بقلم/ كمال الجزولى
كتبت قبل أشهر من الآن متسائلاً عمَّا إذا لم يكن ضرباً من الوهم التعويل بالكليَّة  على مجرَّد ارتباط الحركة الشعبيَّة بمواثيق مع أطراف المعارضة كى تتصوَّر هذه الأخيرة ، ولو للحظة ، إستحالة أن يُفضى أىُّ اتفاق سلام ضمن ترتيبات الايقاد إلى شراكة ما فى مستوى السلطة بين الحركة والحكومة. فقد وقع عندى أن مثل هذا التصوُّر يستمد منطقه من الفكر الحقوقى بأكثر من السياسى! ذلك أن الالتزامات الناشئة عن أىِّ اتفاق لا تعتبر مقدَّسة فى حقل الحقوق إلا بقدر ما يحرسها القانون وآليات إنفاذه. أما فى حقل السياسة فإن القانون نفسه يتحدَّد بميزان القوَّة!
ومن ثمَّ استصوبنا التعاطى مع إشارات قادة الحركة حول حرصهم على حلفائهم بأكبر قدر من الواقعيَّة السياسيَّة ، ليس فقط بسبب تضارب هذه الاشارات ، مثلاً ، ما بين تأمين السيدين منصور خالد وإدوارد لينو على مشروع هذه (الشراكة) ، تارة ، ونفى السيد ياسر عرمان ، تارة أخرى ، لاندراجها ضمن أجندة التفاوض ، أو حتى تقييده إياها بأشراط التحوُّل الديموقراطى وحقوق الانسان .. الخ (الأضواء ، 21 ـ 23/9/03) ، بل ولأن من الظلم للحركة ولأطراف المعارضة الأخرى فى نفس الوقت محاولة تقييد حراكات المستجدات السياسيَّة ، مسبقاً ، بقيود )قانون  العقود) الذى لا يشتغل بفعالية معها ، لكونه ليس أصلاً من جنسها ولا هى من جنسه!
وقلنا إن الحركة ليست مظنونة بأن تتقيَّد بأى (التزام) سياسىٍّ سابق فى ما لو تبيَّنت لاحقاً عدم جدواه فى ظل متغيِّرات أىِّ ظرف جديد! وهكذا فإن أىَّ اتفاق سلام (ثنائىٍّ) بين الحكومة والحركة لن يستنفد ، بالغاً ما بلغت ضرورته لوقف الحرب ، مطلب (التسوية السياسيَّة الشاملة) ، أو يغنى عنه شيئاً. فما أن يجف غداً حبر التوقيع عليه ، حتى تفيق البلد والمنطقة والعالم على أن ثمة نزاعات أخرى ما تزال أشراط تسويتها غير مستوفاة ، فى الشمال والجنوب والغرب والشرق. وفى هذه الحالة لن يكون التلفت بحثاً عن (التزام) سابق للحركة باستيفاء هذه التسويات الأخرى ، كشرط لاتفاقها مع الحكومة ، سوى ضرب من (الغشامة السياسيَّة) فى أفضل الأحوال!
لكن المعضلة ، بالنسبة للحركة ، تظل قائمة ، مع ذلك ، فى إدراكها اليقينىِّ لما يمكن أن يكون عليه رصيد الأحزاب الجماهيرىِّ غداً ، حين تتراجع البندقيَّة وتتقدم السياسة ، وذلك بصرف النظر عن فشل هذه الأحزاب بالأمس فى تحقيق ثقل يكافئ ما للحركة فى مضمار المواجهة العسكريَّة مع الحكومة. ولعل هذا هو بالضبط ما فطن إليه السيد ياسر عرمان ، الناطق الرسمى باسم الحركة الشعبيَّة ، فى لحظة من لحظات انتباهاته الذكيَّة بقوله فى تصريح باكر: إن الكيانات السياسيَّة المكوِّنة للتجمع الوطنى الديموقراطى سوف تظل "قوى مهمَّة لضمان مستقبل أىِّ تحول ديمقراطى في السودان ‏,‏ كذلك حزبا الأمة والمؤتمر الشعبي‏ .. ومنظمات المجتمع المدنى وجميع أقاليم السودان ‏,‏ لاسيما في الشرق والغرب‏" (الأهـرام ، 24/9/03). وفى الندوة التى نظمها له التجمع بفرجينيا فى 19/6/04 لم تبتعد إفصاحات الرجل كثيراً عن هذا المعنى ، وإن بدت فى سَمْت (الوعيد!) هذه المرَّة ، عندما (حذر!) القوى السياسيَّة من محاولة عزل الحركة ، مطالباً بضرورة التعاون معها (الصحافة ، 26/6/04).
