روزنامة الأسبوع

الإثنين
لم أقع على نقد أكثر قسوة مِمَّا فعل حمزة الملك طمبل بشعر الشَّيخ أحمد المرضي، حيث كان الشَّيخ قد قال في مدح «هداية بك» ناظر الكليَّة:
«برَزَتْ بِوَجْهٍ كَالصَّباحِ المُسْفِرِ/ وتَمايَلَتْ مَيْلَ القَضيبِ الأَخْضَرِ/ وتَلفَّتَتْ عن جِيدِ ظَبْي أَغْيَدٍ/ورَنَتْ بِنَاظِرَةِ المَهَاةِ الجُّؤْذَرِ/ لَمْياءُ تَفْعَلُ بالقُلوبِ لَحاظُها/ فِعْلَ السُّلافِ البابِليِّ السُّكَّرِ/ ولقد تلظَّتْ (أكبُدي) وتَصَدَّعَتْ/ وتَوَقَّدَتْ من وَرْدِ خَدٍّ أَحْمَرِ/ تَسْطُو من الطَّرَفِ المَريضِ بِأَبْيَضٍ/ وتَصُولُ من لَدُنِ القَوَامِ بأَسْمَرِ/ كَلَفِي بِطَلْعَتِهَا القَسِيمَةِ فِي الوَرَى/ كَلَفَ العُلا بِهِدايَةِ الشَّهْمِ السَّري».
أورد طمبل هذه الأبيات من شعر الشَّيخ، ثمَّ انبرى يجلده بقوله:
ــ «وهكذا، جرياً وراء التَّقليد، صدَّر الشَّاعر مدحته بخمسة أبيات في الغزل لا داعي لها لأنها ليست من الموضوع، وحذفها أدلُّ على الصِّدق من وجودها، لأنها تحصيل غير حاصل»!
ــ وقال: «ثمَّ كان الأنسب وضع كلمة (مهجتي) بدلاً من كلمة (أكبدي) لأن الشَّاعر إنسان كأيِّ إنسان له كبد واحدة لا أكثر ولا أقل»!
ــ وقال: «كان يحسن أن يقول، في الشَّطرة الثَّانية من البيت السَّادس، ما يفيد كَلَفَ هدايةٍ بالعُلا، لا كلف العُلا بهدايةٍ، لأن النَّاس هم الذين يسعون ويجاهدون في سبيل العُلا، لا العُلا هي التي تسعى إلى النَّاس وتخطب ودَّهم»!
بعدها أورد طمبل البيت القائل: «إنَّ المَعارِفَ قد تَجَلَّتْ وانْجَلَتْ/ لمَّا طَلَعْتَ لها بِوَجْهٍ مُقْمِرِ»، وعلق عليه قائلاً:
ــ «كان يحسن أن يقول (بفكرٍ نيِّرِ) بدلاً من (بِوَجْهٍ مُقْمِرِ)، وهذا يستلزمه (وضع الشَّئ في موضعه)، لأن المعارف إنَّما يجليها ذو (الفكر النَّيِّر) لا ذو (الوَجْهِ المُقْمِرِ) الذي يُحتمل أن يكون غبيَّاً بليداً لا يفيد المعارف بشئ»!
ثمَّ أورد طمبل البيت القائل: «شَرَّفْتَها فَتَراقَصَتْ أَعْطافُها/ فَكَأَنَّها سَمِعَتْ غِنَاء المزْهَرِ»، وأشبعه سخرية بقوله:
ــ «مع أن هذا البيت فارغ، فإنه يؤدِّي إلى معنى سخيف لم يحسب حسابه الشَّاعر، لأن مصلحة المعارف إدارة حكوميَّة لا أعطاف لها، فلا يصحُّ أن نفترض أنَّها تراقصت لمَّا شرَّفها الممدوح! ولو ذهبنا مع الشَّاعر إلى حيث ذهب، وافترضنا أن (المعارف) بأفنديَّتها، ومشايخها، ومكاتبها، وفصولها، وبكلِّ ما حوته، حتَّى المحابر والأقلام، قد تراقصت عند تشريف (هدايةٍ) لها، لكان في منظر تراقصها ما يدعونا إلى السُّخرية والضَّحك، لا إلى الإجلال والاحترام، وهو ما كان يرمي إليه الشَّاعر طبعاً»!
