تحيَّةً طيِّبةً، وبعد. 

ما جاءت سيرة «حقوق الإنسان» إلا وأطلت برأسها حقوقٌ وحريَّات محدَّدة، كحقِّ الحياة، وحقِّ التَّملك، وحقِّ التَّقاضي، وحريَّة التَّجمُّع والتَّنظيم، وحريَّة العقيدة والعبادة، وحقِّ التَّعبير والإعلام، وما إلى ذلك؛ بينما لا ينفكُّ يتوارى، بل ويُنسى خلف كلِّ هذه الأهرامات الشَّامخة من القيَم التي تتساوى في الأهمِّيَّة والدَّلالة، حقٌّ تعتبره السُّلطة مسكيناً، بالغ المسكنة، اسمه «حرية التَّنقُّل والإقامة وفقاً لما ينظمه القانون»، وبعض مفاده أن لكلِّ مواطن أن يتنقُّل، ويغادر البلاد، ويعود إليها كيف شاء، ومتى شاء. ولئن كان المقصود بعبارة «ما ينظمه القانون» الاستدراك على إطلاقيَّة الممارسة بألاَّ يتسرَّب إلى خارج البلاد من يكون مطلوباً للمساءلة بشأن حقوق عامَّة أو خاصَّة مدَّعى بها عليه، فيفلت من طائلة العدالة، فإن الأنظمة الانقلابيَّة في بلادنا، وآخرها حكومة «الإنقاذ»، مطُّت هذا الاستدراك، كما هي عادتها المرذولة، إلى أقصى حدود الشُّموليَّة، ففرضت على كلِّ من يريد المغادرة إلى أيِّ بلد آخر أن يحصل على «تأشيرة خروجExit Visa»، ما يحتِّم عليه، في سبيل ذلك، أن يبرز مستندات ببيانات تفصيليَّة، ليس، فقط، عن وجهته، وتأشيرة دخوله إلى ذلك البلد، وإنَّما، أيضاً، عمَّن وجَّه إليه الدَّعوة هناك، وعمَّن سيقوم باستقباله، وحتَّى عن الفندق الذي سينزل فيه .. الخ. والويل لطالب «تأشيرة الخروج» هذا إذا لم يستطع إبراز المستندات المطلوبة، في الوقت المطلوب، لأسباب أبسطها أن هذه المستندات قد لا تكون متوفِّرة لديه لضيق الزَّمن، مثلاً، أو لعدم سهولة تحويل التَّعاملات الرَّقميَّة إلى تعاملات ورقيَّة، حيث غالباً ما يكون، في مثل هذه الحالات، قد تلقَّى هذه البيانات إليكترونيَّاً، فقد جعلت الحكومة لأصغر عسكري، في أصغر مكتب جوازات، حقَّ أن يعطل هذا البائس، كيف شاء، وبصرف النَّظر عن أهمِّيَّة الغرض من السَّفرة التي يعتزمها، بل وأن يرفض، في النِّهاية، منحه «إذن» الخروج المطلوب، وأن يردُّه خائباً، جملة وتفصـيلاً، بسـلطة تقديريَّة لا تقيم أدنى وزن لـ «حقوق الإنسان»، ولا يأتيها باطـل «حريَّات» هذا الإنسان من بين يديهـا ولا من خلفهـا!

وكنت قد انتقدت، في ما مضى، إجراءات هذه التَّأشيرة كثيراً، باعتبار أنها تقلب الأوضاع رأساً على عقب، فتجعل للدَّولة حقَّاً على المواطن، لا العكس الذي هو الصحيح تماماً، إذ أن الواجب على الدَّولة أن تبذل هذه التَّأشيرة للمواطن، مجَّاناً، وبمجرَّد ختم بسيط، داخل جوازه، أثناء إجراءات الجَّوازات بالمطار، دون أيِّ قيد أو شرط، وذلك حالما يتحقَّق الضَّابط المسؤول من أن اسم هذا المواطن ليس مدرجاً ضمن قائمة الممنوعين من المغادرة، ليس بأمر إداري، وإنَّما بموجب أمر قضائي مؤسَّس على قانون الإجراءات الجَّنائيَّة.

