مشكلة جنوب السودان طريقها الي الحل الناجز عوضاً عن التازم والتصعيد الذي لازم المشكلة مما ادي لانفصال الجنوب علي نحو ما هو معروف، وقد كان من الاليق سماع شهادة علي الحاج للتاريخ غير انه يبقي الان رهن الاحتجاز بتهمة الضلوع في انقلاب الثلاثين من يونيو رغم انه لم يكن موجود في الاساس داخل البلاد ، الامر الذي يدعونا للمطالبة ليس باخلاء سبيله هو واخوته في المؤتمر الشعبي فحسب وانما الاحتفاء بادوارهم في الدعوة لارساء السلام في مختلف الاطوار التي مر بها عهد الانقاذ.
لا يمكننا بالطبع في هذه العجالة ان نلقي اجابة حاسمة للاسئلة الحرجة التي ورد ذكرها في فاتحة المقال حول الظروف والملابسات التي افضت لانفصال الجنوب فضلا عن استشراف مستقبل استراتيجي يضمن تحقيق التعايش السلمي والتعاون الاستراتيجي في سائر المجالات لمصلحة شعبي شمال السودان وجنوبه علي اقل تقدير، ان لم يضمن اعادة شطري السودان وفق اسس ومناهج جديد وهو ما ظللنا ندعو له ونشجع علي ارتياده في المستقبل المامول باذن الله . رغم ذلك فانه لا يمكننا ان ندع ذكري انفصال الجنوب هكذا دون ان نلقي باللائمة علي قريق ادراة التفاوض في نيفاشا الذي كان يتالف من علي عثمان النائب الاول للرئيس وفريقه المفاوض حيث شهدت اتفاقية نيفاشا والبروتوكولات المصاحبة لها، ويشمل ذلك قضية (ابيى)، عواراً بائناً واخطاء فظيعة واكبت ادارة عملية التفاوض مما جعل الاتفاقية تتمخض عن نتائج وخيمة ما زالت تلقي باثارها المدمرة علي حاضر البلاد ومستقبلها حتي الان، وليس هذا مقام تفصيلها، لتفضي تلك النتائج الكارثية من بعد الي انفصال الجنوب في ختام الفترة الانتقالية وتكوينه لدولة مستقلة علي حساب السودان الموحد . ولم تقتصر كوارث نيفاشا علي انفصال الجنوب فحسب لا بل خلفت الاتفاقية العديد من القضايا الخطيرة المعلقة بلا معالجة علي شاكلة قضايا منطقتي جنوب كردفان والنيل الازرق، الي جانب معضلة منطقة ابيى ، وهذه القضايا التي بقيت معلقة بدون حلول جذرية هي في الواقع اشبه بحقوقل الغام موقوته تؤذن بالانفجار مهما طال الزمن مما يحتم علي الارادة السياسية في عهد الثورة المضي بعزم ووعي واقتدار لمعالجة العوارالذي واكب اتفاقية نيفاشا، والاجتهاد في تفكيك الالغام التي خلفتها الاتفاقية، ووضع تسوية سلمية شاملة تضمن عدم تفجرها مرة اخري في مقبل الايام.
وبما أن البلاد ربما تكون مقبلة علي انشاء (وزارة للسلام وحقوق الانسان ) فان ذلك يحتم استداء التجارب التي واكبت التعامل مع ملف السلام ابتداءا بمؤسسة السلام والتنمية مروراً بشركاتها القابضة وانتهاء بالمجلس الاعلي للسلام من حيث الاتعاظ بتلك التجارب والتاسيس علي ما هو ايجابي منها ونبذ ما هو سلبي من تراث عمملها ، علماً بان هذه المؤسسات والشركات والمجالس قد شهدت العديد من مظاهر الخلل والقصور والفشل لا سيما في عهود الانقاذ المتاخرة مما يقتضي اخضاعها للدراسة والنقد والتقويم اذا ما اردنا لوزارة السلام وحقوق الانسان أن تنشأ وفق اسس سليمة تستصحب تراث الذاكرة المؤسسية في عهود الانقاذ المتقدمة والمتاخرة بكل ما حفلت به من الوان الخير والشر ؟!!
ونخلص من هذه السردية الي ان الخسائر التي ترتبت علي انفصال الجنوب ليست بالهينة مما لا يتسع المجال لحصرها وتدوينها في هذه المقالة، ولكن يظل السؤال قائما يبحث عن اجابة حاسمة حول (ماذا خسرت الأمة السودانية بانفصال الجنوب ؟!!) ، وقبل ذلك الافضاء الي حكم تاريخي امام الله والوطن والشعب حول (من أحسن الي الجنوب ، ومن أساء الي اهله في اوقات السلم والحرب ؟!!، ومن تسبب في انفصاله، ومن فرط فيه ؟!!) ، واخيراً هل من سبيل الي ايجاد صيغة تضمن اعادة الجنوب الي حضن السودان الموحد باي صيغة من الصيغ يرتضيها الشعبان في الشمال والجنوب ؟!! تري هل هنالك من يلقي السمع وهو شهيد فيدلي بشهادته ؟؟!!. هذه اسئلة يرجي لها ان تجد اجابة شافية علي ايدي رموز السياسة والفكر والكتاب ومراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية ، واذا ما عهد الي بمهمة ترشيح شخصيات بعينها لابتدار هذا المشروع الاستراتيجي لتوثيق هذه الوقائع وجلائها علي مستوي البحث والتحليل فلن اتردد في استدعاء الاخوة العقيد محمد الامين خليفة ، والسفير محمد حسيين زروق رحمهما الله واحسن مثواهما ، بيد أن انتقال الأخوين خليفة وزروق الي رحاب العناية الالهية لن يحجبنا جميعاً عن تقصي اي افادات مكتوبه قيض الله لهما تسجيلها لكي يستفيد من شهادتهما من هم علي قيد الحياة . ثم أننا لن نجد من بعد افضل من الاخوة د. غازي العتباني ، و د أمين حسن عمر ، وبرفسور حسن مكي ، و د. محمد محجوب هرون ، والاساتذة عثمان الكباشي، وسراج الدين عبد الغفار، وخالد التيجاني النور، و د محمد احمد العالم ، والاستاذ كمال عمر ، و د. نجوي عبد اللطيف، والاستاذة نوال مصطفي، وما سواهم من الساسة والمفكرين للاعتناء بتحليل قضية جنوب السودان ، سلماً وحرباً وانفصالاً، وذلك بحكم تخصصهم ومعايشتهم للاحداث ، ووقوفهم علي ادق المعلومات والاسرار المتعلقة بمف الحرب والسلام ، ومع ذلك فان الكرة تبقي في متناول الجميع لمن شاء ان يسهم في تدوين وتحليل احد اخطر الحقب التي مرت علي تاريخ السودان الحديث!!؟.

الخرطوم في
10 يوليو 2020 م

////////////////////