ـ ثمَّ استطرد طمبل قائلاً: «وهاكم نتيجة أعجب من هذه، وهي أن (المعارف) التي تراقصت لتشريف (هدايةٍ) لها، إنَّما فعلت ذلك كأنَّها سمعت غناء المزهر! ومعنى هذا أن تشريف الممدوح يساوي غناء المزهر تتراقص لكليهما أعطاف (المعارف)! هذه نتيجة سيعجب لها الشَّيخ أحمد المرضي ومَن يقرأها، لكنَّها، على أيِّ حال، نتيجة تُلازِم مَن يكون همُّه المبنى لا المعنى»!
ــ وأخيراً ختم طمبل نقده المرير قائلاً: «فيا أيُّها النَّاس تفكَّروا في كلِّ شئ، فإن تفكُّر ساعة خيرٌ من عبادة سنة»!

الثُّلاثاء
كشف فريق بحثي إنجليزي بجامعة إيست أنجليا عن علاقة طرديَّة بين النَّقص الحاد في فيتامين/ دي وبين النِّسبة المرتفعة للوفيَّات بالكورونا في عشرين بلداً أوربيَّاً! والسَّبب هو التزام معظم النَّاس بيوتهم، خلال الجائحة، دون التَّعرُّض لأشعَّة الشَّمس، مِمَّا حدا بهيئة الخدمات الصِّحيَّة الوطنيَّة في المملكة المتحدة لنصح العامَّة بتناول 10 ميكروغرامات من هذا الفيتامين يوميَّاً. وكانت دراسات سابقة قد أوضحت، أيضاً، أنه يخفض من احتمالات الإصابة بأمراض الجِّهاز التَّنفُّسي، كالأنفلونزا والسُّل. ومع أن الفريق البحثي لم يؤكِّد ما إن كان تناول هذا الفيتامين يساعد في التَّعافي من الفيروس، إلا أن الطلب عليه يزداد بشدَّة! لكن، على أيَّة حال، ولحسن حظِّنا في السُّودان، فإن شمس بلادنا تنتج فيتامين/دي بوفرة، خصوصاً خلال فترتي الصَّباح وقبل الغروب، فلا نحتاج لاستيراده بالعملة الصَّعبة! فقط علينا أن نُشبِع أجسادنا من شمس الفترتين، فامتصاص بشرتنا الدَّاكنة للأشعة يحتاج إلى وقت أطول مِمَّا تحتاجه بشرة الخواجات!

الأربعاء
كثيراً ما يقع الخلط بشأن «الدِّيموقراطيَّة»، حيث لكلِّ طبقة حزبها، ولكلِّ حزب أيديولوجيَّته، ولكلِّ أيديولوجيَّة مفهومها الخاص عن هذا المصطلح. مع ذلك فإن التَّوافق قد وقع بعد استقلالنا، بل وغالباً ما ظلَّ يقع عقب كلِّ انتفاضة وكلِّ تغيير، في بلادنا بالذَّات، على «الدِّيموقراطيَّة الليبراليَّة» التي هي، بوجه عام، مصطلح مركَّب يشتمل على مفهومين نشئا، في الأصل، بانفصال.
«الدِّيموقراطيَّة» مفهوم أقدم من النَّاحـية التَّاريخـيَّة. فهـى، كلفـظ، تعـود إلى الأصـل اليوناني Demos بمعـنى «شعب»، وKratos بمعنى «حكم أو سلطة». أمَّا كدلالة اصطلاحيَّة فتنصبُّ على شكل الحكم الذي يتَّسم بتوسيع دائرة الحريَّات، والحقوق، والمشاركة، والمساواة أمام القانون، والذي ظلَّ يمثل تطلعاً دائما بالنِّسبة للمجتمعات الانسانيَّة، على امتداد تاريخها السِّياسي، واختلاف محدِّداتها الزمكانيَّة، والعرقيَّة، والمعتقديَّة، واللغويَّة، والثَّقافيَّة، وغيرها، منذ أقدم التَّشكيلات الاقتصاديَّة – الاجتماعيَّة، عند الأسبرطيِّين، والبيزنطيِّين، وبخاصة عند الإغريق الذين يعود المفهوم، بالجِّذر الغالب لاستخداماته، إلى تلخيصاتهم الفلسفيَّة (سقراط ـ أفلاطون ـ أرسطو)، من جهة، وتطبيقاتهم الأثينيَّة من جهة أخرى. وقد شهدت العصور القديمة تلك الأشكال الملموسة للدِّيموقراطيَّة التي كان مضمونها يتوقَّف على طابع نظامها الاجتماعي، عبوديَّاً كان أو اقطاعيَّاً.
