الإثنين

رحم الله منصور خالد، وكفله بغفرانه ورضوانه، وأسبغ عليه أضعافاً مضاعفة مِمَّا أحسن به لحياتنا الفكريَّة، ومواضعاتنا السِّياسيَّة، رجَّاً لآسنها، وتحريكاً لساكنها، اتَّفق النَّاس معه أم اختلفوا، فقد رحل تاركاً لديهم ذكريات لا تُنسى، وحوارات لم تكتمل، وأشـياء كثيرة من حتَّى!
ذات صباح من أواخر فبراير 2008م، على مائدة الإفطار بهيلتون أديس أبابا، قبيل توجُّهنا إلى القاعة الكبرى بمعهد الدِّراسات الأثيوبيَّة، للمشاركة في مؤتمر «دارفور وأزمة الحكم في السُّودان»، بدعوة من جامعتي أديس الأثيوبيَّة وكورنيل الأمريكيَّة، أفصحتُ للمرحوم، صراحة، عن رأيِّي بأن الحركة الشَّعبيَّة أخطأت، خلال مفاوضات «نيفاشا»، في:
أوَّلاً: أنها، ولعدم رغبتها في فتح ملفَّات الانتهاكات التي قد تكون وقعت بمعرفتها خلال الحرب، خذلت الجَّنوبيِّين، بتواطئها مع المؤتمر الوطني، صاحب المصلحة الشَّماليَّة المماثلة في «الغطغطة» على تلك الملفَّات، وفي طمْر مطلب «العدالة الانتقاليَّة» طيَّ صياغة غامضة للمادة/21 من دستور 2005م، تنصُّ على أن «تبتدر الدَّولة عمليَّة شاملة للمصالحة الوطنيَّة وإبراء الجِّراح»! علماً بأن مصطلح «إبراء الجِّراح» ينتمي إلى «العدالة الانتقاليَّة»، كمفهوم حديث يستحيل، دون الوفاء باستحقاقاته، إنجاز أيٍّ من هدفي «نيفاشا» الرَّئيسَين: «السَّلام» و«الدِّيموقراطيَّة»، بالتَّجاوز لـ «مصالحة فتح الرَّحمن البشير 1977م».
وثانياً: أنها، خذلت جماهير دارفور، وقد اشتدَّ أوار حريقها خلال المفاوضات، فبدت كما لو غفلت عن أن يتراءى موقفها منكفئاً على الجَّنوب وحده، وهي التي لطالما حرصت على تصفية ظلامات «الهامش» كله!
في معرض ردِّه نحَّى الدُّكتور طبقه، وفاجأني بنبأين من سبأ العيار الثَّقيل ما كان بلغني علمهما، قال: «هذا غير صحيح! د. جون لم يوفِّر جهداً في إقناع الطرف الآخر بـ (العدالة الانتقاليَّة)، عارضاً فتح الملفات من سنة 1956م، لولا أنهم قاوموا بشدَّة، فلم نخرج بأكثر من نصِّ المادَّة/21. أمَّا دارفور، فقد كنَّا نعلم أننا لن نبلغ السَّلام إذا لم نفعل شيئاً نتدارك به أوضاعها المتردِّية. لذا اقترح د. جون خطة اختراق يحقِّق به وقف إطلاق النَّار فيها، بحراسة قوَّات مشتركة. غير أن الحكومة تشكَّكت في أننا نريد موطئ قدم هناك، فرفضت الاقتراح»!
لاحقاً أعاد منصور تأكيد ذلك في ندوة عقدت له، خصِّيصاً، بوزارة الخارجيَّة، وأدارها بدر الدِّين سليمان. لكن، برغم تكرار تساؤلاتنا، وآخرها ضمن روزنامة 7 أبريل 2008م، عمَّا إن كان الطرف الآخر سيعقِّب بشئ، إلا أنه آثر السُّكوت، لتصبح إفادة منصور ثابتة، وموثَّقة، حيث القاعدة الفقهيَّة أن «السُّكوت في موضع الحاجة للكلام .. كلام»!

