بسم الله الرحمن الرحيم
أبتِ السنون إلّا ان تخُطّ وشمَها على وجهه النبيل. ثواني الصمت المعبّر ، عندما عاد بالذاكره التي حوت المرحوم مجدي ، قبل ثلاثين عاماً وهو في أوج بواكيرِ شبابهِ وآخرِها التي وضَعَ حدّاً لها الهَوس والجهل والإعتلال الأخلاقي ، تحدثَت ، ثواني الصمت تلك ، عن الكثير بل وافاضت وهي تنضحُ إنسانيةً وقد كان للأمر رهبه. ابرز ذلك اللقاء مع الرجل القامه د. مامون الرجل الذي سطر اروع المواقف في اكثر ازمان الإنقاذ بشاعةً سوء الاخوان الذي يتفوقون فيه على انفسهم. الجبن والأنفس المريضه بالاستئساد على العُزّل منذ لحظة اعتقالهم وعصب الاعين والضرب الجماعي.
هي سماتٌ تُمثّل القاسم المشترك لكل حالات الإعتقال تنتهي الى الموت او العاهات النفسيه او الجسديه. يزيدهم نُبل و صمود الثوار جنوناً فيبحثوا عن صُوَرٍ للتعذيبِ أقسى.
في اول يناير ٢٠١٧ عندما تمّ اقتيادي الى (الثلاجه) بموقف شندي مساءً بعد يومٍ طويل من تنفيذ الإعتقال ، حيث كنت اجلس طيلة اليوم على كرسي به خشبه واحده رفيعه جداً قبل ان يتكرّم السيد العقيد بفتح باب مكتبه والخروج إليّ ومعه ثلاثة أفراد قائلاً ( أمشي مع الجماعه ديل ). في ركن الثلاجه الشمالي الشرقي ، كان هنالك المكتب الرئيسي المشرف على المعتقلات. كان الحائط يمتلىءُ بالكثير من الشعارات بعضها يُرحّب بالقادمين الجُدُد ( في الفندق ) حسبما هو مكتوب. وبعضها يحظر التدخين والتمباك في ( الفندق ) ايضاً. الجانب الجنوبي من الممر عباره عن اساس لطوابق عديده مُصمَته حتى أنّها تستعصي على الهواء ويوجد اسانسير لأخذ الضحايا الى اعلا. كانت حركة منسوبو الجهاز تزيد الاجواء توتراً منهم من يدخلون بقادمين جُدُد ومنهم من يحملون اوراقاً و ( يندهون ) اسماء لمعتقلين و ما يتبع ذلك من عبارات مسيئه وركل عند التراخي في الرد.
ظللت واقفا قرابة الساعتين بالممر الكئيب وهم يستلمون حاجياتي ويُطيلون في ذلك الإجراء تدميرًا للنفسيات. على الحائط الشرقي تمثل الإذلال للبشر في معانيه الموغله في السوء. على طول الحائط الممتد كان العشرات من كلّ الاعمار (يبركون ) على رُكَبِهم ووجوههم الى الحائط وايديهم خلف رءوسهم او على الحائط ولا تسمع حتى صوت تنفسهم. بعدها كان النقل الى كوبر لأن الثلاجه كانت تحت الصيانه كما علمت لاحقاً وقد تمّ النقل والجسم منحنٍ للاسفل كأنما كُنتُ أبحثُ عن شيئٍ ضائعٍ في ارضية الحافله ليتم قفلي في زنزانةٍ لم تُفتَح ، بعد دخولي ، إلّا بعد شهر لأغادرها وللحديث عن هذا وقتٌ آخر.
صباح نفس اليوم الذي كان د. مامون يتحدث فيه عن الضرب والهوان والمحاكمه التي رُتّبت لهم في غرفه مغلقه بجنينة السيد علي لم يكن بها احد خلافهم وثلاثي اعضاء المحكمه وحكم الاعدام الذي صدر .. ومجدي ومأساته التي اقتلعت الالم من داخل د. مامون صاعدةً به الى وجهه حتى انحبسَ صوتهُ .. عندما تحدث عن الزنازين التي تمتلئ ارضيتها بالمياه والضرب المُفضي الى الإغماء وربما الموت. في نفس ذلك الصباح كان زبانية ذلك العهد المنحط والمدافعون عنهم يصولون ويجولون داخل محاكمنا بعد ان تم اعتقالهم بواسطة ( الشرطه ) ، وليس الأمن ، التي احسنت وفادتهم وإقامتَهُم وعرِفَ اهلهم مواقع اعتقالهم وظلوا ياتون اليهم بالطعام والدواء ويذهبون بهم الى المشافي بعد كل إجرامهم ذاك. في محكمتنا تلك كان بعضهم مسترخياً حدّ النوم وبعضهم يتنكّرُ لأقواله المدوّنه ، كما افاد بها في يومية التحري ، في تنمُّرٍ يُحاكي فيه ايامه الخوالي عندما كان ممتلئاً بزهوِ السُلطه وصولجانها. تناقضاتٍ شتى ( إكتظّ ) بها وجه المخلوع ما بين ابتسامٍ باهتٍ وتوهانٍ وتلفُّتٍ لمعاونيه القدامى كيما يرى تأثير ( نترته) امام المحكمه في وجوههم الخاليه من التعبير.
كان كلٌ منهم كأنّما بعيداً عمّا اقترفت يداه فكأنّهم كانوا في احد اجتماعاتهم الحامضه التي لم ينتج عنها غير الشر والأذى وكأنما الشهيد مجدي كان قد أُعدمَ في عهدٍ لا يمتُّ لفترةِ حكمهم بِصِله وكذلك شهداء رمضان وكأنّهُم لم يسمعوا ببيوت الأشباح والضرب والاغتصاب والقتل وتصفية الخصوم.
كانت الفرحةُ لا توصف بعد سقوط النظام. غُلّت الأيدي عن ممارسة حقّها في الشرعيّةِ الثوريه وفُرمِلَت الثوره ووُضعَت حولَها المتاريس وتمّ إبعاد من صنعوها. بُذِلَت المناصب لمن خانوا وتمّ تسريب زبانيةً من النظام المُقتَلَع تجاه الإستوزار وخرج منسوبوه الى العَلَن بكلّ قُبحِهِم يتطاولون واستمرت ثرواتنا تُنهَب ونحنُ دون خطّ الفقرِ نرسُفُ في أغلال الإنقاذ التي حسبناها قد ذهبت.
كل الخدمه المدنيه والعسكريه والشرطيه تمتلئُ كما كانت بمنسوبي الإنقاذ.
الى كلّ من خانوا من المدنيين أولاً والعسكر ثانياً اقول لكم خسئتُم . لنا الله نرفعُ أكُفَّنا إليه باسم شهدائنا لديه ومفقودينا وكلِّ صيحاتِ الألم في وحشةِ الليل في الزنازين الكئيبه ان تنالوا منه ما تستحقون.. ونحنُ على الدّرب سائرون.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.