أمَّا «الليبراليَّة» فتنحدر، لغة، من اللفظ اللاتيني Liberalis بمعنى «حُر»؛ ويعود مفهومها بجذره الفلسفي إلى مذاهب جون لوك، والتَّنويريِّين الفرنسيِّين بخاصة. وقد تبلور في أوربَّا القرنين السَّابع عشر والثَّامن عشر، كبرنامج أيديولوجي للبُرجوازيَّة الصَّاعدة من رماد الإقطاع، وكتعبير ثوري عن حاجتها الملحَّة، اقتصاديَّا وسياسيَّا، لتحطيم كلِّ الحواجز القائمة على طريقها فى طبيعة، وقوانين، وميكانيزمات النِّظام الإقطاعى المدعوم من الإكليروس الكنسي، والذي لم يعد يناسب، آنذاك، مقتضيات حركة رؤوس الأموال والسِّلع، من حيث السُّرعة واليسر، إلى جانب أنه أضحى يكبِّل حريَّة اختيار المهن، والانتقال السَّلس للأيدي العاملة المطلوبة بإلحاح من أجل تطوُّر الصِّناعة، حيث كانت القوانين السَّائدة تجبر الفلاحين الأقنان وأبناءهم على البقاء في خدمة «أسيادهم» كأنصاف عبيد. وبما أنه كان لا بُدَّ لتلك الضَّرورات، فى مستوى البنية التَّحتيَّة للمجتمعinfrastructure، من تحويلات كبرى تناسبها في مستوى البنية الفوقيَّة superstructure، فقد قام المفكرون «الليبراليُّون»، في ما بين نشؤ حركة الاصلاح الدِّيني اللوثـري في أوربَّا، خلال القرنين 15 ـ 16، الطَّـور الأوَّل مـن عصـر «الحـداثة»، وبين اندلاع الثَّـورة الفرنسيَّة عام 1789م، بتدمير الأسس النَّظريَّة للنِّظام القديم الذى كانت «النَّبالة» فيه هي عنوان «الامتياز»، كما كانت «الحقوق» هى المعادل الموضوعي لـ «حيازة الأرض»، وبشَّروا، نظريَّاً، بمجتمع جديد يشكِّل مصدر الثَّروة فيه «رأس المال» القائم على «الملكيَّة الخاصَّة»، و«حريَّة السُّوق» المستندة إلى «حريَّة المنافسة»، وجرى تصوير فرص «الرِّبح» فيه، وخيارات «المنفعة»، على أنَّها متاحة أمام «الجَّميع»، بحيث تمثِّل جهود «الفرد» الاقتصادبَّة «المستقلة»، وفق مبدأ «دعه يعمل، دعه يمُر»، شرعيَّة «التَّمايز»، تماماً كما يمثِّل «التَّعاقد الطليق» الأساس القانوني لتنظيم العلاقات الاجتماعيَّة. زبدة الأمر أن الليبراليَّة الاقتصاديَّة والسِّياسيَّة تخلقت في رحم النِّظام الرَّأسمالي، مستندة إلى حريَّة السُّوق، وحقوق الطبقة البُرجوازيَّة الصَّاعدة.