الثُّلاثاء
ذات مقالة سلفت قلت إن حُماة «حقوق الإنسان» عادة ما لا يولون «حريَّة التَّنقُّل والإقامة» نفس الاهتمام الذي يولونه لغيره من الحقوق، كحقِّ التَّملك، وحقِّ التَّقاضي، وحقِّ التَّعبير والإعلام، وحريَّة التَّجمُّع والتَّنظيم، وهلمَّجرَّا. ولئن كان المقصود من اقتران هذه الحقوق والحريَّات بعبارة «في حدود القانون» الاستدراك على إطلاقيَّة الممارسة، فإن السُّلطة البائدة، مطَّت هذا الاستدراك، كعادتها المرذولة، إلى أقصى حدود الشُّموليَّة، ففرضت على كلِّ من يريد مغادرة البلاد «شرط» استخراج «تأشيرة خروجExit Visa»، فإن لم يفعل، جعلت الحكومة لأصغر عسكري، في أصغر مكتب جوازات، ردَّه دون السَّفر، بسـلطة تقديريَّة لا تقيم وزناً لـ «حقوق الإنسان»! وقد انتقدت هذه الإجراءات، في الماضي، كثيراً، باعتبارها تجعل للدَّولة حقَّاً على المواطن، لا العكس، إذ على المسؤول بذلُ هذه التَّأشيرة، مجَّاناً، في المطار، بختم بسيط على الجَّواز، حالما يتحقَّق من أن المواطن ليس ممنوعاً، قضائيَّاً، من المغادرة. لذا، حين التقيت، قبل سنوات، بمصطفى عثمان، وزير النِّظام البائد، على مائدة رمضانيَّة، في بيت عديلي المرحوم إدريس حسن، رئيس تحرير صحيفة «الرَّأي العام»، وقتها، عاجلني بقوله ضاحكاً: «أنا جاي دلوقت من اجتماع للقطاع السَّيادي قررنا فيه إلغاء تأشيرة الخروج»! ثمَّ واصل الثَّرثرة، قائلاً: «إقتنع الرَّيس بأنها غير ضروريَّة، فأمر بإلغائها فوراً، غير أن عبد الرَّحيم، وزير الدَّاخليَّة، أبدى انزعاجه من كون هذا الإلغاء المفاجيء سيحرمهم من مورد أساسي، فاستعطف الرَّيس في مهلة ليتدبَّروا مورداً بديلاً، فأمر الرَّيِّس بتأجيل التَّنفيذ لأسابيع»!
مرَّت سنوات دون أن ينفَّذ «الأمر الرِّئاسي»! أما الوزير فلم ألتق به، مجدَّداً، لأسأله لعلَّ المانع خيراً! وأمَّا وزارة الدَّاخليَّة فقد توقَّفت عن فرض «رسوم تأشيرة الخروج»، دون أن تتوقَّف عن تحصيلها باسم «دلع» هو «رسوم استيفاء»! وبعد الإطاحة بالنِّظام، ناشدت المسؤولين الانتقاليِّين، عبر رسالة مفتوحة، باسم كرامة الثَّورة، وكرامة المواطن، وكرامتهم الشَّخصيَّة، أن يلغوا هذه التَّأشيرة، لكنَّ أحداً لم يحرِّك ساكناً! فلئن كان مفهوماً استمرار النِّظام البائد في إهدار هذا الحقِّ، متخفِّياً خلف وريقة جبانة مفصولة عن جواز السَّفر، تُستردُّ قبل الصُّعود إلى الطائرة (!) فليست مفهومة، على الإطلاق، مواصلة النِّظام الثَّوري إهدار نفس الحقِّ، بنفس الوريقة الجَّبانة، وإلا، فبأيِّ وجه سنذهب إلى جنيف في الدَّورة القادمة لـ «مجلس الأمم المتَّحدة لحقوق الإنسان»؟!