مهما يكن من شئ ، وبما أن الحركة لا تملك للمعارضة ، حتى بتغليب حسن النيَّة ، أكثر من الانتباهة الثاقبة لوزنها الشعبى ، والاقرار الجهير بقدراتها السياسيَّة ، فقد خلصنا إلى أن الموقف الصائب الوحيد الذى كان منتظراً فى هذه الحالة هو أن تسارع المعارضة لمغادرة محطة (أشركونا) إلى محطة (نحن هنا)! ومن ثمَّ دعَوْنا التجمع للتوقف عن أعمال الصيانة والطلاء بمقرِّه الجديد بالقاهرة ، مِمَّا جاء فى الأنباء وقتها ، كناية عن أن الضرورة الملحَّة لم تعُد تستوجب نشاطه فى الخارج!

***
بعد بضعة أسابيع من ذلك كان السيد ياسـر عرمان يخاطب ندوة التجمُّـع التى أقامها فى 12/11/03 بدار حزب الوفد بالقاهرة على شرف زيارة وفد الحركة لمصر ، نافياً بشدة أن تكون الحركة بصدد الدخول فى شراكه لتقاسم الشمولية فى الخرطوم على حد قوله (سودانايل 14/11/03). غير أن وسائل الاعلام كانت قد تناقلت ، إلى ذلك ، نبأ اجتماع وفد الحركة الرفيع بقيادة الكوماندور سيلفاكير مع هيئة قيادة التجمع ، حيث أبلغوا حلفاءهم بوضوح أنهم ماضون قدماً فى ترتيب شراكتهم مع الحكومة (البيان 12/11/03). ومع أن السيد باقان اموم حَرص على التأمين ، فى ذلك اللقاء ، على (احترامهم) لتحالفاتهم مع التجمع ومع القوى السياسيَّة الأخرى ، إلا أن ذلك كله لم يحُل دون أن يشدِّد الرجل على أن (شراكتهم) مع حزب المؤتمر الوطني الحاكم ماضية لا ريب فيها (المصدر).
أحكَمُ قرار كان يمكن للتجمع اتخاذه فى تلك اللحظة هو العودة الجماعيَّة الفوريَّة للالتحام بجماهيره ، وإعادة تنظيم صفوفه ، وتنشيط العمل بالداخل ، وتعديل موازين القوى ، ومن ثمَّ تغيير شروط الظرف السياسى نفسه ، وبذلك ينقل وضعه إلى خانة أفضل ، بكل المقاييس ، فى رقعة صراع التسوية. وكما سلفت الاشارة ، فلئن لم يكن للتجمع نفس المنعة الماديَّة التى للحكومة والحركة ، أو حتى ما يقاربها ، فإن لديه السند الشعبى الذى يشكل عنصراً كامناً يستطيع بتفعيله أن يكافىء تلك المنعة ، فيأخذ بذلك زمام المبادأة ، ويرغم اللاعبَين الرئيسَيْن ، بالاضافة لوسطاء الايقاد ، على مراجعة حساباتهم ، حتف أنف النفوذ الخارجى ، بحيث يصعب تجاهله بمثل تلك الكلفة الزهيدة التى تجاهلوه بها فى المفاوضات وفى الاتفاقيَّة!

***
لكن التجمع واصل رهانه ، بدلاً من هذا ، على منهج الدبلوماسيَّة الماكوكيَّة بين الأروقة المغلقة ، وفى عزلة تامَّة عن جماهيره ، تحت عنوان وحيد هو: (أشركونا)!
وقد لا نحتاج فى معرض التدليل على ذلك إلى أكثر من إلقاء نظرة عابرة على رزنامة أدائه خلال الفترة الأكثر حسماً فى مسار المفاوضات بين أوائل ديسمبر 2003م وأواخر مايو 2004م:
(1) شهدت تلك الفترة اتفاق جدة المفاجئ بين طه والميرغنى فى 4/12/03 ، وفى غياب كل رموز التجمع ، مِمَّا أثار التساؤل المقلق المشروع حول جدوى مثل هذه الأساليب المعزولة فى العمل السياسى. وهو التساؤل الذى لا تخفف من حدَّته تصريحات الميرغنى بأن "كل فصائل التجمع .. فوضتني لتحقيق هذا الاتفاق" (الخليج ، 6/12/03) ، أخذاً فى الاعتبار بنفى بعض أطراف التجمع لهذه الواقعة ، حيث انتقد السيد التجانى الطيب الاتفاق ، كما أكدت مصادر فى الحزب الشيوعى أنه لم يسبقه تشاور بين الأطراف (أ ش أ ، 31/12/03).