على أن الاقتران بين «الدِّيموقراطيَّة» و«الليبراليَّة» لم يقع، تاريخيَّاً، ضربة لازب، بل العكس هو الصَّحيح، حيث أن «الليبراليَّة» قاومت «الدِّيموقراطيَّة» ردحاً طويلاً من الزمن، قبل أن تعود لاستيعابها بالتَّدريج. فحقُّ «التَّصويت»، مثلاً، ظل قاصراً على الطبقات الرَّأسماليَّة حتى الثُّلث الأوَّل من القرن التاسع عشر. ولم تتمكن الطبقة الوسطى الإنجليزيَّة من التَّمتُّع به إلا فى إثر «الإصلاح الانتخابي» عام 1832م. أمَّا العمَّال فلم يُعترف لهم بهذا الحق إلا فى نهاية القرن التَّاسع عشر، وأمَّا النِّساء فقد كان عليهن الانتظار للحصول عليه حتَّى نهاية الرُّبع الأوَّل من القرن العشرين (1920م فى إنجلترا ـ 1928م فى أمريكا).
وإذن فإن الأسس المعرفيَّة لـ «الليبراليَّة» انطرحت، تاريخيَّاً، من زاوية التَّطوُّر الاقتصادي للمجتمعات البشريَّة، باستقلال عن الركائز الخاصة بـ «الدِّيموقراطيَّة» في ما يتصل بـ «الحقوق والحريَّات» التي انطرحت معرفيَّاً، إزاء سلطة الدَّولة، قبل «الليبراليَّة» بكثير. فـ «الليبراليَّة» ولدت إقتصاديَّاً، أوَّلاً، ثم «تمقرطت»، لاحقاً، متخذة طابعها السِّياسي من بوَّابة اضطرار البُرجوازيَّة لتوسيع دائرة «الحقوق والحريَّات» التي لطالما دافعت عنها في مرحلة نهوضها الثَّوري، لتشمل كلَّ المواطنين، باعتبار أن هذه «الدِّيموقراطيَّة» تعني تعظيم «المساواة» في فرص الحياة على كلِّ الأصعدة السِّياسيَّة، والاقتصاديَّة، والاجتماعيَّة، و«تحرير» القوى الكامنة لدى الانسان في سبيل تحقيق ذاته. من هنا نتج التَّداخل بين المفهومين، ربَّما لكون سيرورة «الليبراليَّة» قد اقترنت، أكثر من غيرها، بـ «الدِّيموقراطيَّة». لكننا لا نرى أهميَّة، في السِّياق، للجَّدل حول ما إنْ كان مضمون «الدِّيموقراطيَّة»، بدلالة «الليبراليَّة السِّياسيَّة»، يتمثَّل في «المساواة» أم في «الحقوق والحريَّات»، اللهم إلا من وجهة النَّظر المدرسيَّة المحضة. ما يهمنا، تحديداً، هو أن هذه «الدِّيموقراطيَّة» التي ظلت، على الدَّوام، بمثابة السِّلاح الذي تنافح به جماهير الكادحين لانتزاع «حقوقها» السِّياسيَّة، والاقتصاديَّة، والاجتماعيَّة، وتتطلع، عن طريقه، لإعادة صياغة العالم الأفضل، والوجود المغاير، قد استحقَّت، دائماً، عداء الطَّبقات المتميِّزة التى يرتبط لديها الإقرار بهذه «الحقوق» للجَّماهير بتهديد امتيازاتها، أو تغيير الأساس الاقتصادي السِّياسي للمجتمع الذى يوفر لها تلك الامتيازات.
مع ذلك ، وفى الظروف التى تلازم فيها صعود المركانتليَّة، ومفاهيمها حول المدنيَّة والتَّمدُّن، مع عمليَّات التَّهميش الثَّوري المتسارع للاقتصاد الطبيعي الرِّيفي، ولأجل الاستمرار فى تيسير «حريَّة» انتقال الأيدي العاملة من اقتصاديَّات الرِّيف إلى مجال الصِّناعات النَّاشئة في المدن، وتبرير القضاء على سطوة التَّوأم السِّيامي في التَّاريخ القروسطي الأوربِّى: الإقطاع والكنيسة، فقد كان منطقيَّا تماماً أن ترتفع أيضاً منظومة المطالب التى وسمت «الليبراليَّة»، في عصر «الحداثة» بميسم الثَّورة ذات الأهداف البرجوازيَّة الشَّاملة في التَّغيير الاقتصادي ـ السياسي ــ الاجتماعي، وهي المطالب التي دخلت التَّاريخ، منذ ذلك الحين، بما أصبح يعرف بشبكة حريَّات «التَّفكير، والضمير، والتنظيم، والتعبير، والتنقل .. الخ»، فضلاً عن إلغاء نظام الحكم بالوراثة، واعتماد نظام جديد يقوم على الانتخاب الحرِّ للحكَّام، وما إلى ذلك.