الأربعاء
فتنتني، مؤخَّـراً، الرِّوائيَّة ليلى أبو العـلا، بسـرديَّتهـا الرَّائعـة التـي جـعلت عنوانهـا الرَّئيس، فـي الأصـل الإنجليزي، «Lyrics Alley»، وترجمتُه الحرفيَّة «زقاق المَغْنَى»، بالإضافة إلى عنوان جانبي «ولَّى المساء». لكن المترجم البارع بدر الدِّين الهاشمي نقل العنوان الرَّئيس، بحساسيَّته الفائقة، إلى «حارة المَغْنَى»، بدلاً من «زقاق المَغْنَى»، ربَّما لرفع حرج اجتماعي معلوم بشأن جغرافيا «الزُّقاق» المتاخم لتلك «الحارة»! وهي الحارة التي تترامى شمالاً وجنوباً، بين شرقي السُّوق الكبير، حيث بعض بيوت آل أبو العلا، وبين منزل عبد الله بك خليل، رئيس الوزراء الأسبق، بواجهته الغربيَّة التي تقابل منزلين شهيرين: أحدهما «حوش القزاز»، ولا أعرف أصل التَّسمية، والآخر منزل عمِّ الكاتبة، ابن عم أبيها، الشَّاعر العذب «حسن عوض ابو العلا»، وهو المنزل الذي شهد، في شرخ شبابه، ازدهار حبِّه العظيم، من جهة، وانكسار قلبه الغضِّ، من جهة أخرى، بتراجيديا لا تقلُّ مأساويَّة عن أعظم التراجيديَّات الإغريقيَّة! وقد تمثَّلت قمَّتها في قفزة غير محسوبة، بين أمواج المتوسِّط، ذات صيف، على بلاج الإسكندريَّة، حكمت عليه بأن يخسر عموده الفقري! وأن يخسر معه حبيبته، مرَّة وللأبد! فيتزوَّج بها أعزُّ أصدقائه! ليقضي هو ما تبقى من عمره أسير شلل رباعي يقيِّده إلى السَّرير صباح مساء!
فتنتني ليلى، إذن، بسرديَّتها التي أجدني متردِّداً بين اعتبارها «رواية» أم «سيرة غيريَّة»، فكلاهما شكل أدبي مستقلٌّ، وقائم بذاته، وإن كانت الأولى تستند إلى تفاعل شخصيَّة المبدع، بضمير المتكلم أو بضمير الغائب، مع أحداث أو شخصيَّات خياليَّة، بينما تستند الأخرى، والتي ترد، في معظمها، بضمير الغائب، إلى أحداث واقعيَّة يكشف الكاتب، من خلالها، عن حقائق الشَّخصيَّة محور هذه الأحداث. وحتَّى لو استندت الرِّواية إلى أحداث حقيقيَّة، فإنَّها تقوم على مزج الواقع بالخيال، أو ما يسمِّيه النُّقاد «خيانة الواقع»! وقد أقرَّت ليلى نفسها، ضمن مقدِّمة الكتاب، بأنَّها «حوَّرت جوانب كثيرة تتَّصل بتاريخ العائلة، وأدخلت الكثير من الشَّخصيَّات الخياليَّة، حتَّى يغدو العمل روائيَّاً متخيَّلاً، وليس توثيقاً لحياة الشَّاعر». ضف إلى ذلك خلطها المتعمَّد، في ما يبدو، بين منزل آل أبو العلا المواجه لمنزل عبد الله خليل، وبين قصر آل أبو العلا الذي أضحى، لاحقاً، داراً لحزب الأمَّة! وعموماً، ليس ثمَّة روائي لا تخالط سرديَّاته لحظات من سيرة ما، ذاتيَّة أو غيريَّة، قصداً، أو إسقاطاً من اللاوعي معظم الأحيان!