(2) ثم أعلن التجمع ، بمنطق الأمر الواقع ، عن تشكيل غرف عمليات ولجان فنية استعداداً للحوار مع الحكومة ، والتنسيق مع الحركة الشعبية فى مفاوضات الايقاد تفاديا (لتضارب!) المسارات (موقع التجمع على الشبكة ، 7/12/03). وأعلن فى وقت لاحق عن تشكيل سبع لجان للسياسة والقوات النظامية والشؤون الدستورية والاقتصادية والانتخابات .. الخ (أ ش أ ، 23/2/04). ثم ما لبثت أن تلاشت ، بلا أىِّ أثر فى الواقع ، كل تلك (الاجراءات) المصمَّمة جيداً على الورق ، وغير المُعزَّزة بأىِّ اعتبار شعبىٍّ فعَّال ، مِمَّا سهَّل على الحكومة انتهاز أول فرصة (للنكوص!) عن الاتفاق نفسه ، والذى لم يكن سوى طلعة استكشافيَّة فى جبهة المعارضة ، متعللة بقبول التجمع لحركة تحرير السودان فى عضويته (أ ش أ ، 28/2/04).
(3) رغم ذلك بعث الميرغنى بالدكتور جعفر عبد الله حاملاً رسالتين إلى كل من طه وقرنق حول (أهميَّة!) إشراك التجمع فى مفاوضاتهما (الثنائية) التى كانا قد استأنفاها آنذاك بنيفاشا. وعبَّر الناطق باسم التجمع عن (تفاؤل!) التجمع بأن توافق الاطراف على تمثيله خلال تلك الجولة ، كما أعلن فاروق أبو عيسى أن هناك إشارات من الوسطاء الامريكيين والبريطانيين إلى أن الوقت قد حان لإشراك التجمع (وكالات ، 28/2/04). أما الميرغنى فقد أكد من جانبه أنه سيقود الوفد فور صدور الموافقة (وكالات ، 23/2/04). إلا أن نائب رئيس الجمهورية أبلغ المبعوث بان حكومته قررت تعليق الاتصالات مع التجمع حتى يصحِّح قراره بقبول عضوية متمردى دارفور (وكالات ، 28/2/04).
(4) ومع ذلك فإن الميرغنى ظل يؤكد أن مشاركة التجمع "قد التزم بها قرنق .. علاقتي مع قرنق تعود الى 16 نوفمبر 1988م .. ولاتزال ثقتي فيه كما كانت" (البيان ، 7/3/04). ومن المؤكد أن رئيس التجمع قد وجد من الخصائص والخصال الشخصيَّة لدى زعيم الحركة ، بعد كلِّ تلك السنوات الطويلة من المعايشة الانسانيَّة والسياسيَّة ، ما يدعو بالفعل للثقة فيه. هذا ، دون شكٍّ ، أمر طيِّب فى حدِّ ذاته ، ولكن هل يصلح بمجرَّده مبرِّراً لأن يلقى التجمع بمهامه السياسيَّة على كاهل الحركة أو قائدها؟! إشراك أو عدم إشراك التجمع فى المفاوضات قضيَّة سياسيَّة تخضع ، أوَّل ما تخضع ، لميزان القوَّة فى الظرف التاريخىِّ المعيَّن , وهذا ، بدوره ، يتحدَّد بجملة عوامل يتشابك فيها الذاتى والموضوعى. وفى حالتنا الراهنة ثمَّة طرفان تكافأت كفتاهما فى ميزان القوَّة حتى لم يعد فيهما من يعتقد أن بمقدوره إنزال الهزيمة الحاسمة بالآخر. بالاضافة إلى طرف ثالث لديه مصالح فى بلادنا ، وفى المنطقة من حولنا ، وقد تهيأ له ظرف دولىٌّ وإقليمىٌّ جعله يستقوى بمركزويَّة تتيح له ، وإلى حدٍّ بعيد ، إعادة ترتيب البيئة الملائمة لتحقيق هذه المصالح. فإذا وجد طرف آخر يريد أن يبرز فى ساحة هذا الصراع ، فيتوجَّب  عليه ، قبل أىِّ شئ آخر ، أن يتلمَّس مكامن قوَّته هو نفسه ، وما يمتاز