هكذا، وبرغم «التَّناقض المظهري» بين المصالح «الليبراليَّة» الاقتصاديَّة للطَّبقات البُرجوازيَّة، وبين المصالح «الدِّيموقراطيَّة» السِّياسيَّة لجَّماهير الكادحين، ونسبة لاستحالة تحقيق الأولى بدون إيلاء الاعتبار الكافى للثَّانية، ارتقت «الليبراليَّة» من مستوى «الحريَّات والحقوق الاقتصاديَّة» إلى مستوى «الحريَّات والحقوق السِّياسيَّة».

الخميس
قضت محكمة فرنسية، في 29 يونيو المنصرم، بسجن فرانسوا فيون، رئيس الوزراء الأسبق، 5 سنوات، وتغريمه 375 ألف يورو، وحرمانه من الممارسة السِّياسيَّة لمدَّة 10 سنوات، كما قضت بسجن زوجته بينيلوب 3 سنوات مع وقف التَّنفيذ، وتغريمها 375 ألف يورو، وحرمانها من الممارسة السِّياسيَّة لمدَّة سنتين. التُّهمة التي وُجِّهت إليهما هي تعيين فرانسوا لزوجته بينيلوب في وظيفة وهميَّة، و«تمكينها»، بذلك، من الاستيلاء على مليون يورو من المال العام! .. أصحى يا بريش!

الجُّمعة
مقاربة التَّوظيف "السُّلطوي" لـ "الدِّين"، ضمن أجندة الإسلام السِّياسي في السُّودان والمنطقة، تقتضي مدخلاً أكثر عمقاً حول ظاهرة "الدَّولة"، وضعيَّاً وإسلاميَّاً. فمن النَّاحية الوضعيَّة، وفي ما يتَّصل بكونها "جهازاً وظيفيَّاً" يمثِّل "ضرورة المُلك" بالمصطلح الخلدوني، أو "جهاز القمع الطبقي" حسب ماركس، أو "احتكار العنف الجَّسدي المشروع" وفق ماكس فيبر، أخذت تتراجع، مع التَّقدُّم العلمي، الأفكار الأسطوريَّة عنها كآلة محايدة. ومنذ وقوع الانقسام التَّاريخي حول وسائل الإنتاج، تلاشى التَّقدير العفوي لملكات مَن يجمعون بين "الامتياز الشَّخصي" و"السُّلطة المعنويَّة"، كالشِّيوخ والفرسان، بما يؤهِّلهم لتسيير المجتمع. تلك كانت اللحظة التَّاريخيَّة التي احتاجت فيها "السُّلطة" لأن تتأسَّس، حسب جورج بوردو، على قيمة أخرى غير "الامتياز الشَّخصي"، فلم يتبقَّ ".. سوى حلَّين ممكنين لتفسير قدرات الحاكم: فإما تأليهه لخلق التَّوازن بين سلطته وخصائصه الشَّخصيَّة، وإما وضع السُّلطة نفسها في مكانها الصَّحيح خارج شخصـيَّته". هكذا أصبح التَّفريق مقبولاً بين "السُّلطة" ومن يمثِّلونها. فلئن كان المتخصِّصون يعقلونها في إطار النَّظريَّة القانونيَّة لـ "الدَّولة"، فإن لدى غير المتخصِّصين شكوكهم حولها، إذ لا يوجد، وفق تعبير طريف لبوردو، مَن يستطيع التَّأكيد على أنه رآها بأم عينه، ولا من يجزم بأنها غير موجودة! وهذا ما يدعم تصوُّرها كعقلنة للتَّفسير السِّحري، فحيث لم نعُد نثِّق بالخرافات، نطلب من بناء عقـلاني ما كان ينتظـره النَّاس قديمـاً من الميثيولوجـيا!