ولفتنتي الشَّخصيَّة بهذه السَّرديَّة عدَّة أسباب، أهمها اثنان، أوَّلهما أن «الحارة» نفسها التي جعلتها الكاتبة مسرحاً لغالب أحداثها، كانت، أيضاً، مسرحاً لطفولتنا، أنا وأقراني وقريناتي، وذاكرة لصبانا الباكر، ولن ننسى، ما حيينا، كم كانت السَّعادة تغمرنا برؤية الفنَّانين العظيمين أحمد المصطفى وسيِّد خليفة، يجيئان لزيارة صديقهما الشَّاعر المنكوب، فنمضي، في اليوم التالي، نباهى بذلك أقراننا في المدرسة! وكنَّا علمنا، أوان نشأتنا الأولى، أن اسم حارتنا «حفرة كلودو»، نسبة إلى صانع «مراكيب» ماهر كان يقيم في كوخ بهذا المكان، وبقربه حفرة تزداد عمقاً واتِّساعاً، يوماً عن يوم، فسمِّيت به، كبقيَّة الحفر المنتشرة، آنذاك، في شتَّى أنحاء المدينة، كـ «حفر ود التُّويم»، في شمالها الشَّرقي، وغيرها، حيث اعتاد عامَّة الأنصار، بعد تحرير الخرطوم، أن يأخذوا من تلك الحفر ما يحتاجونه من تُّراب يبنون به بيوتهم، استجابة لتوجيه الإمام المهدي، عليه السَّلام، لأن يعمِّروا «البقعة»، ويتَّخذوها عاصمة لهم، بدلاً من الخرطوم، مدينة التًّرك.
أمَّا السَّبب الآخر لفتنتي بالرِّواية فهو الأسلوبيَّة الممتعة التي مكَّنت ليلى من أن تسرِّب، عبر سيرة أسرتها العريقة، تاريخ نشأة وتطوُّر البرجوازيَّة السُّودانيَّة، دون أن تغفل الاستناد، في ذلك، إلى مراجع علميَّة، رغم تمام معرفتها بأن ما تسطره «إبداع»، وليس «علماً»، كورقة روبرت تنجور عن «تاريخ القطاع الخاص في السُّودان»!
وبعد، ليس ثمَّة مأخذ على هذه الطبعة الأولى الصَّادرة عن مركز عبد الكريم مرغني بأم درمان عام 2013م، سوى الأخطاء الإملائيَّة والنَّحويَّة المزعجة بسبب عدم التَّدقيق، وهو ما نأمل مراعاته في الطَّبعات القادمة.

الخميس
عامان وتهلُّ الذِّكرى العشرون بعد المئة لإنشاء «خزان أسوان»، فاتحة «المأساة النُّوبيَّة»! ويخطئ مَن يعتبر أن اعتراض النُّوبيِّين على الإنابة عنهم، من وراء ظهرهم، في مفاوضات السَّلام بجوبا، تكأة لجحد أحقِّيَّتهم في أن يندرجوا، بالأصالة عن أنفسهم، ضمن المهمَّشين الذين يجب أن يُفسح لمطالبهم على طاولة هذه المفاوضات؛ فإن لهم من التَّجارب المريرة ما يكفي لتبرير استرابتهم في أغلب المشاريع التي ظلت تستهدفهم، تاريخيَّاً، بـ «الإغراق» و«التَّهجير»، أرضاً، ووجوداً، وحضارة، دونما حاجة لمؤامرة صهيونيَّة، أو صليبيَّة، أو ماسونيَّة!
