ترتيبات لازمة:
سوف تكون نتيجة هذه السيول والفيضانات في الأيام القليلة القادمة متمثلة في تردي البيئة المحيطة بنا. ويتطلب هذا الأمر تضافر الجهود في التخلص من بقايا الطعام والأوساخ الساقطة على الشارع، وترشيد مجاري الصرف الصحي. الإخفاق هنا يمهد لتكاثر الذباب والناموس، مما يدق ناقوس خطر إزدياد أعداد المرضى بسبب إلتهابات الملاريا والتيفويد والكوليرا والشيكونغيا. كل هذه الأمراض مجتمعة تكون سبب آخر يدعو لتزايد أعداد كبيرة من المرضى، الذين ربما سقطوا ضحايا لمرضهم لعدم توفر العناية الطبية اللازمة. من هنا نناشد كل المؤسسات التي تعني بالصحة العامة، كما نناشد المتعلمين والأسر والشباب في الأحياء السكنية، بالإهتمام في التخلص من بقايا الطعام والأوساخ وغيره من النفايات بطريقة مدروسة. مكافحة الذباب والناموس في أطوراه الأوليه، الإعتناء بغليان الماء، ثم تبريده قبل الشرب، الإهتمام بالطهي الجيد للغذاء، وتجنب المنتجات الطازجة (الخضروات، الفاكهة) موقتا في المناطق الموبؤة، عزل وعلاج المرضى بالكوليرا والإسهالات الناتجة عن تلوث الماء والغذاء. وبهذا نكون قد وضعنا حجر الأساس لتجنب كارثة بيئية تحل وتؤدي بأرواح الأبرياء من الناس لأسباب بسيطة التجنب والعلاج.
كما لا بد من تدريب الكوادر المساعدة في الحقل الطبي للفترة التي تباشر مرحلة السيول والفيضانات بعد الأسبوعين الأوائل. وهذا بعمل محاجر طبية معدة أو متحركة لعزل الأمراض التي تنشأ بسبب السيول والفيضانات، وتركيز الدعم الخارجي في هذه الظروف على طب الطواريء ومستلزماته من الأدوية والدريبات وأجهزة الكشف والفحص المبكرين لهذه الأمراض. هنا للتذكير فقط: ربما كانت أكثر الفئات المستهدفة بالأمراض الإلتهابية الناتجة عن السيول والفيضانات، تتمثل هنا في الأطفال، الحوامل، المرضعات، المرضى، وكبار السن. وفيما يخص كبار السن: لا بد من ألا ننسى بأننا لم نزل وحتى الآن في وقت "جائحة كورونا"، الشيء الذي يجب التعامل معه بعين الإعتبار حفاظا على الأرواح. وفي مرحلة لاحقة لا بد من مراجعة الآتي: موضوع البنية التحتية للعاصمة والمدن، موضوع بناء محابس المياه والخزانات، موضوع المباني السكنية على ضفاف النيل، موضوع المباني في المناطق الزراعية، موضوع مجاري ومصارف روافد النيل وفروعه الأساسية في السهول والوديان البعيدة.
هناك صدى إعلامي كاذب يروج لتاثير سد النهضة على حدوث السيول والفيضانات في البلاد. كما هناك نظرية تروج لسد بوابات السد العالي: كلا النظريتين غير صحيح او مطابق للواقع علميا. لقد بدأت أثيوبيا للتو في ملء سد النهضة، والذي لم يمتليء بعد، ولا يمكن لمصر أن تحبس جريان مياه أطول نهر على وجه الأرض. نهر النيل الخالد يمكن له ان يغرق القاهرة الكبيرة إذا تعمد الإنسان حبسه. يجب ألا نسمع ما يحاك بالبلدان المجاورة والشقيقة من حكي لا يليق بها، أو بالمشكلة التي ألمت بالبلاد، بسبب التغير المناخي الموسمي، والنتائج اللاحقة به من تغيرات تعزى جيولوجيا لتأثير الزحف الصحرواي. ولا بد من هذا التوضيح: حتى نحفظ علاقتنا الحميمة مع الأشقاء ودول الجوار، التي تهب أولا لنجدة السودان وقت الشدائد. الشيء الأهم من كل شيء هو إحداث وحدة تعني وتجمع بدول حوض النيل. وهذا من أجل التحدث بكلمة واحدة وجلية، لمواجهة تحديات المستقبل التي تتمثل في سياست ترشيد المياه. هنا على سبيل المثال: لا بد من أن تتكاتف دول حوض النيل لإعادة النظر في مجرى النيل وروافده الرئيسية، ونظافة وتعميق وتحديث الحوض من المنبع إلى المصب. في الرحلة الشاقة لأطول أنهار الأرض، يعلق بالنهر الكثير من المعوقات، مثلا يدفنه رمل الصحراء وهو متجه إلى الشمال.