لقد جرى التنظير كثيراً ليبدو هذا الجِّهاز فوق الجَّميع، ويرتقى وفق هايراركيَّة مدعومة بفصائل مسلحة لصون "النِّظام العام". لكن التَّاريخ، كمختبر للأيديولوجيا، فضح، منذ أزمان، أن هذا "النِّظام العام" ليس سوى منظومة قواعد تؤبِّد سلطة "الأقليَّة" المستحوزة على الثَّروة، والتي تحمي الفصائل المسلحة "صالحها" باعتباره "الصَّالح العام" زوراً! وهكذا أضحت "الدَّولة" عذراً "لكون مصالح مَن يتمتَّعون بحظوتها هـي التي تمـلي القـرارات التي تُنسـب إليها"، أي أداة لتسلط "أقليَّة" تدَّعي تمثيل المجتمع كله، بينما هو منقسم، في الواقع، إلى طبقات تتدافع حول "السُّلطة والثَّروة"، مثلما أضحت ستاراً لمشروع تسلطي، إذ من حيث صُوِّرت كعامل تطهير للسُّلطة من الضَّعف الإنساني، أضحت، هي نفسها، أداة تبرير له!
مهم، مع ذلك، تناول "الدَّولة" بوصفها ثانويَّة فى علاقتها بـ "المجتمع"، فليست هي التي تحدِّده، وإنَّما هو الذي يحدَّدها بحراكاته. وفى تدقيقه لمفهوم "نهاية الدَّولة" يرى غرامشي أنها ليست منتهية بذاتها، إلا إذا جرى تصوُّرها كـ "أداة" يُشترط لنشوئها واختفائها نشوء واختفاء "المجتمع"، أو "الدَّولة الموسَّعة"، بشقَّيها المدني والسِّياسي.
هذا من حيث مقاربة الإشكاليَّة وضعيَّاً. أمَّا إسلاميَّاً فتلزمنا إضاءة فانوسين:
أوَّلهما: معياريَّة الفاروق (رض) لوظيفة "الدَّولـة الإسلامـيَّة"، ومهمَّتها الأساسيَّة، حيث: "ولاَّنـا الله على الأمَّة لنسدَّ لهم جوعتهم، ونوفِّر لهم حرفتهم، فإن أعجزنا ذلك اعتزلناهم".
ثانيهما: تفنيد التَّأويل الذي ساقه الإسلامويُّون السِّياسيُّون، أو "الخوارج الجُّدد"، لمصطلح "الحُكم" القرآني كي يطابق "السُّلطة السِّـياسيَّة"، متحجِّجين بالآيات الكريمات (44 ، 45 ، 47) من سورة المائدة: "وَمـَنْ لـَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ الله فأُولَئِكَ هُمْ الكَافِرُونْ ـ الظَّالِمُونْ ـ الفَاسِقُونْ"، ليؤسِّسوا على مظهرها اللفظي فهمهم الخاطئ لشعار "الحاكميَّة". لكن أئمَّة كثر، كابن كثير، والنِّيسابوري، والسَّيوطي، أجمعوا، بمنهج مناسبة التَّنزيل، على أن هذه الآيات تتعلق بحدَّي القتل والزِّنا اللذين أضمر بعض يهود المدينة "التَّحاكم" بشأنهما إلى محمَّد (ص)، فإن أفتى بالدِّيَّة والجلد أخذوا قوله، وإن "حَكَم" بالقصاص والرَّجم، كما في التَّوراة، لم يسمعوا إليه. وبالتَّالي، فأيُّ مسعى لسحب دلالة هذه الآيات إلى مفهوم "السُّلطة السّياسيَّة" ليس سوى تمادٍ في اللجاجة والمماحكة بدافع القفز إلى "الحُكم" شهوة وطموحاً، على حدِّ تعبير خليل عبد الكريم.
