(١)

في واحدة من مقارباته النظرية، قسّم سيمغوند فرويد النفس البشرية لثلاثة مستويات بنيوية، أسماها "الأنا" العلوية ذات المعايير المثالية، و"الأنا" المتوسطة، بين الخير والشر، و"الأنا" السفلية ذات الطبيعة الشهوانية والانكفاء على مطامع الذات وتعرف بـ"الهو" (ID). ولو أن سيمغوند فرويد عاش زماننا هذا، ربما أضاف لذلك مجموعات وطوائف، مثل "الشعبيين" الجدد في المجتمع الأوروبي أو ما يسمونه اليمين المتطرف، أو مجموعة "الدواعش" في المجتمع العربي، وجماعات أخرى كثيرة، وأبرز من يمثلها هذه الأيام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقد رهن مصير أكبر دول العالم وأوسعها تأثيرا برغبته في البقاء في الرئاسة. ولأغراض ذلك ضرب عرض الحائط كل التقاليد والأعراف، وخالف كل النظم الإجرائية والقضائية، وهاجم وسائل الإعلام التقليدية وشكك في طريقة الانتخابات الأمريكية، وأحدث شرخا في المجتمع، وحشد "جموعا" من الغوغاء والرعاع.. وما أسهل قيادة هذا النوع من الجهلاء والحمقى..
الأحد (١٠ كانون الثاني/ يناير 2021)، تشير الإحصاءات إلى أن نسبة الإصابة بكورونا في أمريكا تجاوزت ٢٢ مليون حالة، بنسبة ٢٤.٦ في المئة من مجموع الإصابات في العالم، و٣٧٢ ألف حالة وفاة بمعدل ٣٧٠٠ وفاة يوميا، وانقسام مجتمعي حاد، ومع ذلك يسعى ترامب لتعطيل تنصيب الرئيس المنتخب بايدن.

(٢)
لخّص كل ذلك الفيلسوف الكندي د. آلان دونو في كتابه "نظام التفاهة" حين كتب: "لا تقدم لنا فكرة جيدة من فضلك، فآلة الورق ملأى بها سلفا، لقد تغيّر الزمان، فلم يعد هناك اقتحام للباستيل، أو حدث يقارن بحريق الرايخ شتاغ، كما أن البارجة الروسية أورورا لم تطلق رصاصة واحدة على اليابان، ومع ذلك فقد تم شن الهجوم بنجاح: لقد تبوأ التافهون السلطة"..
وكل ما يجري الآن من مشاهد وأحداث يكشف أن التافهين هم من يقودون العالم، وللأسف فإن بلادنا تزخر هذه الأيام بهذا النبت الشرير والاستغراق في "الأنا السفلية" وشح النفوس وسوء التدبير وقصر النظر..
إن تقارير كثيرة تؤكد أن هناك حشودا على حدودنا (السودان) الشرقية، وأن إثيوبيا في حالة إعداد مستمر وتوظيف للموارد، وتوفير بيئة دبلوماسية وتحالفات إقليمية، لشن هجوم على بلادنا، بينما الحكومة المدنية تُحكم الأغلال على القوات المسلحة من خلال المحاصرة والعقوبات وتجريدها من عناصر القوة والإمكانات، وما زال المكون العسكري يرضخ وهو ينظر لحركة مسلحة مثل جماعة الحلو تتحالف مع لجنة نقابية (لجنة المعلمين) لإقرار منهج دراسي.
وماذا تنتظر الأمة حين تجرد من القوة المادية والقوة المعنوية غير السقوط دون إطلاق رصاصة واحدة؟

(٣)
بينما كانت بعض الأقلام تطرب لمجرد توقيع مذكرة تفاهم مع وزير الخزانة الأمريكية لتسهيل التفاوض مع البنك الدولي، كان وزير العدل د. نصر الدين عبد الباري يوقع على بيان "أبراهام" لتثمين التطبيع مع إسرائيل، وهذه سمة الحكومة الانتقالية السودانية؛ "التغفيل" وغياب الشفافية..
إن المواطن السوداني يتجرع اليوم معاناة مضاعفة أسعار الكهرباء ٥٠٠٪ مع قطوعات يومية مستمرة في الشتاء، وهذا ضمن مخرجات موازنة لم تجز بعد في هياكل الحكم الانتقالي، ودون حوار مجتمعي أو نقاش شرائح، وإنما تصورات مجموعات سياسية وناشطين، وعند التنفيذ يتنكر لها الجميع. إن المواطن يقاسي مرارة تقديرات مالية "طائشة ولقيطة"..
وحين تداعت كل قطاعات المجتمع ضد منهج دراسي جديد، يجافي المهنية ويتباعد عن الصرامة الأكاديمية وبعيد النجعة عن القيم التربوية، يضطر رئيس الوزراء لتجميده، فيخرج وزير التربية والتعليم ومن التلفزيون الرسمي ويقول: "إما اعتماد هذا المنهج أو تجميد العام الدراسي". هكذا أكثر من ٥.٦ ملايين تلميذ مقابل "الأنا" السلفية لشخص واحد وبعض أعضاء مكتبه، تلك ورطة شديدة وقعت، وأقرب أمثلتها وكما قال د. آلان: "لقد تسيدت الساحة شريحة كاملة من التافهين والجاهلين وذوي الفقر الفكري"..
إن الأمر يتطلب يقظة وحذرا، من العقلاء، والمراقبة لحظة السقوط للهاوية جريمة وطنية..

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////////