لقد تعرَّض النُّوبيُّون، خلال ما لا يربو كثيراً على نصف قرن، لأربع من هذه الخبرات الأليمة، ابتداءً من إنشاء «خزَّان أسوان» عام 1902م، وتعليته، مرَّتين، خلال عام 1932م، وإلى قيام «السَّدِّ العالي» عام 1964/1963م، ناهيك عن دخولهم «حقبة السُّـدود»، خلال ثلاثينيَّة «الإنقاذ» المشـؤومة! وفي كلِّ تلك «الاغراقات» كانوا يُقهرون على مقايضة بيوتهم، وزروعهم، وتاريخهم، ومُجمَل حضارتهم الموغلة في العراقة لأكثر من سبعة آلاف سنة، بمحض «أكاذيب التَّعويضات»، و«ترُّهات التَّنمية»، بينما هم، بين هذه وتلك، إمَّا مُهجَّرون إلى بلاد طيرها أعجميٌّ، ينشجون كمداً، طوال أجيال بأكملها، على الطار، والطنبور، والزُّمَّـارة، وإمَّا مُجـبَرون على حمل صغارهم، وشيوخهم، وعجزتهم، مع ما خفَّ من أثاث متواضع، ومتاع شحيح، يصعدون بذلك كله إلى ما يمكنهم بلوغه من مرتفعات قريبة تعصمهم من دمـدمـة اليمِّ الرَّاعـف، وإرزام المَوْجِ الهـدَّار!
وفي مقدِّمة كتابه القيِّم «هجرة النُّوبيِّين» يقول حسن دفع الله، إن مصر، عندما قرَّرت إقامة السَّدِّ العالي «.. لفتت أنظار العالم بهذا المشروع المدهش تصميماً، وحجماً، وتكلفة، وفائدة، لكن آثاره الضَّارة لم تسترع انتباه أحد! فالبحيرة التي خلقها الخزَّان كانت ذات أثر مدمِّر بكلِّ النُّوبة المصريَّة، وامتدَّ أثرها 150 كيلومتراً داخل السُّودان، وفي السُّودان، وحده، ابتلعت مياه البحيرة 27 قرية، بالاضافة إلى مدينة وادي حلفا، كما فقد 50 ألف نوبي سوداني مأواهم، وكلَّ أراضيهم، ومساكنهم، ونخيلهم، ومقوِّمات حياتهم»! وفي تقديمه للكتاب يصف إيان كنيسون مشاهد إنسانيَّة استوقفته لدى ذلك الإداري الذي قام بإجلاء آلاف النَّاس، بالبواخر، والقطارات، من موطن يمتدُّ تاريخه لآلاف السَّنوات، ليُعاد غرسهم في وطن ملفَّق، وأرض غريبة! وهذا الموظف هو نفسه الذي لا تفتقر إنسانيَّته لما يدفعه لأن «يدسَّ قطعة كفن في يد المسؤول عن حركة القطارات، تحسُّباً لموت أحد في الطريق .. والذي لا يصيبه الضَّجر إذا ما توقف القرويُّون ساعات لوداع أسلافهم الغابرين قبل أن يغادر القطار .. والذي يقتطع من زمنه ليتأمل حال قرية حين تخلو من النَّاس .. والذي يسجِّل بآلة تصويره انهيار المنازل في غمرة المياه المتدفِّقة»! ويعكس كنيسون ما بلغه من انطباعات دفع الله القويَّة عن صدمة التَّهجير على النُّوبيِّين الذين لطالما عاشوا حياة متميِّزة، في وطن متفرِّد، قبل أن يُرغموا على الرَّحيل إلى ديار نمطيَّة عاديَّة «حيث لا وجود لنهر النِّيل، لا غابات نخيل توفِّر الجَّهد .. ولا آثار أجداد تحرس الأعتاب»!
إشارات دفع الله وكنيسون الماسَّة بشغاف القلوب هي ذات ما عبَّرت عنه سعاد إبراهيم احمد، في محاضرة لها حول «تهجير النُّوبيِّين وثقافتهم»، بالمركز الثَّقافي الفرنسي، أمسية 15 يناير 1996م، حيث انطلقت من تعريف «الثَّقافة» كنتاج لعلاقة الإنسان بـ «لغته» و«أرضه»، لتنفُذ، في ما يتعلق بعنصر «الأرض»، إلى أن جغرافيا النُّوبيِّين المطلة على النِّيل، والمحاطة بالجِّبال والصَّحراء من جهتين، هي التي صاغت حياتهم على هذه الحقيقة الحضاريَّة، سواء من حيث استغلال الأرض على ثلاثة مواسم: الصيف، والشِّتاء، والدَّميرة، أو إجادة البناء، أو تشكيل الحجر، أو احترام المرأة، أو الشَّغف بالتَّعليم، أو خلافه.