على أن بعض منظِّري الإسلام السِّياسي نفسه أصبحوا يعالجون مفهوم "الدَّولة" في الأرض، لا في السَّماء! فيصرِّحون، في شأن سيطرة "الأقليَّة" عليها، بأن "هذه مسلمة قبِل بها الفكر السِّياسي والاجتماعي الإسلامي منذ وقت طويل"، وإن كانوا يضيفون، كما فعل عادل حسين مثلاً، أن "الدَّولة" تتطلب "نخبة" سياسيَّة تقودها، فتتولى "الطبقة" الحاكمة إفرازها، أو "تتولى النُّخبة إفراز الطبقـة"! ومـع تحفظـنا على العبارة الأخيرة، إلا أن عادل حسين، مثلاً، لم يستنكف من الاستشهاد على قراءة العلاقة بين "الأقليَّة" و"الدَّولة" بأطروحة ماركس حول "نمط الانتاج الآسيوي"، وإن كان يرى "تكاملاً" بين "الحكَّام" و"المحكومين"، لكونه، برأينا، يسعى لاستصلاح تربة فكريَّة مناسبة لإنبات نوع من الدِّكتاتوريَّات "يتجاوز" تجارب البرجوازيَّة الصَّغيرة القوميَّة الفاشلة، والمتأثِّرة بسطوح الماركسيَّة في طبعتها الستالينيَّة!
ويتبدَّى التَّناقض بين الرَّغبة في "تجاوز" تلك التَّجارب، وبين الانجذاب إلى النَّموذج الستالينىِّ، واضحاً في فكر التُّرابي، زعيم حركة الإسلام السِّياسى فى السُّودان، حيث أكَّد أن حركته "نشأت تحت وطأة استفزاز وضغط الشِّيوعيِّين، فاضطرَّت لأن تأخذ عنهم بعض تجاربهم التَّنظيميَّة، ووسائلهم الحركيَّة"! وتكمن المفارقة الدراماتيكيَّة، هنا، في توقيت تلك "العدوى"، حيث لم يتَّجه الإسلام السِّياسي للأخذ ببعض مناهج الشِّيوعيين، خصوصاً السُّودانيِّين، إلا في اللحظة التَّاريخيَّة التي اتَّجهوا فيها، هم أنفسهم، للفظ تلك المناهج فكريَّاً، وفي مقدِّمتها .. الشُّموليَّة!
مع ذلك ليس ثمَّة ما يحول دون الأخذ بقول عادل بشأن هيمنة "الأقليَّة" على "الدَّولة" في المجتمع الطبقي. بل وربَّما حقَّ لنا أن ندفع بمنطق هذا القول إلى وجود "صراع" حول هذه "الهيمنة"، بين "الأقليَّة" و"الأغلبيَّة"، حتَّى وإنْ بدا، أحياناً، في حالة "سكون مؤقَّت" أو "انقطاع طاريء! لهذا نختلف في فكرة "التَّكامل"، لا لكونها، فقط، تصادم خبرة التَّاريخ، أو تتناقض مع قانون "وحدة وصراع الأضَّداد" الماركسي، بل ولأنَّها تتعارض، مع قانون "التَّدافع" القرآنى: "وَلَوْلَا دَفـْعُ اللهِ النَّاسَ بَعضَـهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَـدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينْ" (251 ؛ البقرة). فسُنَّة "التَّدافع" هذه، لا "التَّكامل"، شـرط قـرآنى يترك للإنسان اختيار موقعه في الحياة بمعيار حكمة الخلق، كما يقيم ميزان حسابه بمعيار العدل المطلق: "يَا أيُّهَا النَّاسُ إنَّمَا بغيُكُمْ عَلَى أنفُسِكُمْ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعِكُمْ فنُنَبِّئُكـُمْ بِِمَا كـُنْتُمْ تَعْمَلُونْ" (23 ؛ يونس)، "وأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى. وأَنَّ سَعْيُهُ سَوْفَ يُرَى. ثُمَّ يُجْزَاهُ الجَّزَاءَ الأَوْفَى" (39 ، 40 ، 41 ؛ النَّجم).
إذن، ولأنَّ "دين" الله ثابت، و"تديُّن" البشر متحوِّل، فإن إحلال الأخير محل الأوَّل ليس سوى ضرب من "جعْل الدِّين رأياً"، أي "خصومة"، و"جعْل الرَّأي ديناً"، أي "طغياناً"!