به من مقوِّمات التفوُّق أو ، على الأقل ، عناصر الضغط التى تمكنه من تعديل ميزان القوَّة بحيث يصعب على الآخرين إهماله أو تجاوزه. وليس من بين هذه المقوِّمات والعناصر ، بالطبع ، وجود حليف يقوم مقامه أو ينهض بمهامه ، بالغاً ما بلغ هذا التحالف من الوثوق. وبالحق أنت لا تستطيع أن تبلغ على طاولة المفاوضات أبعد مِمَّا تستطيع أن تبلغ مدافعك فى الميدان ، على حدِّ تعبير ونستون شيرشل ، غير أن (المدافع) ليست دائماً هى ذلك السلاح النارى المحدَّد. وإلا فما هى (مدافع) المهاتما غاندى أو نلسون مانديلا؟! المهم أن لكل (مدافعه) التى يتوجب عليه أن يُحسن إدارتها. ولعل التعويل الملحوظ فى أداء التجمع على طاقات الحركة القتاليَّة ، أوان كانت تلك هى لغة الصراع الرئيسة طوال السنوات الماضية ، والاكتفاء فى غضون ذلك بالاستماع إلى التنويرات الدوريَّة عن سـير العمليات من د. جون ، هو الذى أغاظ ستيفن واندو ، مدير مكتب الحركة بواشنطن ، ودفعه لأن يتلفظ بما تلفظ به فى ندوة أخرى بواشنطن أواسط يونيو المنصرم ، حيث قال: لا نقبل أن تعطينا أحزاب الأمة والاتحادى والشيوعى دروسا في الديمقراطية! إن هذه الإحزاب هى سبب الأزمة في السودان! إن ما حققته الحركة من إنجاز يعود لكونها التنظيم الوحيد الذي يمتلك القدرة والتنظيم والكفاءة! إن الحركة تحمَّلت الكثير في الحرب دون أن تقوم القوى الأخرى بدورها ، فقد دفعت الحركة بالآلاف من قواتها في الجنوب والشرق على حين عجزت الأحزاب مجتمعة عن تكوين لواء واحد (الصحافة ، 17/6/04).
(5) الشاهد أن التجمع واصل عزلته عن الجماهير ، وأدار سياسته طوال الفترة الماضية تحت شعار: (أشركونا) ، مُعوِّلاً بالكليَّة على دبلوماسيَّة الأروقة المغلقة. فعقد اجتماعا موسعا، مطالع مارس الماضى ، للسفراء الأجانب بالقاهرة ، طلب فيه من دولهم الضغط على النظام ليقبل بمشاركة بقية القوى التى ستوفر للاتفاق غطاء جماهيرياً وسنداً شعبياً يضمن الاستقرار. ويستوقفنا هنا ، بصفة خاصة ، للتدليل على مدى ما أضاع التجمع فى التركيز فقط على هذه الأنشطة ، قول ناطقه الرسمى إن التنوير لاقى ارتياحاً كبيراً لدى الدبلوماسيين وأكمل لديهم الصورة الناقصة! (سودانايل 11/3/04) ، ولا تسل بعد ذلك عمَّا فعلت دولهم!
(6) وفى منتصف مارس الماضى طار الميرغنى إلى كمبالا ليعرب عن أمله فى أن يقوم (موسفينى!) أيضاً بدور ما على صعيد المفاوضات بما يضمن اتفاق سلام شامل وعادل .. الخ! ثم انتقل من هناك إلى نيفاشا ليبلغ طه وقرنق رسالة فحواها استعداده التام للتعاون من أجل الاسراع فى عملية السلام! وطالب بسلام نهائى ، شامل وعادل ، ينال موافقة كل القوى السياسية ، معلناً استعداده أيضا لقبول أى اتفاق سلام يتوصل إليه الطرفان (!) مشيراً إلى أن ذلك سيخلق واقعاً جديداً أفضل حالاً. كما ناقش مع قرنق مستقبل (التحالف!) بين الحزب الاتحادى والحركة (موقع التجمع على الشبكة ، 19/3/04).