مع ذلك، ليست وحدها طيوف «الغرق» و«التَّهجير»، التي تتهدَّد «الثَّقافة»، هي ما حدا بالنُّوبيِّين لمناهضة إنشاء «سدِّ كجبار»، وبالأخصِّ طيوف «التَّهجير القسري» إلى «خشم القربة»، إثر قيام «السَّدِّ العالي» خلال النِّصف الأوَّل من ستِّينات القرن المنصرم، علاوة على ما ظلَّ مواطنو أمري والحمَّاداب يقاسون من فظاظة التَّجاهل لمطالبهم، واستهانة «الأكاذيب» و«التُّرُّهات» بأقدارهم! وإذن، فلدى النوبيِّين أسباب أخرى لرفضهم، مبدئيَّاً، قيام «كجبار»، على بعد ستِّين كيلومتراً شمال «كرمة»، في قلب ما تبقَّى من «أرض» النُّوبة، منذ أن صدر المرسوم الجُّمهوري بإنشاء مؤسَّسته العامَّة في يونيو عام 1995م. من أبرز تلك الأسباب ما يتَّصل بـ «البدائل». فمن أهمِّ ما لخَّصت سعاد، في محاضرتها، من مآخذ على المشروع، أن دراسة جدواه الاقتصاديَّة لم تأخذ في اعتبارها الخصائص الهيدرولوجيَّة لمجرى النَّهر، والتُّربة، والمناخ، والطوبوغرافيا، جنباً إلى جنب مع الآثار البيئيَّة، والسُّكانيَّة، في مقابل البدائل الممكنة. فزمن المشروعات الضَّارة بالسُّكان والبيئة قد ولي، حتَّى لدى البنك الدَّولي، فبرغم فظاظة شروطه، ألغى تمويل خزَّان شبيه في الهند بسبب ما سيترتَّب عليه من «تهجير» جماعي، وآثار بيئيَّة سالبة، دَعْ أن ما سيترتَّب على «كجبار» أوخم: ضياع الموروث الثَّقافي، ووقوع الأذى النَّفسي، وهو مـا لا يمكـن أن تتجاهـله أيَّة «دراسـة جدوى»، كونَّه، ببساطة .. لا يُقدَّر بثمن!
واستصحبت سعاد ملاحظات المتخصِّصين النَّقديَّة للأرقام التي قامت عليها دراسة الجَّدوى. فمحافظة وادي حلفا كانت تحتاج، وقت الدِّراسة، إلى حوالي 6.3 ميغاواط، بينما المتاح منها كان 1.2 ميغاواط. وبافتراض أن الأرقام ما تزال على حالها حتى تاريخ المحاضرة، فإن كلَّ العائد للمنطقة من تضحياتها الجِّسام لا يزيد عن 4.8 ميغاواط، تقلُّ، عند تنفيذ المرحلة الأولى من المشـروع، إلى 3.9، بعد أن يكـون الآلاف قد «هُجِّروا»، و35 قرية قد «أغرقت»، مع كلِّ الجُّزر، والأراضي المتاخمة للنَّهر، بكلِّ نخيلها، وزروعها، ونباتاتها البريَّة الأخـرى، دَعْ كلَّ معالم الحضـارة، والثَّقافة، والآثار، والتُّراث!
ولعلَّ أهمَّ ما أوردت سعاد أن ثمَّة ما يؤكِّد وجود بدائل لكلِّ هذا الخراب، لكنها، لسبب ما، بدائل غير مرغوب فيها من «سدنة كجبار»! ومن هذه البدائل الصَّديقة للبيئة، والتي تستحقُّ إجراء دراسات جدوى حولها: الرِّياح، والطاقة الشَّمسيَّة. كما وأن ثمَّة بديلاً «مائيَّاً» لطالما نوَّه إليه الخبراء، هو إمكانيَّة استنباط وتوزيع أضعاف ما تحتاجه زراعة المنطقة من الكهرباء، بتكلفة أقل، دون تعريض النوبيِّين لـ «التَّهجير»، أو تعريض شبر من «أرضهم» لـ «الغرق»، وذلك بالعودة إلى المشروع القديم لتوليد الكهرباء من «شلالات كجبار»، بالتُّوربينات عند مساقط المياه، فهذا، على الأقل، أفضل من توليد المزيد من المشكلات لبلادنا التي فيها ما يكفيها .. وزيادة!