السَّبت
في سياق جدل كثيف حول تهديد قوميي الأرومو بتحطيم تمثال للإمبراطور منليك في العاصمة الإثيوبيَّة، إنطلقت، للأسف، في وقت مبكر من مساء الإثنين 29 يونيو المنصرم، رصاصة مجهولة المصدر، بوسط أديس أبابا، لتسلب حياة أيقونة الموسيقى والغناء الإثيوبيَّين هاشالو هوديسا، إبن الأرومو، أكبر القوميَّات في البلاد التي يتجاوز عدد مواطنيها المائة مليون نسمة، والمعروفة بتعدُّدها وتنوُّعها الهائلين. هاشالو كان قد صرَّح، أصلاً، بتلقِّيه تهديدات بالقتل، غير أنه واصل حياته بشجاعة، وظلت أعماله تتَّجه، ببسالة، في ذات خطها السِّياسي الداعم لاحتجاج الأرومو على تهميشهم الاقتصادي والسِّياسي، إلى الحدِّ الذي تحوَّلت فيه أناشيده إلى هتافات موقَّعة، وشعارات منغَّمة، تصدح بها حناجر الملايين خلال مظاهراتهم، وحراكاتهم المُشعلة لمطالِبهم التَّاريخيَّة. وفي نعيه قال آبي أحمد، إبن الأرومو، ورئيس وزراء أثيوبيا، عبر تغريدة له على تويتر، إن إثيوبيا "خسرت، اليوم، حياة ثمينة لشخص رائع"، وقد صدق، فإن هاشالو لعب، على أقل تقدير، دور الدِّينمو المغذِّي لعقول ووجدانات الأرومو خلال احتجاجات 2016م ـ 2018م التي أجبرت الائتلاف الحاكم على إقالة رئيس الوزراء السَّابق هايلي مريام ديسالين، وإحلال آبي محله، مِمَّا مكَّن للأخير أن يجري تغييرات كبيرة في البلاد أهَّلته للفوز بجائزة نوبل للسلام في 2019م، وعلى رأس ذلك، دون شك، تحقيق التَّسوية السٍّلميَّة التَّاريخيَّة الجَّريئة مع إريتريا. وكان من المتوقَّع لانتخابات حُدَّد لها، ابتداءً، أغسطس القادم، أن تكون أوَّل اختبار انتخابي لآبي، لولا إعلان تأجيلها بسبب جائحة الكورونا. ولكن، في عقابيل هذا التَّأجيل، وقع، للأسف، مقتل هاشالو، وما أثار من اضطرابات راح ضحيَّتها، خلال أيَّام قلائل، زهاء المائة ألف قتيل، وضعفهم جرحى.

الأحد
سقى الله أيَّام حبيبنا محمَّد وردي وحكاياته الطريفة. من بينها واحدة ذكَّرنا بها، مؤخَّراً، صديقنا الشَّاعر عبد العزيز جمال الدِّين، متَّعه الله بالعافية، عن مشروع أغنية كنت وضعت كلماتها، رغم أنني أستصعب، عموماً، قصائد العامِّيَّة الغنائيَّة، ولا أغامر كثيراً بالتَّجريب فيها. لكن تلك أعجبت صديقنا الرَّاحل محمود محمَّد مدني، فحملها إلى وردي، فأعجبته، بدوره، فلحَّنها على الفور. وكعادته، قبل أن "يبرِّف" الأغنية مع الأوركسترا، أولم للأصدقاء من فيض كرمه، وطيب أريحيَّته، ليُسمعهم اللحن. وحدث أن طلب منِّي، ذات سهرة، أن "أحرِّك" له واحدة من كلمتين متجاورتين، في القصيدة، ومنتهيتين بالسُّكون، لأن ذلك، كما قال، يريح الأداء! لحظتها تملكتني رغبة "شرِّيرة" في مشاغبته لأرى ردَّ فعله، فقلت له:
ــ "أعدِّل ليك قصيدتي .. إنت قايل نفسك أم كلثوم"؟!
فضحك الأصدقاء، لكنه، ببديهته الحاضرة، ونوبيَّته السَّاخرة، ردَّ لي الصَّاع، على الفور، صاعين، قائلاً، وهو يتمايل برأسه يمنة ويسرة:
ـ "لا يا حبيب قلبي .. أنا ما أم كلثوم، لكين إنت ما أحمد رامي"!
فأضحك الجَّمع أضعافاً مضاعفة، عليه رحمة الله ورضوانه.

***

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.