***
أخشى ما نخشاه الآن أن يخطئ التجمع التقدير السياسى مرة أخرى ، وهو يُقبل على اتخاذ قراره التاريخى (المؤجَّل) بالعودة ، كما هو متوقع ، من خلال أحد أهم وأخطر اجتماعات هيئة قيادته بالعاصمة الاريتريَّة مطلع يوليو القادم ، وذلك فى ما يتصل بعلاقته بالحركة ، فيظلمها بتحميلها ما لا طاقة لها به ، ويظلم نفسه برهن حركته لمثل هذه الحسابات الخاسرة مجدَّداً ، أو أن تتحمَّل الحركة عبء هذا الخيار المستحيل من تلقاء نفسها ، مدفوعة بهاجس الخوف من (العزلة) كما سبق أن ألمحنا ، والنتيجة فى الحالين .. واحدة!
فالحركة ، من جانبها ، تتهيأ لترتيب شراكتها مع المؤتمر الوطنى فى السلطة ، والتحوُّل من حركة مقاتلة فى الأحراش إلى حزب سياسىٍّ مدنى حاكم ، بعد أن حققت انتصارها بالتوقيع مع شريكها الجديد على بروتوكولات السلام الستة. أما أحزاب المعارضة داخل وخارج التجمع فلم تحزم أمرها بعد بشأن المشاركة فى الحكومة القوميَّة ذات القاعدة العريضة ، إذ لا تزال تنتظر موقف (الشريكين) من شروطها التى طرحتها لأغراض هذه المشاركة ، وفى مقدمتها عرض الاتفاقية على منبر وطنى واسع لإخراجها من ضيق (الثنائيَّة) وإكسابها الطابع (القومى) ، ومعالجة اختلالاتها ونواقصها الكثيرة ، فضلاً عن اصطناع منبر آخر لوضع المعالجات اللازمة لمشكلة دارفور .. الخ.
فإذا لم يُُستوفَ هذا الشرط ، على الأقل ، فإن الاحتمال الغالب هو أن تبقى هذه القوى ، أو جُلها ، فى المعارضة. ومن نافلة القول أن الحركة ، فى هذه الحالة ، لن تستطيع ، مهما أوتيت من المهارة ، أن تلعب دور (السلطة) و(المعارضة) فى آن. فلا هى مستطيعة أن تخرج من اجتماع مجلس الوزراء ظهراً لتلتحق باجتماع هيئة قيادة التجمع مساءً ، كما يتوهَّم البعض ، ولا بمقدورها حتى أن تنفذ عملياً ، دون مخاطرة سياسيَّة حقيقيَّة ، ما أشار إليه السيد عرمان فى ندوة فرجينيا المشار إليها قائلاً: إن الحركة ستستمر في التنسيق مع التجمع وهي داخل الحكم لتضمن تنفيذ كل المواثيق المتفق عليها لإنجاز قضايا التحول الديمقراطى (سودانايل ، 23/6/04).

***
لا نستبعد ، بالطبع ، أن يتوصَّل الطرفان من خلال اجتماع هيئة القيادة إلى صيغة ما من خلال الاجتماع المشار إليه. لكن المهم هو أن نعى جيداً ، وبصورة موضوعيَّة ، أن شراكة الحركة والمؤتمر الوطنى قد ابتدأت فعلياً منذ أن قررا التفاوض الثنائى لحل المشكلة. وأن الاختلالات التى شابت البروتوكولات التى خلصت إليها مفاوضاتهما هى من جنس اختلال هذا الطابع الثنائى لمفاوضات تتعلق ، فى أصلها ، بقضايا ذات طابع وطنى عام وشامل.
لكن ، وبرغم الخطورة الاستثنائيَّة لهذه المفارقة ، فليس من المستحيل على الحركة السياسيَّة الوطنيَّة ، إن هى اعتمدت على الجماهير ، تحقيق اختراق جدى لإكساب الاتفاق قوميَّته المطلوبة ، وربطه بتحول ديمقراطي حقيقى لجهة الأوضاع المعيشية بتحسينها ، فمن حق مواطنى القوميَّات كلها فى الوطن أن يتلقوا تعويضاً مجزياً عمَّا ظلوا يكابدون من شظف فى حياتهم اليوميَّة بسبب الحرب التى كانت تكلف مليار جنيه يومياً ، وإلا فلن يعنى السلام بالنسبة لهم غير أناشيد فى الراديو والتلفزيون! وكذلك لجهة الحقوق والمظالم ، فما من قوة فى الأرض تستطيع أن تنسى المظلوم غبنه إلا برد حقه المعتدى عليه ، مادياً أو معنوياً ، وإلا فسوف يبقى السلام مهدَّداً!