الجُّمعة
في حديث تلفزيوني موثَّق بقناة الجَّزيرة، تداعى محمد حسنين هيكل، من فوق كلِّ خبراته الطويلة، وتجاربه الثرَّة، معبِراً عن أسفه للفرص الكثيرة التي أضعناها، كعالم ثالث، وكعرب، بمحاربتنا الاتِّحاد السُّوفييتي لصالح أمريكا .. وصدق!

السَّبت
بسعادة غامرة تلقيت، قبل أيَّام، رسالة إليكترونيَّة من الصَّديق الشَّاعر، الأديب، والمفكر المغربي الكبير محمَّد بنيس، أحد أهمِّ رموز الحداثة في الثَّقافة العربيَّة المعاصرة، والحائز على العديد من الجَّوائز الوطنيَّة، والعربيَّة، والعالميَّة، والذي تُرجمت أعماله المهمَّة إلى الفرنسيَّة، والأسبانيَّة، والإيطاليَّة، والتُّركيَّة، والألمانيَّة، والصِّينيَّة، ويذكر القرَّاء، ولا بُد، زيارته للسُّودان خلال يناير 1915م، والتي عبَّر، في رسالته، عن أنه ما زال يحتفظ بروعتها، وبما رسخ لديه، جرَّاءها، من محبَّة لبلادنا، وتعاطف مع شعبنا، قائلاً: «تتبَّعت بحبٍّ وحماس ثورة الشَّعب السُّوداني، وقد قضيت أيامها متعلقاً بكم وبأخباركم. أهنئكم بالتَّخلص من الطغيان الذي كان ضاغطاً، خلال فترة زيارتي، وكان من نتائجه آنذاك منع اتِّحاد الكتاب من ممارسة أنشطته. آلمني ذلك، وأنا الآن أتطلع إلى أن أسمع عنكم ما يرضيكم ويسعدكم».
زيارة بنيس تلك جاءت بمبادرة من المركز الثَّقافي الفرنسي، وبالتَّنسيق مع اتِّحاد الكتَّاب، ومعهد عبد الله الطيِّب، ومنتدى دال الثَّقافي، والمكتبة الوطنيَّة، واندرجت ضمن أبرز نشاطات الدِّبلوماسيَّة الشَّعبيَّة. وفي فاتحتها أقام اتِّحاد الكتَّاب، بداره، ليلة ثقافيَّة كبرى، تحدث فيها بنيس عن تجربته الشِّعريَّة ورؤيته الفكريَّة، أعقبتها ندوة شعريَّة عقدها الاتِّحاد، أيضاً، على شرفه، بمشاركة كبار الشُّعراء، تخللتها قراءات لقصائد محمَّد المهدي المجذوب، أيقونة الشِّعر السُّوداني الحديث. كذلك أقام معهد العلاَّمة عبد الله الطيب لقاءً للشُّعراء والنُّقَّاد الشَّباب مع بنيس، بقاعة الشَّارقة بالخرطوم، اشتمل على قراءات شعريَّة، وعلى حوار مفتوح. ونظَّم المركز الثَّقافي الفرنسي، بمقرِّه بالخرطوم، أمسية ثقافيَّة للشَّاعر الزَّائر. وأصدر اتِّحاد الكتاب، على شرفه، ملحقاً لمجلة الاتِّحاد «كرامة»، كما أجريت معه لقاءات صحفيَّة، وحوارات تلفزيونيَّة مطوَّلة.