كل العالم يدري الشيء الحاصل الآن في السودان بسبب السيول والفيضانات، على مرأى وعلى مسمع كل الناس. وكما هو الحال، الكريم لا يسأل غيره من الناس، وإن ضاق به الحال ذراعا. لقد وصل أول العون من جيران وأصدقاء السودان الأوفياء، الذين يعرفون فية قيمة إنسانه، خلقه، تواضعه، أمانته، كرمه، شهامته، مرؤته، ومبادئه. وسوف لن ينقطع معين الكريم الذي ينتف جودا وكرما أيام القحط والشح للغير. هكذا كان إنسان السودان، وسوف يظل على حاله مهما تغيرت الظروف، وتبدلت الأزمان. معطاة لكل محتاج وقف أمامه أو دق باب داره المتواضع، ومن دون إبتقاء حمد أو شكر. سوف تنجلي هذه الأيام الكالحة الظلمة على السودان، وسوف يتخطى السودان الموقف المذري الذي يقع فيه الآن " الحياة في العراء" ما بين سماء داكنة ومحملة بالسحب، وما بين أرض باردة ورطبة، تحولت لمستنقعات – أطفال ونساء وشيب وشباب. ولكن يبقى في ذاكرة إنسان السودان كل من واساه ووقف معه وقت الشدة. ومن هنا نقول للكل: أن يأتيك العون من أهله مجرد من مرؤة وكرم، في وقت غير وقته، متبوع بمن أو بأذى، خير من ألا يأتيك إطلاقا. وعطاء من رب العالمين، خير بألف مرة من عطاء الجاحدين.
لنضرب للعالم مرة أخرى مثلا آخر على الصبر والتفاني والإكتفاء والزهد. وهذا بعد أن ضربنا لهم مثل لا ينسى في ثورة ديسمبر بالكفاح ومحاربة القمع. لنضرب للعالم مثل بأننا جديرين بالإحترام في صبرنا على الشدائد والصعوبات والمصائب. باكر تشرق شمس هذا البلد الذي يعتبر الآن بأنه منكوب بيئيا بالسيول والفيضانات، باكر تجف المياه الراكدة في ديارنا ومنازلنا وتتصرف لمجاريها، وبه يخضر زرعه ويمتليء ضرع ماشيته، ليأتي بالحليب وباللحم لكل منكوب ومحتاج. باكر يشمر شباب هذا البلد لبناء وتعمير ما دمرته السيول والفيضانات من مباني ومرافق ومدارس وبيوت. وباكر تخضر أشجاره وتينع، تحط على فروعها الوارفة خضرة، طيور الخريف الملونة، وعصافير النيل المغردة، وترمي الأشجار بظلها في فناء كل دار نكبت. باكر يرجع للديار المهجورة أهلها سالمين، آمنين، وفرحين، ليستقبلوا فيها بكرم سوداني أصيل من زار من الزوار. ووقتها يقولوا للعالم أجمع: لقد غشتنا في بيوتنا سيول، داهمت ديارنا فيضانات، ولكن لم يزل سوداننا وإنسانه بأطيب إلفة، وما زال سوداننا وإنسانه بألف خير.

... تابع ...
E-Mail: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.