وأذكر أنني التقيت على مائدة إفطار رمضانيَّة قبل سنوات، في بيت عديلي المرحوم إدريس حسن، رئيس تحرير صحيفة «الرَّأي العام» وقتها، بأحد وزراء النِّظام البائد، وكان قد وصل متأخِّراً مع أذان المغرب تقريباً، فعاجلني بقوله ضاحكاً: «أنا جاي دلوقت من اجتماع للقطاع السَّيادي بالقصر، وعندي ليك خبر إن شاء الله يعجبك .. قررنا إلغاء تأشيرة الخروج»! ثمَّ ما لبث أن واصل في الثَّرثرة بالتَّفاصيل قائلاً: «إقتنع (الرَّيس) بأنها إجراء غير ضروري، وأمر بإلغائها فوراً، غير أن عبد الرَّحيم، وزير الدَّاخليَّة أنذاك، أبدى انزعاجه من كون هذا الإلغاء الفجائي سيحرمهم من رسوم هذه التَّأشيرة التي تمثِّل مورداً مهمَّاً جدَّاً لهم في الوزارة، واستعطف (الرَّيس) في مهلة ريثما يتدبَّرون أمرهم بشأن مورد بديل، فأمر (الرَّيِّس) بتأجيل تنفيذ الأمر إلى أوَّل السَّنة الجَّديدة»!

مرَّت شهور، وحلت السَّنة الجَّديدة، ثمَّ مرَّت سنوات أخرى جديدة أيضاً، لكن دون أن ينفَّذ «الأمر الرِّئاسئ»، ولم يقدَّر لي أن ألتقي بالمسؤول الإنقاذي، مرَّة أخرى، لأسأله لعلَّ المانع خير! كلُّ ما حدث هو أنني نشرت الحكاية، ذات رُزنامة، دون أن يحرِّك أحدهم ساكناً، وأن وزارة الدَّاخليَّة توقَّفت عن تحصيل رسوم إصدار «تأشيرة الخروج»، ولكنها واصلت تحصيل نفس الرُّسوم عن نفس التَّأشيرة، فقط بإيصال مالي منفصل عن جواز السَّفر، وباسم جديد هو: «رسوم استيفاء»!

والآن، أيُّها الإخوة الأعزاء، من أجل كرامة الثَّورة، وكرامة المواطن، وكرامتكم الشَّخصيَّة، رتِّبوا لإلغاء هذه التَّأشيرة غير القانونيَّة. فلئن كان مفهوماً، تماماً، أن يستمرَّ النِّظام البائد، بمثل تلك «اللعبة القرديَّة»، في إهدار هذا الحقِّ المهمِّ من «حقوق الإنسان»، دَعْ إذلال مواطن بلادنا، متخفِّياً ذلك النِّظام خلف وريقة جبانة مفصولة عن جواز سفر هذا المواطن، تُستردُّ منه قبل صعوده إلى الطائرة، حتَّى لا تكون دليلاً ضدَّ النِّظام، ويسهل القبض عليه بالجُّرم المشهود، فليس مفهوماً، على الإطلاق، أن يواصل النِّظام الثَّوري الذي دفع فيه إنسان السُّودان الغالي والنَّفيس من أرواح الشُّهداء، ودماء الجَّرحى، إهانة نفس هذا الإنسان، بإهدار نفس هذا الحقِّ، واستحلاب نفس «رسوم الاستيفاء»، بنفس الوريقة الجَّبانة التي اخترعها النِّظام البائد بتلك «اللعبة القرديَّة»، وإلا، فبأيِّ وجه سيذهب وفدكم إلى جنيف، مرَّة أخرى، للمشاركة في أيَّة دورة قادمة من دورات «مجلس الأمم المتَّحدة لحقوق الإنسان»؟! ودمتم مع خالص التَّقدير والاحترام.

المخلص كمال الجزولي
ضاحية الهجرة ـ الخرطوم بحري 10
ديسمبر 2019م
***

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.