وبعد عودته الى المغرب كتب بنيس مقالاً دسماً عن الزِّيارة نشره على صفحته في الفيس بوك، بعنوان «رحلات في قارَّات الشِّعرـ نصوص من نخبة ما كتب الشَّاعر عن أسفاره ورحلاته عبر حواضر و أمصار الشِّعر». في هذا المقال تأسَّف بنيس لحروب السُّودان، ولانفصال الجَّنوب، وتحدَّث بحميميَّة فائقة عمَّا لمسه من نبل الإنسان السُّوداني، وعن جمال النِّيل، والخرطوم، وأم درمان، وجزيرة توتي، كما تحدَّث عن المتصوِّفة، وصراعهم مع السَّلفيَّة، وعن طقس الذِّكر في ضريح الشِّيخ حمد النِّيل، وعن الشَّاى والقهوة فى شارع النِّيل، وعن محدوديَّة معرفته بالسُّودان قبل الزيارة، مقارنة بما توفَّر له بعدها من معلومات وانطباعات، وتحدَّث، كذلك، عن الشِّعر والأدب والفكر في هذه البلاد، وعن شباب الثَّقافة السُّودانيَّة، وغيرها من الذِّكريات.
كانت الزِّيارة، في وقتها، من محرِّكات ساكن الحياة الثَّقافيَّة تحت سلطة القمع الإسلامويَّة. لكنَّها كانت، أيضاً، وللأسف الشَّديد، أحد أهمِّ أسباب القرار الجَّائر الذي اتَّخذته وزارة الثَّقافة، ووزيرها، آنذاك،الطَّيِّب حسن بدوي، بحلِّ الاتِّحاد، تحت طائلة «اتِّهامهما» إيَّاه بدعوة كاتب «أجنبيٍّ» لممارسة انشطة «دون إذن الوزارة»! على أن الاتِّحاد لم يستكن لذلك القرار، بل خاض ضدَّه معركة قضائيَّة وثقافيَّة شرسة، كسبها عن جدارة، حيث استطاع، من خلالها، أن يفضح تخلف سلطة الإسلام السِّياسي، وجهالتها التي دفعتها لاعتبار هذا الرَّمز الثَّقافي العربي الكبير «أجنبيَّاً»، وأن ينتزع حكماً ببطلان قرارها، وباستعادة شرعيَّة الاتِّحاد.

الأحد
لم يكتف انقلابيُّو 1989م باعتقال أمين مكي مدني، وإنَّما صادروا منزله في الخرطوم، ضغثاً على إبالة، وخصَّصوه لشركة سندس الزِّراعيَّة، تحت إدارة «فقيههم» الصَّافي جعفر، ومبنى آخر ورثه في مدني، خصَّصوه سكناً لأساتذة جامعة الجَّزيرة! وعلم الرَّاحل، وهو في منفاه الاختياري بالقاهرة، أن الظروف اضطرَّت صديقه المهندس أحمد السَّماني لزيارة الصَّافي، ذات يوم، لإنجاز عمل ما. ولدى نهاية الزِّيارة طلب منه الصَّافي أن ينتظر ليصلي معهم العصر جماعة، فردَّ عليه السَّماني بأن الصَّلاة لا تجوز في ذلك المنزل! ابتهج الصَّافي، معتقداً أن السَّمانى قصد إلى أن صاحب المنزل يساري لا تجوز الصَّلاة في منزله! ولتأكيد ظنه، لمزيد من البهجة، سأل السَّماني عن السَّبب، فإذا به يلقم «فقيه السُّلطة» حجراً بأن «الصَّلاة لا تجوز في الأرض المغصوبة، وذلك البيت أرض مغصوبة»! فترحــُّم أمين على السـَّماني الذي كان قد توفي، وقتها، ودعا الله أن يغفر لأساتذة جامعة الجَّزيرة الذين لم يدفعهم حياء إنسانيٌّ بسيط لرفض السَّكن في داره الأخرى المغصوبة بمدني!


***

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.